تأتي مذكرات شكري القوتلي، الصادرة بعنوان شكري القوتلي: أحداث وذكريات، في لحظة سورية مشحونة ومحمّلة بالحاجة إلى استعادة السردية الوطنية من مصادرها الأولى. فالكتاب يتجاوز موقع السيرة الشخصية لرئيس سابق، ويتحوّل إلى وثيقة سياسية عن نشوء الدولة السورية الحديثة، وعن المسار الطويل الذي قطعته الحركة الوطنية بين أواخر العهد العثماني، والانتداب الفرنسي، والاستقلال، ثم الانقلابات العسكرية، وعن فلسطين أيضاً، والوحدة السورية المصرية، وسنوات المنفى والتقاعد. هذه المساحة التاريخية الواسعة تمنح الكتاب قيمة تتصل بتاريخ السلطة والمعارضة، وتاريخ العائلة الوطنية الدمشقية، وتاريخ الذاكرة المشتركة ذاتها على أنها فعل سياسي مؤجل .
الأهمية الأولى للكتاب تنبع من طبيعته المركّبة. فهو مذكرات مسجلة ومكتوبة في آن معاً، وفيه تتجاور شهادة الفاعل السياسي مع جهد المحقق والمؤرخ، ومع ذاكرة الأسرة التي صانت المادة الأصلية عبر عقود طويلة لتظهر الآن في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ سوريا، أي بعد سقوط التجربة الدكتاتورية المريرة التي استمرت قرابة ستين عاماً. لذلك ينبغي التعامل معه بوصفه نصاً يقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: مستوى التجربة الشخصية للقوتلي، ومستوى التاريخ الوطني السوري، ومستوى الأرشيف العائلي الذي حفظ الأوراق والرسائل والصور والتسجيلات حتى صارت قابلة للنشر. من هنا تنشأ قيمته النقدية والسياسية، فهو يقدم مادة خاماً عن رجل دولة، ويكشف آلية انتقال الذاكرة من الحيازة الخاصة إلى التداول العام.
يبدأ الكتاب من الطفولة والشباب، ومن سرد الأصل العائلي والتكوين الدمشقي والدراسة الأولى، ثم ينتقل إلى جمعية "العربية الفتاة"، وجمال باشا، وسجن خان الباشا، وجلاء العثمانيين، والحكم العربي في دمشق. هذا الترتيب المنهجي يمنح القارئ صورة عن تحوّل القوتلي من ابن عائلة دمشقية عريقة طموح، إلى فاعل أساسي في مشروع سياسي عربي. فالمذكرات تجعل السياسة نتاجاً لتربية ومناخ اجتماعي ووعي تاريخي، وتربط بين الأخلاق الأسرية، والكرم، والتدين، والتعليم، وبين الحس الوطني اللاحق. بهذا المعنى، تظهر الوطنية في الكتاب كتكوين طويل يبدأ من البيت بالضرورة ، ويمر بالمدرسة، ويتبلور في الجمعية السرية والسجن والمنفى.
تظهر شخصية القوتلي في هذه المذكرات كشخصية سياسية ذات بناء أخلاقي صارم. فهو يكتب عن السياسة بلغة الالتزام، ويرى العمل العام امتداداً لمفهوم الشرف الوطني. هذه النقطة تمنح الكتاب بعداً يتجاوز الحوادث والتأريخ السياسي.
البنية السردية للمذكرات تعتمد على الذاكرة المنتقاة. القوتلي يستعيد محطات مفصلية، ويمنح بعضها تفصيلاً واسعاً، في حين تمر مراحل أخرى بإيجاز. ولاندري إن كان هذا من اختيار المحقق وهو المؤرخ السوري سامي المبيض، أم هل هذه هي الملفات التي وضعتها الأسرة أمامه للعمل، أم بالفعل هذا ما دونه وسجله وأفرج عنه الرئيس القوتلي. لكن و بكل الأحوال، هذه الطبيعة الانتقائية تمنح النص طابعه الإنساني والسياسي معاً. فالمذكرات السياسية الكبرى تقوم عادة على ما يراه صاحبها مركزياً في تجربته، وعلى ما يريد نقله إلى الأجيال من معنى. لذلك تحضر تجربة السجن، والنفي، والانتداب، والكتلة الوطنية، ومعاهدة عام 1936، وفلسطين، وحسني الزعيم، وعبد الناصر، والوحدة، كماهي لحظات تأسيسية في وعي القوتلي بذاته وبسوريا، الكتاب يقدم تاريخاً من داخل عين رجل عاش موقع القرار، ودفع ثمنه، ثم عاد إليه مرات، ثم غادره تحت ضغط العسكر والتحولات العربية.
تظهر شخصية القوتلي في هذه المذكرات كشخصية سياسية ذات بناء أخلاقي صارم. فهو يكتب عن السياسة بلغة الالتزام، ويرى العمل العام امتداداً لمفهوم الشرف الوطني. هذه النقطة تمنح الكتاب بعداً يتجاوز الحوادث والتأريخ السياسي. فالقارئ يجد أمامه نموذجاً من رجال الاستقلال، حيث كانت الشرعية مستمدة من النضال، والسجن، والمنفى، والعلاقة العضوية بالمدينة والناس. ومن خلال الفصول اللاحقة، تظهر مأساة التحول من السياسة المدنية إلى زمن الانقلابات، حيث يغدو القصر والسجن والمنفى حلقات متجاورة في حياة رجل واحد، وفي مصير بلد كامل.
