طوال الحرب التي دخلت شهرها التاسع، ظلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تراهن على أن حصار إيران، سيجعل نظامها أكثر مرونة ويدفعه إلى تقديم تنازلات، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية المتزايدة على الإيرانيين.
غير أن هذه الضغوط لم تنعكس حتى الآن في تراجع واضح لقبضة النظام الإيراني على السلطة، بل على العكس، عززت الحرب ثقته وتماسكه الداخلي، رغم تفاقم الأعباء المعيشية، وفق ما خلصت إليه صحيفة فايننشال تايمز نقلا عن تجار ومسؤولين ومحللين.
وترصد الصحيفة البريطانية عودة حركة المرور والأسواق في شوارع العاصمة طهران بعد أسابيع من القصف والحصار، إلى جانب تراجع مظاهر الانتشار الأمني المكثف.
لكنّ الإيرانيين يواجهون في الوقت ذاته، اقتصادا منهكا بفعل تراجع التجارة وارتفاع الأسعار وهبوط العملة، فيما تتقلص المبيعات وتزداد كلفة الاستيراد وتتراجع القدرة الشرائية.
وأمام قدرة النظام على احتواء تداعيات الحصار الأمريكي حتى الآن، مقابل اتساع كلفته على المجتمع، يبرز التساؤل: هل يعزز الحصار قبضة النظام في إيران أم يزعزعها؟
تبدو الحياة في طهران أقرب إلى طبيعتها، غير أن عودة الحركة إلى الشوارع، لا تعني عودة النشاط الاقتصادي أو شعور السكان بالأمان، إذ تسود المدينة حالة من الترقب والقلق وعدم اليقين، وفق ما ذكرته فايننشال تايمز.
وتقول الصحيفة إن الباعة عادوا للازدحام على الأرصفة، لكنّ شيئا واحدا لا يزال مفقودا، وهو "الزبائن"، كما عادت حركة المرور المشهورة بازدحامها في العاصمة إلى الاختناق مجددا، في حين تكاد نقاط التفتيش الأمنية تختفي تماما.
لكنّ هذه المشاهد التي تشبه طبيعة المدينة قبل الحرب، تتزامن مع مخاوف متزايدة بشأن احتمالات تجدد الحرب، وإقدام ترمب على شن ضربات واسعة بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، المقررة غدا الثلاثاء.
ومنذ شهور، تفرض واشنطن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، إلى جانب سلسلة إجراءات عقابية فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية، في مسعى لعزل طهران اقتصاديا.
وفي هذا السياق، تنقل فايننشال تايمز عن دبلوماسي غربي قوله، إن النظام الإيراني أظهر قدرا كبيرا من الثقة، مدللا على ذلك بأنه "لا يمكن رؤية وجود أمني مكثف، وقوات الأمن ليست في الشارع لتخويف الناس".
لا يخفى الأثر الاقتصادي للحصار؛ إذ تكشف بيانات رسمية نقلتها وسائل إعلام إيرانية ارتفاع أسعار المستهلكين بنحو 90% خلال سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، في حين تسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6%، في واحدة من أشد موجات ارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد منذ عقود.
وبحسب وكالة رويترز، فإن التقديرات الرسمية تكشف عن اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، إذ تبلغ النفقات الشهرية الأساسية لأسرة عاملة مكونة من 3 أفراد نحو 336 دولارا، مقابل متوسط راتب شهري يقارب 92 دولارا بسعر الصرف السائد في السوق الحرة.
وبذلك تزيد تكاليف المعيشة على متوسط الأجور بأكثر من 3 أضعاف، بينما تعجز الزيادات الحكومية في الرواتب عن مجاراة ارتفاع معدلات التضخم.
وعلى صعيد الشركات الإيرانية، تتفاقم التحديات جراء اضطراب التجارة الخارجية وصعوبة الحصول على العملات الأجنبية والمواد الخام، إلى جانب ارتفاع تكاليف الواردات وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين.
وسبق أن أقرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الحصار البحري قد تسبب في مشاكل كبرى للبلاد، لكنه قال إن حكومته تعتمد على القدرات المحلية لمواجهة الضغوط.
وفي هذا الإطار، تنقل فايننشال تايمز عن مسؤول مالي كبير في إيران قوله "لم نكن يوما في وضع بهذا السوء"، مضيفا "كل يوم تأتي فيه إلى العمل لا تعرف هل سيكون يوما أفضل أم آخر أيام عملك".
ويعزو المسؤول ذلك إلى حالة عدم اليقين التي تحيط بـ"كل شيء"، معتبرا أنها المشكلة الأساسية. ويشدّد رجال أعمال ومحللون إيرانيون للصحيفة على أنه "من المستحيل قطع طرق التجارة تماما عن دولة ضخمة لها حدود برية مع 7 دول، ولديها خبرة سنوات في الالتفاف على العقوبات".
وكان العضو السابق في البرلمان الإيراني، علي الساري، أكد -في تصريحات للجزيرة- أن الخناق الاقتصادي الحالي وإن كان الأشد، فإن بلاده تتكئ على خبراتها في الالتفاف على الحصار عبر علاقاتها بدول الجوار والأسواق الآسيوية.
من أجل ذلك، لم تتحول الضغوط الاقتصادية حتى الآن إلى اضطرابات تهدد النظام، وفق ما يرى خبراء.
وتعزو فايننشال تايمز ذلك إلى عدة عوامل، من بينها -وفق ما يرى محللون- إرهاق المعارضة الناجم عن الحرب، والخوف من الفوضى، وشعورهم بأن الحرب لم يكن المقصود منها تدمير النظام الإيراني، بل تدمير بلادهم بأكملها.
ولذلك، يخلص دبلوماسيون ومحللون لفايننشال تايمز، إلى أن الحرب أسهمت "عن غير قصد"، في تعزيز ثقة النظام الإيراني وقبضته على السلطة.
وتنقل الصحيفة البريطانية عن مصدر من داخل النظام الإيراني، قوله "سنجد طريقة للتعامل مع الحصار البحري الأمريكي"، مضيفا: "ترمب بدأ لعبة لا يستطيع مواصلتها ولا إنهاءها"، لكنّ القدرة على الصمود لا تعني أن الضغوط بلا سقف، إذ قدّر مسؤول تنفيذي في قطاع الطاقة الإيراني، أن أمام بلاده "قرابة 6 أشهر أخرى"، قبل أن يصبح الوضع صعبا جدا، معربا عن اعتقاده بأن العالم لن يسمح لترمب بمواصلة الحرب في ظل أسعار النفط الحالية، مضيفا: "أعتقد أننا نستطيع الصمود أكثر من الاقتصاد العالمي".
وهكذا، يبدو أن الحصار لم ينجح حتى الآن في زعزعة قبضة النظام الإيراني، لكنه لم يخفف أيضا من وطأة الأزمة الاقتصادية على الإيرانيين.
Loading ads...
الجزيرة + رويترز + فايننشال تايمز
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




