حين نظرنا من سمرقند إلى تاريخ الفكر الاجتماعي، قلنا إنه ينبغي أن نضع البيروني إلى جانب ابن خلدون. وقد أشرنا إلى وجود تقارب لافت بين منهج البيروني، الذي يسعى إلى فهم المجتمع الآخر من داخل عالمه الدلالي، وبين علم الاجتماع التفهّمي عند ماكس فيبر. لكننا لم ننظر إلى هذا التقارب بوصفه علاقة تأثر، بل اعتبرناه قرابة منهجية توصّل إليها مفكران عاشا في عصرين مختلفين.
غير أن المقالة التي كتبها عالم الاجتماع التركي الأستاذ الدكتور مصطفى أورتشان بعنوان "نظام الطبقات عند أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني قبل ماكس فيبر" تنقل المسألة إلى نقطة أبعد. إذ يضع أورتشان آراء البيروني وفيبر حول الهند، ولا سيما نظام الطبقات الاجتماعية فيها، جنبا إلى جنب. وتثير هذه المقارنة سؤالا مقلقا، لكنه سؤال لا بد من طرحه:
هل أخذ فيبر بعض أفكاره المتعلقة بالهند ونظام الطبقات من البيروني؟ وإذا كان قد أخذها منه، فلماذا لم يُشِر إليه ولو مرة واحدة؟
لا نستطيع، في ضوء المعلومات المتاحة لدينا اليوم، أن نجيب عن هذا السؤال بـ"نعم" قاطعة. كما أن أورتشان لا يقدّم المسألة باعتبارها واقعة انتحال مثبتة. غير أن التواريخ وأوجه التشابه والصمت عن ذكر البيروني تجعل طرح هذا السؤال مشروعا.
الاحتمال الثاني هو الأكثر خطورة: أن يكون فيبر قد اطّلع على كتاب البيروني واستفاد منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكنه لم يذكر اسمه. ويتطلب إثبات ذلك بحثا تفصيليا في ملاحظات فيبر ورسائله وسجلات المكتبات التي استخدمها والمصادر الهندولوجية التي اعتمد عليها
أتمّ البيروني كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" نحو عام 1030. ولم يكتفِ بالنظر إلى الهند من الخارج؛ بل تعلّم اللغة السنسكريتية، وتحدث مع علماء الهند، وقرأ نصوصها المقدسة، ولاحظ الفروق اللغوية والعملية بين مناطقها المختلفة.
وبتعبيرنا المعاصر، جمع بين دراسة المصادر المكتوبة وببحث ميداني يقترب من الملاحظة بالمشاركة. وبينما كان يدرس ديانة الهند وفلسفتها وجغرافيتها وتقويمها وعلم الفلك فيها، تناول نظام الطبقات أيضا باعتباره إحدى المؤسسات المركزية في الحياة الاجتماعية.
ووصف البيروني التراتب الاجتماعي ابتداء من البراهمة والكشاتريا، مرورا بالفايشيا والشودرا، وانتهاء بالفئات الواقعة خارج نظام الطبقات.
وبيّن أن هذه الطبقات لم تكن مجرد ترتيب قائم على المكانة والوجاهة؛ بل كانت تحدد المهن وتقسيم العمل وأنماط الزواج وإمكان تناول الطعام مع الآخرين ومناطق السكن وأشكال الاحتكاك اليومي. كما لفت الانتباه إلى الكيفية التي يغذي بها كل من الدين والدولة والمهن والتراتبية الاجتماعية بعضها بعضا، وأدرك العلاقة بين منع اختلاط الطبقات وتحول المهن إلى وظائف متوارثة.
وكان كل ذلك يُكتب في القرن الحادي عشر، حين لم يكن لعلم الاجتماع اسم بعد.
وبعد نحو تسعة قرون، درس ماكس فيبر، في عمله الهندوسية والبوذية (Hinduismus und Buddhismus) المنشور بين عامي 1916 و1917، نظام الطبقات من خلال علاقته بالدين والحياة الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي. وبيّن فيبر أيضا أن الطبقة ليست مجرد درجة في السلم الاجتماعي، بل هي نظام منسوج من المهنة والمكانة والطهارة الدينية والزواج والطعام وقواعد العلاقات اليومية.
كما شدد على العلاقة بين الطبقة والمهنة، وعدّ الطبقات وحدات مهنية تشبه نقابات التجار والحِرفيين.
