ساعة واحدة
تدكس المخزونات يدفع إيران لخفض إنتاج النفط في ظل الحصار الأميركي
السبت، 2 مايو 2026

مع تشديد الحصار البحري الأميركي على تجارة النفط الإيرانية في مضيق هرمز، تراجعت الصادرات بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، وهو ما يضع خزانات النفط في وضع صعب. وبحسب ما نقلته "بلومبرغ" عن مسؤول إيراني رفيع، فقد بدأت إيران بالفعل في خفض الإنتاج.
ودخل الصراع مرحلة من الجمود، حيث ينتظر كل طرف تنازل الطرف الآخر. ويسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من خلال استهداف أهم مصدر دخل لطهران، إلى فرض إنهاء حرب إيران التي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة العالمية.
ومع ذلك، فقد أظهرت إيران بعض المرونة في مواجهة الحصار حتى الآن، معتمدةً على استراتيجية إطالة أمد المواجهة وزيادة التكاليف على واشنطن عبر رفع أسعار النفط، التي بلغت أعلى مستوى لها في أربع سنوات هذا الأسبوع، وفق "بلومبرغ".
وتُقلّص طهران إنتاجها من النفط الخام بشكل استباقي لتجنب تجاوز حدود الطاقة الإنتاجية، بدلاً من انتظار امتلاء الخزانات بالكامل، وفق مسؤول رفيع المستوى طلب عدم كشف هويته، نظراً لحساسية المعلومات.
ويقول مسؤولون إيرانيون، إن "المهندسين تعلموا كيفية إيقاف الآبار مؤقتاً دون إلحاق ضرر دائم بها، وإعادة تشغيلها بسرعة، بعد سنوات من العقوبات والإغلاقات التي دفعت صناعة النفط في البلاد إلى دوامات من الاضطرابات".
وقال حامد حسيني، المتحدث باسم رابطة مصدري النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية لـ"بلومبرغ": "لدينا الخبرة والكفاءة الكافية، ولسنا قلقين".
وقد صُقلت هذه التقنيات، التي اكتُسبت في ظل حروب وأنظمة عقوبات متعددة، خلال إدارة ترمب الأولى، عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وفرضت عقوبات أجبرت طهران على خفض الإنتاج بشكل كبير. وعلى المدى الطويل، أثبتت هذه القيود أنها "لم تكن بمثابة ضربة قاضية، إذ عاد الإنتاج إلى الارتفاع في السنوات اللاحقة"، بحسب "بلومبرغ".
وبالطبع، ثمة اختلافات جوهرية بين الوضع آنذاك والوضع الحالي. إذ في ظل العقوبات الغربية، دأبت طهران في الماضي على بيع النفط للصين سراً باستخدام أسطولها الضخم من ناقلات النفط وشبكة من السفن الأخرى المملوكة لشركات غير معروفة وتعمل خارج نطاق الرقابة الدولية، فيما يُعرف بـ"أسطول الظل".
إلا أن ذلك لم يعد ممكناً الآن، إذ تسعى الولايات المتحدة فعلياً إلى إغلاق المياه المحيطة بمضيق هرمز، مما أدى إلى تكدس عشرات الملايين من البراميل في مياه الخليج أمام سواحل إيران.
ويُقرّ المسؤولون الإيرانيون، حسبما نقلت "بلومبرغ"، بأن جهودهم المستمرة لمواصلة ضخ النفط لن تُجدي نفعاً إلا لفترة محدودة. وبالنسبة لهم، يكمن التحدي في قدرتهم على تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط.
واعتبرت "بلومبرغ" أن إيران "أثبتت في الماضي براعتها في الحفاظ على مكانتها في السوق، ساعيةً إلى الحفاظ على علاقاتها مع المشترين".
قال بريت إريكسون، المدير الإداري في شركة "أوبسيديان ريسك أدفايزرز": "تعتمد واشنطن في عملها على افتراض استمرار الوضع الراهن، حيث ستكتفي إيران بالوقوف مكتوفة الأيدي وتتحمل هذا الضغط، ثم تتجه نحو الانهيار وفق جدول زمني متوقع. وهذا فهم خاطئ لسلوك الأنظمة في ظل حرب اقتصادية مستمرة. فهي لا تستسلم، بل تتكيف".
