قفزت صور ومقاطع فيديو للكاتب الجزائري حامد ياسين، وهو يجلس في قاعة فارغة وراء طاولة مليئة بنسخ من كتابه الجديد قبل أن يشرع في البكاء لأن أحدا لم يأتِ إلى حفل توقيعه، لتتصدر المشهد وتتحول إلى ما يُعرف اليوم بـ"الترند".
وانطلق الجميع في شجب هذا الواقع الثقافي، بل وصل الأمر ببعض المعلقين إلى حد اتهام القراء الذين لم يأتوا "زرافات" لاقتناء الكتاب بالخيانة.
لكن هذا الطوفان من المشاعر والتعاطف، الذي عبر من المدينة الجزائرية النائية إلى الجزائر كلها قبل أن يكتسح إعلام دول عربية كثيرة، لم يسهم في رواج الكتاب ولا في شهرة الكاتب.
ولم نرَ مراجعات لهذا الكتاب أو مقاطع أدبية منه تحاول أن تؤكد جدارته بأن يُقتنى وأن يتهافت عليه القراء، بل ظل الترويج مقتصرا على الحادثة ولمشهد الكاتب الباكي بشكل شعبوي لإدانة الواقع الثقافي وشتم كتّاب آخرين يتمركزون في قلب المشهد الأدبي وتلاحق الجماهير أعمالهم وحفلات توقيعهم.
ولم يقع التأمل في هذه الظاهرة، لا تاريخيا ولا واقعيا، ولم تكن ذريعة للجدل الصحي حول أثرها على الكتاب بشكل عام والأدب بشكل خاص.
تُعتبر حفلات توقيع الكتب ظاهرة تسويقية حديثة ظهرت مع القرن العشرين، بوصفها إحدى حيل الناشرين لترويج كتبهم وتحقيق أرباح في وقت أسرع. وهو ما جعلها محل نقد من نقّاد كانوا ينتصرون للطريقة الكلاسيكية لحياة الكتاب ومسالك توزيعه حتى وصوله إلى قارئه.
ولعل أشهر هؤلاء النقاد العالميين هو الكاتب الفرنسي جورج ديهاميل، المعروف بمحافظته ودفاعه عن أخلاقيات العيش، ونقده للتطور الصناعي الذي يأتي كل مرة بثقافة وسلوك جديدين يضربان أصالة العيش الإنساني.
ينطلق ديهاميل في كتابه "دفاع عن الأدب" من أن الكتاب حقق نقلة نوعية بظهور الطباعة -والتي وصفها بالمعجزة- عندما صار متاحا للجميع بعد أن كان حكرا على نخبة بعينها تقتني المخطوطات.
واعتبر أن هذا التطور خدمة للإنسانية، فصار الكتاب يسافر بين شعوب العالم، قبل أن ينحرف هذا المسار تحت أيدي الناشرين التجاريين الذين واجهوا أزمة بسبب تراجع القراءة، مما دفعهم لاختراع سبل تسويقية ضديدة للهدف الأخلاقي والإنساني لنشأة الكتاب ذاته.
يقول ديهاميل: "هناك من الأمارات ما يحملنا على الاعتقاد بأن الدور الذي يلعبه الكتاب في تدعيم الأخلاق، وغرس المذاهب وتحقيق المتعة في نفوس الجماهير، آخذ في التناقص (…) وإنه وإن يكن علماء الإحصاء يجهدون أنفسهم ليثبتوا لنا بقوائم من الأرقام أن طبع الكتب مستمر كعادته، فإنني رغم ذلك لا أستطيع أن أسكن إلى اطمئنان.
وكان من يتتبع عن كثب سير تلك الظاهرة يعلم أن تجارة الكتب في ضيق شديد. حقا إن الكثير من الكتب لا يزال يُنشر، ولكنها صحوة صناعة تحتضر فتجازف بكل ما لديها، لتوهم نفسها بأنها لم تزل في قوة الحياة".
وقد بدأ نقده بالإشارة إلى أزمة الصحافة بسبب الإسراف في الصور حتى انحسرت الكتابة لصالحها، فيقول: "رجال الصحف قد وصلوا في هذا الطريق إلى مرحلة لا يستطيعون الآن الارتداد عنها (…) إذ تراهم يلجؤون إلى ضروب من الحيل في الطبع كي يستهووا الجمهور، ويحتفظوا بانتباهه الشارد الضال المضنى، وذلك حتى لا تصبح جرائدهم مجرد مجموعات من الصور.