وتكشف المقارنة التي أجراها أورتشان أن الموضوعات المشتركة بين النصين أكثر من أن تُمرَّر بوصفها مجرد مصادفة: التراتب الاجتماعي القائم على الدين، وتوزيع المهن بحسب الطبقات، ومنع الزواج وتناول الطعام بين أتباع الطبقات المختلفة، وتقسيم الجماعات إلى "طاهرة" و"نجسة"، وإجبار الطبقات الدنيا على العيش خارج القرى، والعلاقة بين القانون الديني والنظام الاجتماعي.
وبالطبع، ليس العملان متطابقين. فنظرة البيروني أشمل وأكثر تكاملا؛ إذ يحاول فهم نظام الطبقات إلى جانب جغرافيا المجتمع الهندي وعلم الفلك والأساطير والتقويم والرياضيات والقانون والحياة اليومية. أما فيبر فيتناول نظام الطبقات أساسا في سياق تأثير المعتقدات الدينية في السلوك الاقتصادي وفي إمكانات تطور الرأسمالية.
وكانت لدى فيبر معطيات إحصائية ونتائج تعدادات سكانية حديثة. لكن تفوق البيروني تمثل في أنه عاش في الهند، وتعلّم لغتها، وتحدث مباشرة إلى أبناء المجتمع الذي كان يدرسه. أما فيبر فلم يذهب إلى الهند ولم يتعلم اللغة السنسكريتية؛ بل استندت دراسته إلى النصوص المقدسة وكتب القانون والتعدادات السكانية والأدبيات الهندولوجية الأوروبية.
إذا كان فيبر لا يعرف البيروني، فإن ذلك يكشف جهلا خطيرا وانغلاقا داخل العلوم الاجتماعية الأوروبية. أما إذا كان يعرفه واستفاد منه، ثم لم يُشِر إليه، فإن المسألة تتحول إلى مشكلة أكاديمية ومعرفية أشد خطورة
وهنا تحديدا تبرز مسألة المصادر. فقد أتاح المستشرق الألماني إدوارد زاخاو كتاب البيروني عن الهند للأوساط العلمية الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر. وحين نُشرت الطبعة المحققة للنص العربي وترجمته الإنجليزية في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان فيبر لا يزال في مطلع العشرينيات من عمره. وعندما بدأ فيبر كتابة دراسته عن الهند عام 1916، كان كتاب البيروني متداولا في الأوساط الأكاديمية الأوروبية منذ نحو ثلاثين عاما.
وفوق ذلك، لم يكن زاخاو مترجما مغمورا أو مجهولا، بل كان يعمل في جامعة برلين، وكان أحد أبرز المستشرقين الألمان في عصره والمتخصصين في لغات الشرق وثقافاته. فهل يُعقل، في ظل هذه الظروف، أن فيبر لم يسمع قط بكتاب البيروني؟
هذا ممكن، لكنه في حد ذاته أمر يبعث على التفكير.
فإذا كان باحث ينجز دراسة شاملة حول البنية الدينية والاجتماعية للهند، ويضع نظام الطبقات في قلب دراسته، لكنه لا يطّلع على واحد من أشمل الكتب الكلاسيكية عن الهند، مع أنه نُشر داخل الوسط الأكاديمي الذي عاش فيه، فإننا نكون إزاء قصور خطير في الإحاطة بالمراجع. وفي هذه الحالة، لا تعود المسألة متعلقة باستفادة فيبر من البيروني، بل بعدم اعتبار الأكاديمية الأوروبية تراثا معرفيا آتيا من خارجها جديرا بأن يُرى أصلا.
أما الاحتمال الثاني فهو أكثر خطورة: أن يكون فيبر قد اطّلع على كتاب البيروني واستفاد منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكنه لم يذكر اسمه. ويتطلب إثبات ذلك بحثا تفصيليا في ملاحظات فيبر ورسائله وسجلات المكتبات التي استخدمها والمصادر الهندولوجية التي اعتمد عليها.
ومن الناحية العلمية، سيكون من التسرع القول إن "فيبر انتحل من البيروني" اعتمادا على أوجه التشابه في الموضوعات والتعبيرات وحدها.
لكن عدم العثور حتى الآن على دليل قاطع لا يمنعنا من طرح السؤال. فالأفكار لا تنتقل دائما مباشرة من كتاب إلى كتاب؛ فقد تنتقل المعلومة أولا إلى مؤلفات المستشرقين، ومنها إلى تعدادات الإدارات الاستعمارية، ثم تصل بعد ذلك إلى مفاهيم علم الاجتماع الأوروبي. وفي مثل هذه الدورة يغيب المصدر الأول، وحين تصل المعرفة إلى الأكاديمية الأوروبية يكون اسم العالم المسلم الذي أنتجها قد مُحي من النص.
