ساعة واحدة
يوم الطفل العالمي.. كيف تغيّرت نظرة البشرية إلى الطفولة والتربية عبر القرون؟
الإثنين، 1 يونيو 2026

إسرائيل تواصل غاراتها على لبنان
العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا
تاريخ النشر: 01.06.2026 | 12:21 GMT
تقدم RT تقريرا يناقش تحول نظرة المجتمع للطفل كفرد مستقل لا كعامل صغير، وثورة التربية بالقرن 20، موجها الآباء لاختيار استراتيجيات تعليمية معاصرة.
لم يُولد مفهوم الطفولة بوصفها مرحلة إنسانية خاصة ذات حقوق وهوية دفعة واحدة، بل تشكّل عبر قرون من التحولات الاجتماعية والدينية والفكرية. ففي أعماق التاريخ، لم يكن الطفل سوى بالغ صغير في انتظار أن يكبر بسرعة، إذ لم يكن ثمة ترفٌ يُسمى الطفولة حين كان معدل الأعمار لا يتجاوز الخامسة والثلاثين.
من التقاليد إلى الدولة: أربعة عصور في تاريخ التربية
يُحدّد المختصون في تاريخ التعليم أربع مراحل كبرى تشكّل خلالها مفهوم تربية الأطفال في روسيا. في أقدمها، قبل اعتناق المسيحية، كانت التربية مرادفة للاندماج في منظومة القبيلة والعائلة الممتدة. كان الأطفال يدخلون سن الرشد في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرهم إثر طقوس التنشئة، وكانت التنشئة تعني في جوهرها: ابقَ داخل الموروث، واحفظ ما هو قائم.
ثم جاء اعتناق المسيحية عام 988 ليُحوّل بوصلة التربية نحو الروح لا الجسد. غدا الهدف الأسمى إلحاق الطفل بالإيمان وإنقاذ روحه الخالدة. وقد رسّخت الأرثوذكسية مبدأ لافتا: التربية أهم من التعليم، والإيمان أرفع من المعرفة، والقلب منبع للإدراك يسبق العقل. في تلك الحقبة لم يكن التعليم سُلّما للارتقاء الاجتماعي، بل امتيازا ضيقا يعيش أصحابه في الأديرة ويعكفون على نقل المعرفة بهدوء.
وكان لإصلاحات بطرس الأكبر في مطلع القرن الثامن عشر دور في إعادة تأطير هذه المعادلة من جديد؛ إذ حوّل الدولة إلى المحور الذي تدور حوله التربية والتعليم. أنشأ أكاديمية العلوم والجامعات والمدارس المهنية، وربط التعليم بالترقي في السُّلّم الاجتماعي، فأتاح لمن يبدأ من أسفل الهرم أن يصل إلى قممه. أما القرن العشرون فقد جاء بمفهوم جامع: التعليم والتربية كلٌّ لا يتجزأ، وقد تشابكت في تشكيله سلطة الدولة والكنيسة والمجتمع معا.
تطور فهم الأبوة والأمومة وعلاقات الآباء والأبناء عبر التاريخ
لم تكن الطفولة دائما ذلك الفضاء الرحب الذي نتصوره اليوم. حتى منتصف القرن الثامن عشر تقريبا، كان الطفل ما إن يتجاوز مرحلة الاعتماد الجسدي على أمه حتى يُزجّ به في عالم الكبار وأعمالهم. كان على هامش الاهتمام الأسري، لا محوره.
ثم جاءت الحداثة والثورة الصناعية لتُعيد رسم هذه الصورة. بات الطفل موضع عناية ورعاية، وكفّت المجتمعات عن النظر إليه باعتباره يدا عاملة ينبغي استثمارها بأسرع ما يمكن. ونشأت فكرة أن الطريق إلى الحياة الراشدة المعقدة يحتاج إلى تمهيد طويل، وأن الوالدين والمربين هم جسر العبور بين الطفل والثقافة الإنسانية.
الثورة البيداغوجية: عندما أصبح الطفل مركز الكون
في مطلع القرن العشرين، أطلق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي ورفاقه ما يمكن تسميته الثورة الكوبرنيكية في التربية؛ إذ أزاحوا المعلم والمدرسة من المركز وأحلّوا الطفل محلهما. كان شعارهم الضمني: لا تصبّ المعرفة في رأس الطفل، بل اجعله يكتشفها بنفسه. في مدارسهم كان الأطفال يختارون وتيرتهم وخطّتهم في التعلم، والمعلم مستشار لا آمر.