ولكننا نعلم أن الحروف الكبيرة والعناوين الضخمة ليست الدواء الناجع، بل إنها لتساعد على استفحال تلك الظاهرة المدمرة عند الإنسانية الحديثة: وأعني بها انحلال القدرة على الانتباه".
وامتد هجوم ديهاميل إلى السينما والراديو باعتبارهما أداتين للمعرفة إلى جانب الكتاب، فاعتبرهما أداتين هشتين سيكون لهما أثر سيئ على الثقافة. ويصل في هجائه لهما إلى اعتبارهما وسيلتين أشبه بالأنهار التي تنهمر مرة واحدة ولا تعيد الأمر مرتين كالكتب لترسخ المعرفة، وأن ذلك السيلان يجعلهما تحملان كل الشوائب و"الأخلاط"، واصفا الراديو بـ"صندوق الضوضاء" الذي يأتي بكل شيء مثل حنفية تصب مرة موسيقى فاغنر ومرة الجاز.
إن فكرة "الضوضاء" هذه هي التي اشتغل عليها تجار الكتب وأوصلتنا إلى ظاهرة "حفلات التوقيع" المعاصرة؛ بحثا عن سبل جديدة لإحداث الزحام الذي يخلق سوقا.
يصب الكاتب الفرنسي فرانسيس جام غضبه على ظاهرة حفلات توقيع الكتب، ويعتبرها دخيلة على الأدب، ومجرد حيل يقوم بها تجار الكتب لغواية الناس، حتى أولئك الذين لا يعنيهم الكتاب أصلا.
ويرى جام أن محاولات التجار لمعالجة تراجع المقروئية رديئة في مجملها، مثل خلط تجارة الكتب ببضائع أخرى عبر محلات هجينة مثل "كافيه بوكس" و"بار بوكس".
يقول جام: "لقد ظن تجار الكتب، رغبة منهم في أن يثيروا حماسة جمهور ذاهل غافل موزع الأهواء أنهم يحسنون صنعا إذ يحلون تجارتهم بأنواع من المغريات لا تمت إلى بضاعتهم بصلة، فحاولوا لكي يبيعوا الكتب أن يبيعوا معها شايا ومشروبات روحية، وبذلك همّوا بأن يحولوا محلاتهم إلى ما يشبه صالون مقابلات يستطيع أن يلتقي فيه الزبائن ويجلسوا ويتمتعوا بكافة المسرات".
أما ديهاميل فيصف "الإهداء الخاص" بـ"البدعة" التي لم تزد مبيعات الكتاب بل أثقلت كاهل المنظمين وأهانت الكتّاب؛ قائلا إنها "تسبب ضياعا في الوقت، وتكلف نفقات، وتولد منافسات، وتنال من كرامة مهنة لا يتوفر لها الجو الملائم إلا في الصمت والوحدة".
وهذا تحديدا ما وصلت إليه تجارة الكتب اليوم تحت هيمنة ثقافة التسليع والتحايل؛ فأصبح بعض الكتّاب يتفننون في كتابة التوقيعات ليصبح الظفر بالإهداء أهم من الكتاب نفسه. ودمجت بعض المكتبات حفلات التوقيع بجلسات للوشم، يتم فيها تجهيز عبارات من الكتب ليحملها هواة الأوشام على أجسادهم، مما جعل بعض الكتّاب يزجون بحزم من العبارات السخيفة التي تبدو حكما لتغري مقتني كتبهم.
انتشرت في العالم العربي منذ مدة طويلة ظاهرة حفلات توقيع الكتب في المعارض. وبعد أن كانت تُعقد للكتّاب المتميزين فعلا، صارت مفتوحة لمن يؤمّن مصاريفها. ومع ظهور من سُمي بـ"أدباء المنصات"، سُحب البساط من تحت أقدام الكتّاب الحقيقيين، وسُلم "الشو" لنجوم لا تخضع مخطوطاتهم لأي تحرير، بل لفحص عدد متابعيهم.
