4 أشهر
من الأمن القسري إلى الأمن المواطنـي.. الشيخ مقصود والأشرفية
الإثنين، 12 يناير 2026
تشكل العمليات الأمنية التي نُفذت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب نموذجًا جوهريًا يدلّل على التحول الجاري في مقاربة الدولة السورية الجديدة، والتي تعتبر خلاصة الثورة السورية نحو الأمن المقنن خلال المرحلة الانتقالية، إذ تتجاوز هذه العمليات معناها الإجرائي المباشر لتغدو اختبارًا بنيويًا وأخلاقيًا لطبيعة الدولة الناشئة، وللعلاقة التي تسعى إلى إعادة صياغتها بين القوة والشرعية والمجتمع. فالمسألة هنا لا تتعلق بضبط أمني تقليدي بقدر ما تتصل بمحاولة واعية لإعادة تعريف وظيفة العنف وحدوده، والتمييز بين منطق الدولة ومنطق الفاعلين ما دون الدولة، لا سيما في نموذج شديد الحساسية، وبعد نماذج أخرى مماثلة إلى حدّ ما، شهده تعاملًا سيئًا للغاية.
أظهرت العملية في حلب، والتي تعتبر الثالثة التي تخوضها الحكومة الانتقالية، بعد معركة الساحل، ولاحقًا في السويداء، حيث شهدت هذه العملية مستوى مرتفعًا من الانضباط والتخطيط، بما يعكس انتقالًا ملحوظًا من أنماط العنف القسري والعشوائي إلى سلوك مؤسسي منظم، تُستخدم فيه القوة بوصفها خيارًا أخيرًا وليس أداة حكم دائمة. ويكتسب هذا التحول دلالته من كونه يؤسس لفارق جوهري بين ممارسة الدولة للعنف المشروع ضمن إطار قانوني وأخلاقي، وبين استخدام العنف كوسيلة فرض وهيمنة كما كان الحال في مراحل سابقة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما جرى بوصفه ممارسة عملية لاحتكار الدولة للعنف المنظم، ولكن ضمن مقاربة تضبط هذا الاحتكار بمعايير المسؤولية والمساءلة، وبدراسة حساسة لانعكاساتها اللاحقة.
التحدي الحقيقي يكمن في منع إعادة إنتاج أنماط الإقصاء أو الهيمنة، وتحويل الضبط الأمني إلى مدخل لإعادة دمج هذه المناطق في الفضاء الوطني العام.
الأهمية الأعمق لهذه التجربة تتجلى في بعدها المفاهيمي، حيث أعادت الدولة، من خلال سلوكها الميداني، صياغة العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان، فبدل الفصل التقليدي بين متطلبات الضبط الأمني والاعتبارات المجتمعية، برزت مقاربة أكثر تركيبًا تحاول الموازنة بين ضرورة التدخل العسكري والأمني في مناطق معقدة، وبين احترام الخصوصيات الديمغرافية والاجتماعية للسكان، والآثار اللاحقة لأي تدخل أمني. ويعكس هذا التحول مراجعة شاملة لمفهوم الأمن ذاته، باعتباره وظيفة مواطنية تهدف إلى حماية المجتمع لا إخضاعه، وإلى صون العقد الاجتماعي لا تقويضه.
في الحقيقة، تندرج تجربة الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مسار أوسع لإعادة بناء العقيدة الأمنية السورية على المستويين القيمي والرمزي، وليس فقط التقني. إذ يظهر أن الدولة الجديدة تسعى إلى ترسيخ سردية أمنية مختلفة، تقوم على ربط القوة بالعدالة، والضبط بالشرعية، والسلاح بالمسؤولية الأخلاقية. ويتجلى ذلك في السلوك العسكري المنضبط، وفي محاولة تجنب الكلفة البشرية العالية، رغم التعقيد الأمني الكبير الذي يميز هذه المناطق، بما يعكس وعيًا بأن شرعية الدولة في المرحلة الانتقالية تُبنى بقدر ما تُمارس القوة، لا عبر الإفراط فيها.
لكن نجاح هذه التجربة لا يُقاس فقط بالسيطرة الميدانية أو بإنهاء مظاهر التهديد الأمني، بل يرتبط أساسًا بالقدرة على إدارة الحيين لاحقًا ضمن إطار السردية الوطنية الجامعة. فالتحدي الحقيقي يكمن في منع إعادة إنتاج أنماط الإقصاء أو الهيمنة، وتحويل الضبط الأمني إلى مدخل لإعادة دمج هذه المناطق في الفضاء الوطني العام. وهنا يتبدى الفارق الجوهري بين الجيش السوري الجديد في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وبين النموذج السلطوي السابق، سواء من حيث الخطاب أو الممارسة أو تعريف الدور الوظيفي خلال المرحلة الانتقالية.
وتحمل هذه التجربة، في الوقت ذاته، دلالة سياسية تتجاوز بعدها المحلي، إذ تُفشل رهانات بعض القوى التي سعت إلى توظيف البعد القومي أو الإثني، ولا سيما ما يسمى "الغطاء الكردي"، كما حدث لاحقًا باستخدام "الغطاء العلوي" وبعدها "الغطاء الدرزي"، لإعادة تفجير صراع هوياتي خطير، أو تصوير الدولة بوصفها طرفًا إقصائيًا لا حاميًا لكل المكونات. فقد أظهرت المقاربة الأمنية المعتمدة أن إدارة التنوع لا تمر عبر تمكين الفاعلين المسلحين أو الهويات المغلقة، بل عبر إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة بوصفه الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والأفراد، بما يحد من قابلية الاستثمار الخارجي أو الداخلي في الانقسامات المجتمعية.
يمثل ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية منعطفًا في السردية الأمنية والوطنية السورية، ويعكس تحولًا مزدوجًا على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، يقوم على الانتقال من الأمن القسري إلى الأمن المواطنـي، ومن الدولة المتغلبة إلى الدولة القوية والعادلة.
وعلى مستوى أوسع، تكتسب حالة الشيخ مقصود والأشرفية أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مدينة حلب في البنية الاجتماعية السورية. فحلب، بتاريخها وتنوعها وقدرتها النسبية على إعادة إنتاج التعايش، قد تشكل مدخلًا لإعادة ترميم "العقل الاجتماعي السوري" مقارنة بمناطق أخرى أكثر هشاشة. ومن هذا المنظور، تتحول العملية الأمنية من إجراء عسكري ظرفي إلى مدخل لإعادة بناء الثقة المجتمعية وإعادة وصل ما انقطع في النسيج الاجتماعي.
Loading ads...
لذا، يمثل ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية منعطفًا في السردية الأمنية والوطنية السورية، ويعكس تحولًا مزدوجًا على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، يقوم على الانتقال من الأمن القسري إلى الأمن المواطنـي، ومن الدولة المتغلبة إلى الدولة القوية والعادلة. وإذا ما جرى استكمال هذا التحول بإطار سياسي ومؤسسي واضح، فإنه قد يشكل أحد الأسس الصلبة لبناء الدولة السورية الجديدة، دولة تستند إلى الشرعية والمواطنة والعدالة، لا إلى الخوف والعنف المجرد. فيغدو نجاح الشيخ مقصود والأشرفية مؤشرًا محتملًا على مسار أوسع لإعادة بناء العقد الاجتماعي السوري، شرط ألا يبقى استثناءً ظرفيًا مؤطرًا بحسابات إقليمية ودولية، بل بقناعة محلية وطنية، كمدخل لتحول بنيوي في فهم الدولة للأمن والمواطنة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

