6 أشهر
لفتح أبواب سوريا أمام المشاريع.. تسعة جوانب لابد من مراعاتها في العقود
الأربعاء، 26 نوفمبر 2025
مع رفع العقوبات الدولية ووجود حاجة ماسة لإعادة الإعمار بعد الحرب، أصبحت سوريا تقدم فرصاً جديدة أمام الاستثمارات الأجنبية في مجال المشاريع، غير أن المستثمرين الأجانب يرون بأن سوريا تتعرض لتحديات من بينها تقلب الأمور على المستوى السياسي، تدمر البنية التحتية، والمخاوف الأمنية، ولذلك يتعين عليهم أن يعطوا الأولوية لأمور تحميهم بقوة في العقود ضمن نهج شامل لإدارة المخاطر.
هنالك تسعة أمور يتعين على المتعهد الأجنبي مراعاتها عند تفاوضه على وثائق التعاقد من أجل تنفيذ مشاريع في سوريا، وفق موقع "فريش فيلدز".
تحديات تتصل بالعمليات والبنية التحتية
على الرغم من وجود بشائر، ماتزال سوريا تواجه حالة غموض على المستوى السياسي ناهيك عن التحديات الأمنية، ففي الداخل ماتزال هنالك جهات تتنافس بين الفرقاء السياسيين، ما يهدد بتجدد العنف. أما على المستوى الدولي، فقد بقيت سوريا تتأثر بالنزاع الدائر في المنطقة، ما يهدد بتعرضها لغارات جوية وهجمات.
ثم إن سنوات النزاع الطويلة خلفت بنية تحتية في وضع حرج (وتشمل الطرقات وشبكات الكهرباء، ونظم المياه)، والتي تراجعت بشكل حاد، إذ تقدر الأمم المتحدة بأن 50% من البنية التحتية السورية دمرت أو خرجت عن الخدمة.
وفي حين يقدم ذلك فرصة للاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية بسوريا، تزيد تلك التحديات من الخطر على المشاريع وتعقد أمورها، ما يجعل من الضرورة بمكان توفير عناصر حماية مشددة في العقود أمام المتعهدين الأجانب، أما تطبيق تلك الأمور فيعتمد على ظروف كل مشروع، والتي تشمل مصدر التمويل.
تسعة أمور لابد من مراعاتها في وثائق المشاريع
بنية المشروع التجاري وحالة التعاون فيه
يجب على المتعهدين الأجانب اختيار بنية المشروع التجاري بعناية، ويمكن للشراكة مع الكيانات المحلية، من خلال المشاريع المشتركة أو ما شابهها من ترتيبات، أن تسهم في تقاسم المخاطر وأن تسمح باستقطاب الخبرات الموجودة على الأرض وذلك فيما يتصل بالثقافة المحلية والأوضاع الأمنية. وغالباً ما يكون للشركاء المحليين دور بالغ الأهمية في تجاوز تعقيدات الأنظمة والقوانين. غير أن توقيع عقود مع شركاء سوريين (وبشكل خاص مع الجهات الحكومية) قد ينطوي على منع من ممارسة النشاط التجاري مع أي دولة "في حالة حرب" مع سوريا أو ما شابه ذلك من قيود غير معهودة. ولهذا من الضروري توضيح تلك القيود وضمان الامتثال لها منذ البداية.
وبعيداً عن الأطر القانونية، فإن نهج التعاقد المشترك بين جميع الأطراف (والتي تشمل صاحب العمل) قد تكون أكثر فعالية عند التنقل بين بيئات المشاريع غير المتوقعة، بدلاً من الاعتماد على بنود تعاقدية أقل مرونة. كما يمكن لنماذج التحالفات أن تعزز عملية حل المشكلات بشكل مشترك وتقاسم المخاطر، ثم إن التعامل المبكر مع أصحاب المصلحة المحليين، ومن بينهم الحكومة والبيئات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، يمكن أن يسهم أيضاً في تخفيف المخاطر التي تحيط بالمشاريع وتأمين الدعم اللازم لها.
2- ظروف الموقع وتأمينه والبروتوكولات اللازمة للوصول إليه
تضررت معظم المواقع السورية بالدمار الذي خلفته الحرب، ولهذا من المهم أن تتطرق العقود بشكل واضح لمسؤولية التقييم وإزالة الردم وإدارة الظروف السلبية للموقع، إذ مثلاً يقوم الكتاب الأحمر لأحد العقود القياسية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين والذي يعرف بشروط التعاقد على البناء (وهذا العقد معتمد بشكل واسع في الشرق الأوسط) بتحميل المتعهد مسؤولية وجود خطر تسببه الظروف المادية المتوقعة. في حين يتحمل صاحب العمل مسؤولية الخطر الذي تسببه الظروف المادية غير المتوقعة، ومن الضروري بذل العناية الواجبة لتحديد المخاطر المعلومة مع ضمان تحديد القيمة المناسبة للمشروع.