تؤدي عائلة شكري القوتلي دوراً أساسياً في إنجاز هذه المذكرات. فالمادة التي وصلت إلى القارئ مرت عبر حراسة عائلية طويلة، بدأت من وصية الرئيس بحفظ الأوراق والوثائق في عهدة العائلة، واستمرت عبر كريمته السيدة هناء القوتلي التي صانت الأرشيف بما فيه من رسائل ومذكرات ووثائق وصور، رغم التنقلات بين سورية ومصر وسويسرا ولبنان وفرنسا، ورغم الحريق والقصف وما رافقهما من خطر على الوثائق. هذا الدور العائلي يستحق قراءة خاصة بالطبع لأنه يوضح كيف يمكن للبيت أن يتحول إلى مؤسسة أرشيفية معنية وواعية لقيمة الأرشيف، قبل قيام المؤسسة بالمعنى الرسمي. فالأسرة هنا حملت الذاكرة كأمانة، وتعاملت مع الورق والصوت والصورة بوصفها جزءاً من حق السوريين في معرفة تاريخهم.
حضور الابنتين في مطلع الكتاب يمنح العمل شرعية وجدانية، ويؤكد أن الذاكرة السياسية للقوتلي بقيت حية داخل العائلة قبل انتقالها إلى القارئ.
مقدمات كريمات الرئيس هناء وهالة القوتلي تضيف إلى الكتاب طبقة وجدانية ومعرفية. فهناء تكتب من موقع الابنة والحارسة، وتكشف مقدار الجهد الذي تطلّبه الحفاظ على الأوراق. أما هالة فتضع الكتاب في أفق أخلاقي ووطني، وتقدمه كإضاءة على ما مر به والدها، وما قدمه لوطنه وأمته وأسرته. حضور الابنتين في مطلع الكتاب يمنح العمل شرعية وجدانية، ويؤكد أن الذاكرة السياسية للقوتلي بقيت حية داخل العائلة قبل انتقالها إلى القارئ. هذه المقدمات تمنع قراءة الكتاب كمادة سياسية أكاديمية باردة، وتدفع نحو فهمه كحصيلة علاقة بين التاريخ الشخصي والتاريخ الوطني. وهذا مفيد لأن الجانب العائلي والشخصي في السياسة في سوريا هو أمر مفقود وموضوع محجوب من قبل الساسة و القادة عادة. رغم أن السياسة في سوريا قبل فترة البعث الكابوسية قامت على نضال مجتمعي وعائلي ممتد ومستمر.
تؤدي "مؤسسة الرسالة شكري القوتلي" دور الإطار الذي حوّل الأرشيف العائلي من ذاكرة محفوظة داخل البيت إلى مادة تاريخية منشورة ومتاحة للقراء. فقد نشأت، كما توضح الصفحات التمهيدية، من وفاء أبناء العائلة وأحفادها لذاكرة الرئيس، ومن حرصهم على صون أوراقه وتسجيلاته ورسائله وصوره، ثم تقديمها في كتاب موثّق. بهذا المعنى، تشكّل المؤسسة حلقة وصل بين العائلة بوصفها الحارس الأول للذاكرة، والمؤرخ سامي مروان مبيّض بكونه المحقق والمحرر الذي فرّغ التسجيلات، وجمع المادة، وعرّف بالأعلام والأحداث، وشرح سياقاتها، وبأّر دلالاتها الأساسية، مع المحافظة على صوت القوتلي ونصوصه كما وردت.
جهد سامي مروان مبيّض يمنح المذكرات بعداً بحثياً واضحاً. فهو يتعامل مع التسجيلات والمادة المتفرقة بوصفها وثيقة تحتاج إلى تفريغ، وتبويب، وتعريف بالشخصيات والحوادث. ومن الناحية النقدية، يكتسب الكتاب قيمته من هذا التوازن بين الصوت الأصلي والعمل التحريري. فالمحقق يتيح للنص أن يصل في صورة مقروءة، ويمنح القارئ مفاتيح لفهم سياقه السياسي والتاريخي. وتظهر أهمية هذا الجهد خاصة في كتاب يتضمن أسماء ووقائع تمتد عبر نصف قرن تقريباً من تاريخ سوريا والعالم العربي.
القيمة الكبرى لهذه المذكرات تكمن في محاولته لقراءة القرن السوري العشرين من زاوية رجل ارتبط اسمه بالاستقلال، وبالجمهورية، وبفلسطين، وبالوحدة، وبصدام السياسة المدنية مع الانقلاب العسكري. الكتاب يقدّم مادة أساسية للباحثين في تاريخ سورية السياسي، ولدارسي الذاكرة الوطنية، وللمهتمين بتاريخ العائلات السورية والدمشقية التي انتقلت من الوجاهة الاجتماعية إلى الفعل السياسي. كما يقدم نموذجاً عن دور الأسرة والمؤسسة والمحقق في إنقاذ الوثيقة من النسيان، وتحويلها إلى معرفة عامة.
Loading ads...
بهذا المعنى، تبدو مذكرات شكري القوتلي عملاً يتجاوز حدود الاستذكار. إنها عودة مدروسة إلى لحظة سورية مؤسسة، وإلى رجل عاش انتقال البلاد من السلطنة إلى الدولة، ومن النضال الوطني إلى الجمهورية، ومن السياسة البرلمانية إلى زمن العسكر. وتبقى مساهمة عائلة القوتلي ومؤسسة الرسالة شكري القوتلي في إنجاز هذا الكتاب جزءاً من قيمة المذكرات نفسها؛ فقد أنقذتا المادة، وحفظتا الصوت، ودفعتا به إلى المجال العام في لحظة يحتاج فيها السوريون إلى مصادر أصلية تعيد وصل التاريخ بالمسؤولية، والذاكرة بالمعرفة، والوطن بسير رجاله الأوائل. ولنا حديث آخر عن الصراعات التي دونتها أنامل الرئيس القوتلي ومعانيها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

