من الصعب أن تجمع بين النجمين ريو جون يول وسول كيونغ غو في عمل واحد لأول مرة من دون أن يكتسب المشروع ثقلا إضافيا. غير أن مسلسل "المصيدة" (Mousetrap) لا يعتمد على اسمي بطليه فقط، بل يضعهما داخل سؤال أكثر قلقا: ماذا يحدث عندما يستطيع شخص آخر أن يسرق حياتك كاملة؟
المسلسل الذي عرضته نتفليكس قبل أسبوعين وتصدر قائمتها العالمية للأعمال غير الناطقة بالإنجليزية بواقع 4.4 ملايين مشاهدة، يحول حكاية شعبية كورية قديمة إلى كابوس معاصر حيث يصبح الخوف أكثر واقعية.
تدور الحكاية حول الروائي الشاب "مون جاي" (ريو جون يول)، الذي اختار العزلة لسنوات بعد وفاة والديه في ظروف مأساوية، خصوصا مع ما يعانيه من قلق شديد واضطراب الهلع، لكن عزلته لا تحميه من العالم. ففي لحظة واحدة تنهار حياته، بصمته لا تعمل لفتح هاتفه، وتتوقف كلمات المرور عن الاستجابة، بل وتزداد أزمته تعقيدا لأن أمواله وممتلكاته تحت إدارة زميل يختفي بدوره.
في الجهة الأخرى يظهر "نوجا" (سول كيونغ غو)، وهو مرابٍ يُقرض الأموال ويعمل كمدير وكالة تحقيقات مستغلا مهاراته وشبكة علاقاته للبحث عن المتهربين من السداد، ومع أنه لا يهتم بأزمة البطل في البداية، فإنه يقرر مساعدته فقط لاسترداد ديونه. لكن الظروف تدفع الرجلين إلى التحالف، خاصة أن استعادة النقود تصبح مرتبطة بالكشف عن الشخص الذي سرق هوية البطل.
ويكتمل هذا المثلث مع المحقق "سون يونغ" (لي كيو هيونغ)، الذي يضيف إلى القصة زاوية مختلفة، إذ لا تصبح المسألة مجرد مطاردة بين ضحية ومنتحل، بل لغزا يتطلب إعادة النظر في كل ما يبدو مؤكدا. ومن هنا يبدأ المسلسل في طرح السؤال الأساسي: إذا كانت البصمة والاسم والبيانات تقول إنك شخص آخر، فما الذي يبقى لإثبات أنك أنت؟
المسلسل مقتبس من ويبتون "الفأر الحقلي" (Field Mouse) للفنان لودفيكو، وهو عمل يجمع بين الرعب والإثارة، تقوم فكرته على معتقد شعبي كوري قديم يرى أن الفأر إذا أكل أظافر الإنسان المقصوصة يستطيع أن يتحول إلى صورته.
هذه الأسطورة كان يمكن أن تبدو غريبة إذا بقيت مجرد خلفية فولكلورية، لكن نقلها إلى عالم واقعي يمنحها وظيفة درامية أوضح. فبدلا من التحول الجسدي الذي تقوم عليه الحكاية الأصلية، يصبح الخطر في "المصيدة" مرتبطا بفقدان السيطرة على الحياة التي يعتقد الإنسان أنها ملكه.
واللافت أن فكرة الويبتون نفسها ارتبطت لدى مؤلفه بالخوف من قدرة الخوارزميات والإعلانات الرقمية على معرفة ما يبحث عنه الإنسان وما يثير اهتمامه، لذلك تبدو حكاية "المصيدة" أكثر اتصالا بالحاضر مما قد يوحي به أصلها.
التحدي الأكبر أمام المخرج كيم هونغ سون كان تحويل فكرة فانتازيا غير مألوفة إلى إثارة يمكن تصديقها. وقد اختار المسلسل ألا يتعامل مع الفأر بوصفه عنصرا خارقا مستقلا، بل جعل الخرافة مدخلا إلى قصة بوليسية ونفسية أكثر واقعية. هذا التحول يحافظ على الفكرة البصرية للويبتون، وفي الوقت نفسه يمنحها لغة تلفزيونية تقوم على التحديات والتحقيقات وكشف المعلومات تدريجيا.
كيم هونغ سون لا يحاول اختراع لغة جديدة للإثارة، لكنه يعرف كيف يبني المشهد على الترقب، وكيف يضع الشخصيات في مطاردات مستمرة مع معلومات ناقصة لا تكتمل إلا قرب النهاية، وهو ما يعيد بدوره تعريف الشخصيات أمام الجمهور.