كما لابد من معالجة الأمور الأمنية التي تتصل بالوصول إلى الموقع بشكل خاص، إذ يمكن للعقود أن تحدد "الحوادث الأمنية" مثل تجدد العنف أو إغلاق الطرق المؤدية للمشروع، إلى جانب السماح للمتعهدين بتعليق العمل عند الضرورة من دون أن يترتب عليهم أي شرط جزائي. ويجب على أي مشروع مراعاة البروتوكولات المحددة والمعنية بالتحكم بعملية الوصول إلى الموقع ومراقبته، وذلك عبر اتخاذ إجراءات مثل توفير مساحات آمنة، ومراقبة إلكترونية أو عناصر أمنية إن اقتضى الأمر وذلك لحماية العمال والمعدات والمواد.
3- اللوجستيات والمرونة في سلاسل التوريد
إن البنية التحتية المدمرة في سوريا والقيود المفروضة على الحدود تخلق مخاطر كبيرة أمام عملية تسليم المواد والمعدات في الموعد المحدد، ولهذا يمكن للعقود أن تسمح للمتعهدين بشراء المواد عبر موردين بدلاء، وإرسال الشحنات عبر طرق أخرى، إلى جانب إمكانية تمديد المدة الزمنية المحددة بشكل معقول ومنطقي وذلك لتجاوز الظروف الصعبة مثل التأخير بسبب الجمارك أو تعطل عمليات النقل، ويمكن أن تشتمل تلك العقود على بنود عملية تتصل بالتخزين والمعالجة، وخاصة في المناطق التي لا تتوفر فيها مستودعات كافية أو تلك التي تشهد تحديات أمنية.
4- وضع جدول زمني مع تحديد الأسعار والقيمة
نظراً لاحتمال وقوع تأخير أو انقطاع، لابد أن تتم عملية وضع البرامج الزمنية بصورة براغماتية عملية، إذ بدلاً من الاعتماد على فقرات وبنود الظروف القاهرة أو مفهوم الإعسار الطارئ في القانون المدني (أي الضائقة الاقتصادية) لإدارة المخاطر التي يمكن أن تؤخر عمليات استكمال المشروع، يمكن للمتعهدين أن يرسموا خطة طوارئ ملائمة في جداولهم الزمنية، إذ في المواضع التي يؤثر النزاع فيها مثلاً على موقع المشروع، يمكن للمتعهدين أن يمددوا المهلة الزمنية بشكل صريح مع استعادة المتعهد للتكاليف المعنية بالمشروع، أو إضفاء حالة من المرونة ضمن البنود المتعلقة بغرامات التأخير المتفق عليها سلفاً.
كما أن تحديد السعر بشكل مؤكد قد يمثل تحدياً هو الآخر، ولهذا السبب، يجوز للأطراف المتعاقدة مراعاة فكرة طرح بدائل للعقود التي تحدد مبالغ إجمالية، مثل وضع ترتيبات للزيادة على التكاليف، إلى جانب خلق حالة شفافية مناسبة وضمانات لإدارة التكاليف، ويمكن للبنود المتصلة بزيادة الأسعار أن تساعد المتعهدين أيضاً على تجاوز أمور أخرى مثل التضخم وانخفاض قيمة العملة وتغيير الحكم والكوارث الطبيعية.
5- التعليق وحق الفسخ
عندما تكون السلطة القضائية تنطوي على مخاطر شديدة، كما هي الحال في سوريا، قد تتحول القدرة على إيقاف المشروع بشكل مؤقت أو الخروج منه إلى مسألة حساسة بالنسبة للمتعهد.
من الجائز للعقود أن تمنح المتعهدين حقوقاً واضحة بالنسبة لتعليق العمل عند الاستجابة لأحداث معينة مثل التهديدات الأمنية أو تعطل البنية التحتية. ويتعين على المتعهدين تقييم الحدث وهل تغطيه بنود الظرف القاهر أم لا، وهل يجب أن يكون ذلك الحدث غير متوقع عند التعاقد، وهل تستحيل معه عملية تنفيذ بنود العقد، وذلك لأن اعتماد حقائق معينة مثل الأعمال الإرهابية والاضطرابات المدنية قد يعتبر من الأمور المتوقعة في سوريا، ولذلك قد لا يتوفر أي إعفاء عندما تكون عدم القدرة على التوقع شرطاً، وبالطريقة ذاتها، يمكن القول بإن الإعسار لن يعفي المتعهد إلا عندما يحول حدث استثنائي وغير متوقع عملية التنفيذ إلى شيء مرهق للغاية. ولسد تلك الثغرات، يجوز أن تشتمل العقود على بنود صريحة تسمح بعملية التعليق (أو تمديد الفترة الزمنية) بسبب أخطار متوقعة لكنها شديدة وخارجة عن سيطرة المتعهد.