ولعل هذا هو الأمر الذي ينبغي بحثه قبل غيره: فقبل أن نسأل إن كان فيبر قد قرأ البيروني بنفسه، ينبغي أن نسأل إلى أي مدى استفادت الأدبيات الهندولوجية الأوروبية وتقارير الاستعمار البريطاني، التي اعتمد عليها فيبر، من البيروني؟
إن تذكّر البيروني في سمرقند لا يقتصر على إحياء ذكر عالم عظيم عاش في الماضي، بل يفتح الباب أمام إعادة مساءلة تاريخ علم الاجتماع ومصادره ومؤسسيه. وعند هذه النقطة لا ينبغي أن نكتفي بالسؤال: "هل يمكن اعتبار البيروني سلفا لفيبر؟"، بل علينا أن نلاحق سؤالا أكثر إزعاجا: "إلى أي مدى كان فيبر يعرف البيروني؟
إن إثارة هذه المسألة لا تستلزم إنكار إسهامات فيبر في علم الاجتماع. فقد أعاد فيبر تفسير نظام الطبقات داخل إطاره المفاهيمي الخاص، وربطه بجماعات المكانة والأخلاق الاقتصادية والتقليدية وشروط تطور الرأسمالية. لكن تطوير موضوع من الناحية النظرية لا يعني اكتشافه للمرة الأولى. والاعتراف بأسبقية الملاحظات التي قدّمها البيروني قبل نحو 10 قرون لا ينتقص من قيمة فيبر؛ بل يستكمل الصفحات الناقصة من تاريخ الفكر الاجتماعي.
غالبا ما يعتبر التأريخ العلمي المتمركز حول الغرب أن البداية ليست اللحظة التي طُرحت فيها الفكرة للمرة الأولى، وإنما اللحظة التي "اكتُشفت" فيها داخل أوروبا. وحين يعيد مفكر غربي التعبير عن معرفة أُنتجت قبل قرون في لغة وحضارة أخريين، تدخل تلك المعرفة إلى تاريخ العلم باسمه هو. وهكذا لا يُستعمَر الناس وحدهم، بل تُستعمَر الأفكار أيضا؛ إذ تُنتزع من مصادرها، ويُعاد تداولها باسم جديد، وتصبح الحضارة التي جاءت منها غير مرئية.
لذلك لا تكمن أهمية مقالة أورتشان في أنها تعلن بسهولة أن فيبر "منتحل"، بل في أنها تدعونا إلى إعادة البحث في مصادر تاريخ العلم. وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين:
إذا كان فيبر لا يعرف البيروني، فإن ذلك يكشف جهلا خطيرا وانغلاقا داخل العلوم الاجتماعية الأوروبية. أما إذا كان يعرفه واستفاد منه، ثم لم يُشِر إليه، فإن المسألة تتحول إلى مشكلة أكاديمية ومعرفية أشد خطورة.
وثمة احتمال ثالث، وهو أن تكون أفكار البيروني قد امتزجت بالأدبيات الهندولوجية الأوروبية، ثم وصلت إلى فيبر بعد أن نُسي اسم مصدرها. ولعل هذا هو الاحتمال الأقوى. فمنظومة المعرفة الاستعمارية لا ترفض دائما المعرفة الآتية من الشرق رفضا كاملا؛ بل تفصلها عن مصدرها، وتعيد تسميتها، ثم تنسبها إلى نفسها.
لذلك فإن تذكّر البيروني في سمرقند لا يقتصر على إحياء ذكر عالم عظيم عاش في الماضي، بل يفتح الباب أمام إعادة مساءلة تاريخ علم الاجتماع ومصادره ومؤسسيه. وعند هذه النقطة لا ينبغي أن نكتفي بالسؤال: "هل يمكن اعتبار البيروني سلفا لفيبر؟"، بل علينا أن نلاحق سؤالا أكثر إزعاجا:
"إلى أي مدى كان فيبر يعرف البيروني؟ وإذا لم يكن يعرفه، فلماذا لم يعرفه؟ وإذا كان يعرفه، فلماذا لم يذكر اسمه قط؟".
ما يمكننا قوله بثقة من الناحية التاريخية هو أن إدوارد زاخاو نشر كتاب البيروني وقدم ترجمته الإنجليزية بين عامي 1887 و1888، وأن الكتاب كان متاحا في أوروبا قبل دراسة فيبر عن الهند بنحو ثلاثين عاما.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