لكن هذا الاختيار له ثمن، فكلما اقترب المسلسل من إيقاع الدراما البوليسية التقليدية، ابتعد بالقدر نفسه عن السؤال الفلسفي الذي يجعل فكرته أكثر تميزا. ومع ذلك، يظل الإخراج ناجحا في خلق أجواء خانقة ومريبة عززها صمت يشوبه التوتر، خصوصا في المشاهد التي يصبح فيها البيت والهاتف والحساب البنكي مصادر للتهديد بدلا من أن تمنح الإنسان الشعور بالأمان.
أصعب تحديات ريو جون يول هنا أنه لا يؤدي شخصيتين منفصلتين فحسب، بل يؤدي شخصا يعيش في مواجهة نسخة أخرى منه. وهذه أول مرة يخوض فيها الممثل دورا مزدوجا بهذا الشكل، وهو تحد لم يعالجه من خلال تغيير ملامحه بصورة صارخة، بل اعتمد على تفاصيل أصغر مثل نبرة الصوت، وطريقة الحركة، والملابس، والمكياج.
هذا الاختيار يخدم فكرة المسلسل أكثر من التنكر التقليدي، فالنسخة الأخرى لا تحتاج إلى أن تبدو مختلفة حتى تكون مخيفة، بل على العكس، تبدو قريبة بما يكفي لجعل الآخرين يصدقونها. والأهم أن ريو ينجح في إبقاء "مون جاي" نفسه داخل مساحة من الشك، وهو ما يمنح الأحداث طبقة إضافية كلما انكشفت معلومات جديدة، ويجعل المشاهد حتى النهاية لا يعرف مع من يتعاطف، أو أيهما الحقيقي؟
أما سول كيونغ غو، فيختار لـ"نوجا" أداء أقل ثقلا مما قد يتوقعه المشاهد من شخصية مرتبطة بعالم إقراض الأموال. تبدأ الشخصية بدافع عملي ومباشر، لكن علاقتها بمون جاي تتغير تدريجيا، ويمنحها سول مساحة من السخرية والمرونة تجعلها أكثر من مجرد شريك في رحلة البحث عن الحقيقة.
ومع أن المسلسل يمنح ريو وسول المساحة الأكبر، فإن لي كيو هيونغ يقدم شخصية المحقق بأداء هادئ لا يخلو من التوتر. فهو رجل لا يمتلك الإجابات، بل يحاول ترتيب الوقائع المتناقضة وفهم ما يحدث، وهو ما يجعله جزءا من حالة عدم اليقين التي تحيط بالبطلين.
رغم ثقل الشخصيات الرئيسية الثلاث، تظل الشخصيات النسائية محدودة التأثير في الحبكة. وهذا لا يضر منطق الحكاية بالضرورة، لأن المسلسل يتعمد وضع أزمة الهوية في مواجهة مباشرة بين رجال يرتبطون بالجريمة والتحقيق والمال، لكنه يجعل عالم "المصيدة" أكثر ذكورية مما كان يجب أن يكون.
وقد اختار المسلسل أن يحكي قصته في عشر حلقات، وهو عدد يمنحه مساحة لبناء الشخصيات وتوزيع الانعطافات الدرامية، لكنه يترك أيضا شعورا بأن بعض التعقيدات كان يمكن اختصارها وجعل الإيقاع أكثر تركيزا، خصوصا في الحلقات الأخيرة.
يمتلك "المصيدة" واحدة من الأفكار الأكثر إثارة للاهتمام في دراما الجريمة الحديثة، ورغم قوتها، لم يأت التنفيذ بالقدر نفسه من التماسك، خاصة أن كثرة الالتواءات الدرامية في النصف الثاني تجعل بعض المفاجآت أقل أهمية من السؤال الذي انطلقت منه الحكاية.
Loading ads...
لكن يبقى "المصيدة" عملا يترك أثرا بعد مشاهدته، لأن عيبه الأساسي يأتي من الفكرة نفسها: أسئلة أكبر من الإجابات التي يقدمها. وربما لهذا السبب يستمر القلق بعد النهاية، فالرعب الحقيقي في الحكاية لا يكمن في وجود نسخة أخرى منك، بل في اللحظة التي تكتشف فيها أن الأوراق والبصمات لم تعد كافية لإثبات أنك أنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