ومن الملائم أيضاً إضافة حق الفسخ عند تأجيل العمل لفترة طويلة، إذ يجوز للعقود أن تسمح لكلا الطرفين بفسخ العقد في حال تجاوزت عملية التعليق الفترة المتفق عليها (ثلاثة أو أربعة أشهر مثلاً)، مع تحديد إجراءات محددة للإشعار، وتوقف الأعمال والتعويض، ونقل معدات المتعهد، وإعادة المواد والمعدات لصاحب العمل.
6- تغيرات في الأنظمة والقوانين
على الرغم من وجود حكومة انتقالية في سوريا، يرجح كثيرون لسوريا أن تشهد فترة طويلة من الغموض على مستوى الأمور القانونية، إذ قد تدخل قوانين جديدة حيز التنفيذ فتؤثر على كلفة المشروع وجدوله الزمني والجدوى المرجوة منه، ولهذا يجب أن يواكب المستثمرون أي تغيير يحصل في القوانين مع ضمان مراعاة العقود لتلك التغييرات قدر الإمكان، وللحد من أي خطر مجهول، يمكن للعقود أن تشتمل على تغيير مناسب في البنود القانونية التي تبيح إجراء تعديلات في حال كان أثر التغيير في القوانين هائلاً.
7- معايير الصحة والسلامة والبيئة
نظراً للضغط الكبير الذي تعاني منه البنية التحتية الصحية في سوريا، يجوز للعقود أن تشترط على المتعهدين الأجانب الالتزام بمعايير الصحة والسلامة والبيئة الدولية، مثل القواعد البيئية والصحية وقواعد السلامة التي تتبناها مؤسسة التمويل الدولية، لأن وجود خطط شاملة لمعايير الصحة والسلامة والبيئة أمر واجب، بما أن ذلك يشمل أموراً تتعلق بإجراءات الإخلاء الطبية في حالات الطوارئ، والبروتوكولات المرعية عند تفشي مرض معين، فضلاً عن الفحوصات الصحية التي يخضع لها العاملون. هذا ويمكن أن يحدد العقد التزامات صاحب العمل المتصل بتوفير تلك الإجراءات بشكل معقول، مثل تأمين الدخول إلى المرافق الطبية أو التكفل بدفع التأمينات.
8- التأمينات
تعتبر التأمينات أداة مهمة للحد من المخاطر، ولهذا من الضروري التعامل مع مستشار في مجال التأمينات عند صياغة وثائق المشروع، ويجب على العقود تحديد أنواع التأمينات اللازمة والحد الأدنى لما تغطيه وتشمله، كما يمكن أن تفرض على المتعهد تقديم إثبات عن وجود تأمين قبل نقل المعدات والقوى العاملة، حيث يمكن أن يطلب من المتعهد استخراج بوليصات تأمين مع جهات تأمين دولية معروفة.
9- التعاقد مع الحكومة؟
تتصل كثير من العقود المعنية بإعادة بناء البنية التحتية الأساسية في سوريا بالصالح العام ولهذا قد تقوم السلطات السورية بالاستحواذ على تلك المشاريع، ولو حصل ذلك، يجب على المتعهدين الأجانب أن يراعوا وبكل دقة مسألة تطبيق النظام القانوني على هذه العقود المبرمة مع الحكومة، لأن ذلك من شأنه تغيير مسألة مراعاة عملية توزيع المخاطر (وذلك لأن القوانين الخاصة بعمليات الشراء التي تجريها الدولة قد تشمل فترات التأخير، والقوة القاهرة، وخرق أحد البنود).
أمام الاستثمار في سوريا فرصة كبيرة على المدى البعيد، غير أن ذلك يحتاج لإدارة المخاطر بشكل دقيق وواع، ولهذا من الضروري صياغة بنود العقد بشكل جيد لحماية الاستثمارات وتسليم مشاريع ناجحة، ما يستدعي وجوب تعامل المتعهدين مع مستشارين قانونيين من البداية وقبل التوقيع على أي عقد.
Loading ads...
المصدر: The Freshfields(link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