وعلى الخط ذاته سارت ماريا مونتيسوري التي صاغت فلسفتها في جملة صارت أيقونة: "ساعدني لأفعله بنفسي". رأت أن الطفل الذي يُتاح له النمو بحرية ينمو في كل الاتجاهات: جسديا وأخلاقيا وفكريا. وفي فصولها يعيد الأطفال تشكيل بيئتهم وفق ما يحتاجون.
أما أنطون ماكارينكو فقد أُعجب به العالم لا بسبب نظريته في العمل الجماعي وحسب، بل لأنه طوّر ما يمكن تسميته تربية العلاقات. كان مشروعه يقوم على إحاطة الطفل بشبكة من العلاقات الإنسانية المتعددة، لا عزله أو وضعه في قوالب جاهزة.
وكان يانوش كورتشاك الصوت الأكثر إنسانية في هذا الحشد. أعلن ما بدا آنذاك جريئا: الطفل إنسان كامل الحقوق كالبالغ تماما. وفي دار أيتامه بوارسو أنشأ مجتمعا مصغّرا يتعلم فيه الأطفال المواطنة والانتماء قبل العلوم والحساب. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وانهيار منظومة القيم الإنسانية، لقي كورتشاك حتفه مع أطفاله في معسكرات الإبادة النازية، ليصبح شهيد التربية الإنسانية الأكبر.
وعلى ضفة أخرى من المحيط، كان بنيامين سبوك يُقدّم في أواخر الأربعينيات رسالة مختلفة لآباء الطفرة الديموغرافية الأمريكية: التربية ليست معادلة صعبة، بل أمر ممكن لكل والد محبّ. غير أن المنتقدين رأوا لاحقا أن هذا الجيل من المدلّلين لم يكن مهيأ لقسوة الحياة.
وصفات بلا تاريخ صلاحية: التربية حين تتحوّل إلى أذى
ليست كل الأفكار التربوية الشائعة بمنجاة من المراجعة. ما كان يُعدّ حكمة في سياق تاريخي بعينه، ثبت لاحقا أنه كان ضارا أو على الأقل غير ناجع. الترويض القسري على الطاعة، والعقاب البدني بوصفه أداة تهذيب، والبرود العاطفي المقصود بدعوى "تقوية" الشخصية، وفكرة أن الطفل لا يستقيم إلا بـ"كسره" أولا ـ كل هذه الأفكار باتت في خانة الممارسات الضارة.
ما تثبته التربية الحديثة وعلم النفس اليوم هو عكس ذلك تماما: الانضباط الحقيقي لا يُبنى على الخوف والقمع، بل على الشعور بالأمان وقواعد واضحة ومناخ دافئ يشعر فيه الطفل بأنه مفهوم لا مُسخَّر. اليوم، لا يُنظر إلى الأبوة والأمومة بوصفها سلطة، بل مسؤولية تجمع بين الرعاية، وتعليم القواعد، والاهتمام بالطفل.
المعلم: من ناقل للمعرفة إلى مرافق للنمو
في التعليم السوفيتي القديم، كان المعلم سيدا والطالب متلقيا، بعلاقة وصفها المختصون بأنها علاقة فاعل بمفعول به: الطالب يؤدي ما يُطلب منه بامتثال لا بفاعلية. ثم في عام 1986 جاءت مبادرة "بيداغوجيا التعاون" لتُعلن نهاية هذه المعادلة، وتُعيد للمعلم دوره الحقيقي: "شريك في الرحلة لا سلطة فوق رؤوس الطلاب".
Loading ads...
في النهاية، يقف الوالدان أمام طوفان من المناهج والنظريات والتوجيهات التربوية. ويبدو أن الحكمة العملية تُلخَّص في أمر واحد: لا توجد وصفة جاهزة لجميع الأطفال. فالطفل ذو المزاج الهادئ لن يستجيب للأوامر كما يفعل غيره، والمزاج السريع المتوّثب لن يتغيّر بالقسر. كذلك يختلف الأطفال في طريقة معالجة العالم من حولهم: فمنهم من يحتاج أن يرى الصورة الكاملة قبل تفاصيلها، ومنهم من يبني فهمه لبنة لبنة من الجزء نحو الكل. وفي المحصلة، ربما كان أنجع ما يمكن للوالدين فعله هو الإنصات الحقيقي إلى طفلهما، والنظر إليه لا بوصفه مشروعا يُنجز، بل كيانا إنسانيا يتشكّل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