وفي تلك الحفلات المرعبة التي تتدافع فيها حشود المراهقين مثل جماهير موسيقى "الميتال"، مات الكتاب الأدبي والكاتب بمفهومه القديم وحلّ المؤثرون، ومات القارئ وحلّت حشود المعجبين.
غزت أيضا ظاهرة الأمسيات الشعرية التي لا يقرأ فيها الشاعر إلا مصحوبا بعازف، وكأنه يستعين بشيء من خارج نصه للتأثير في المتلقي، فكثر النشاز وصار نجاح الأمسية يُقاس بجودة العازف.
وأصبح بعض الكتّاب يتعمدون اصطحاب ممثلين لحشد الجماهير، وتُطبع أغلفة الكتب بصورهم حيلا تسويقية. بل يدعي البعض منذ الأسبوع الأول لنشر رواياتهم أنهم وقّعوا عقودا لتحويلها إلى السينما، وفي أغلب الحالات تكون مجرد أكاذيب تعكس عدم ثقة الكاتب بمنجزه.
ورأينا مؤخرا حفلات توقيع في "كباريهات" بحضور مغنين شعبيين وسط أجواء صاخبة وراقصة. رأى البعض في ذلك إهانة للأدب، بينما اعتبره آخرون خروجا من "الأبراج المزيفة" واقترابا من العفوية. خلقت هذه الطقوس حالة من التنافس في البذخ لاستدعاء الفنانين والسياسيين، والحق أنه عندما نتذكر أن للطلاق اليوم حفلات تُقام، يتراجع استغرابنا خطوة!
وهذا حرفيا ما تنبأ به ديهاميل حين كتب: "رأينا منذ حين فنانة روحية موهوبة، تكتب إلى الناشرين تقترح عليهم احتيالا جديدا؛ لكي تجذب القراء تنظم حفلات موسيقية يشترك فيها فنانون معروفون. ثم ماذا؟! الكتاب مستقر التفكير الإنساني، ثم نضطر لكي نكسب له أنصارا أن نضرب على الطبل وننفخ في المزمار، وأن نستعين بالمغنين والممثلين! ومن يدرينا لعلنا نلجأ في المستقبل إلى الحواة والراقصين على الحبال".
هذه الظواهر الغريبة هي التي تحرك الإعلام الباحث عن الإثارة؛ حيث يسهم المحاورون في وضع الكاتب موضع سخرية للترفيع من نِسب المشاهدة لتعيد وسائل التواصل إنتاج تلك الضوضاء.
وفي ظل اهتزاز الثقة بالنخب، تكتسح هذه الوجوه الدخيلة المشهد لتسقطنا في هذه "الديستوبيا الثقافية". وتؤكد هذه الظواهر لأعداء النخب نظريتهم في هشاشتها؛ فها هي النخب تبكي وتنتحب، وها هي تستعين بالفنون الشعبية لترويج بضاعتها، في الوقت الذي يدّعي فيه الكاتب أنه يسمع سيمفونيات بيتهوفن وباخ حين يكتب، لكنه يستضيف فناني "المزود" والراي حين يروّج لكتابه!
وفي مقابل هؤلاء، يندفع كتّاب بسطاء، ليس لهم إلا محاولاتهم الأدبية، لتقليد تلك الحفلات، فلا يحضر لهم أحد ويسقطون في الصدمة، كما حدث مع الكاتب الجزائري (ومما يزيد الطينة بلة أن هذه الجلسات تُسمى في الجزائر بفجاجة: "جلسة البيع بالتوقيع").
ولعل هذه النكسات قد تفاجئنا بحوادث كارثية يوما ما مثل انتحار الكتّاب، إذا لم يحموا أنفسهم بميكانيزمات دفاع تقيهم الصدمات، فالكاتب اليوم كائن هش نفسيا يعيش بين عالم متخيل وآخر واقعي يحتاج فيه لعناية نفسية.
Loading ads...
والحق أن ما نراه يدخل ضمن وجوه التخلف؛ فدور النشر المحترمة في العالم صارت تجنب الكاتب الشهير إحراج الجماهير، فتطلب منه توقيع عدد من النسخ منفردا لتكون على ذمة من يريد اقتناءها، وهو ما يفعله ناشرو هاروكي موراكامي، وستيفن كينغ، ومارغريت أتوود.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