ويحمل خفض الإنتاج مخاطر جمة. فمخزونات النفط تعتمد على استقرار الضغط، وقد يؤدي سوء إدارة عمليات الإغلاق إلى أضرار طويلة الأمد، وهو ما يراهن عليه البيت الأبيض.
ويعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل من حالة اضطراب. فقد سجلت عملته أدنى مستوى لها على الإطلاق مقابل الدولار هذا الأسبوع، كما أن الأضرار التي لحقت بصناعات مثل الصلب والبلاستيك جراء الحرب تدفع أسعار المستهلكين إلى الارتفاع، مما يُجبر الحكومة على الحد من بعض الصادرات غير النفطية التي تُعد عادةً مصدراً هاماً للدخل.
لكن المسؤولين الإيرانيين يُصرّون على قدرتهم على إدارة هذه الاضطرابات، على الأقل لفترة من الزمن. ولطالما أولى قادة البلاد أولوية لما يُسمى بـ"اقتصاد المقاومة"، الذي يقوم على الصمود أمام الضغوط الأميركية وتخفيفها، بدلاً من السعي وراء النمو التقليدي.
وأوضح مسؤول إيراني رفيع المستوى لـ"بلومبرغ"، أن البلاد بدأت بالفعل في خفض إنتاج النفط الخام، لكنه لم يحدد النسبة التي تم خفضها حتى الآن. وأضاف أن هذه الخطوة قد تؤثر على ما يصل إلى 30% من احتياطياتها النفطية، لكن المخاطر قابلة للإدارة بالاستفادة من الدروس الهندسية والتشغيلية المستفادة من العقوبات السابقة.
وقال حسيني: "نعرف الآبار التي يجب خفض الإنتاج فيها حتى لا يتسبب ذلك في أضرار، وحتى نتمكن من استئناف الإنتاج بسرعة". وكان قد نفى في وقت سابق من هذا الأسبوع خفض الإنتاج.
ولم تستجب شركة النفط الإيرانية المملوكة للدولة، لطلبات "بلومبرغ" المتكررة للتعليق.
ولا يوجد إجماع دقيق حول المدة التي يمكن أن تستمر فيها هذه الاستراتيجية قبل أن تصل إيران إلى "ذروة المخزون"، أي النقطة التي تمتلأ فيها الخزانات ويجب عندها إغلاق الآبار.
وتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد الماضي، أن تنفجر البنية التحتية النفطية لإيران، خلال ثلاثة أيام، وهو موعد انقضى. ويقول مسؤولون مطلعون على سياسة الطاقة الإيرانية، إن أمام البلاد "نافذة ضيقة لا تتجاوز شهراً واحداً تقريباً"، بمستويات الإنتاج الحالية، قبل نفاد سعة التخزين. وقد توصلت مؤسستا "جي بي مورجان تشيس" و"كيبلر" إلى استنتاجات مماثلة.
وفي ظل ضغوط العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب الأولى، بمساعدة من شريحة أوسع من المشترين المحتملين، وناقلات النفط البحرية، والموانئ الأجنبية لتفريغ الفائض من الإمدادات، تمكنت إيران من إبقاء آبارها تعمل بالقدر الكافي لتجنب "ذروة المخزون"، كما قال مياد مالكي، الذي كان آنذاك مسؤولاً في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، ويعمل حالياً زميلاً بارزاً في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث يدعو إلى سياسات متشددة تجاه إيران.
وأضاف مالكي، أن الوضع هذه المرة سيكون أصعب بكثير. وقال: "لم يسبق لها أن اختبرت معنى الإغلاق القسري الحقيقي للآبار".
ومنذ بدء الحصار البحري الأميركي في 13 أبريل، لجأت إيران بشكل متزايد إلى التخزين العائم. ويتجمع عدد متزايد من ناقلات النفط، بعضها مهجور وقديم، قبالة جزيرة خرج، مركز تصديرها الرئيسي. وذكرت "بلومبرغ"، الشهر الماضي، أن ناقلات فارغة استمرت في الإبحار إلى الخليج العربي في الأيام التي تلت إعلان الولايات المتحدة حصارها.
ووفقاً لشركة "كيبلر"، كان هناك 18 ناقلة نفط ذات تاريخ في تحميل النفط الإيراني في الخليج العربي وخليج عُمان هذا الأسبوع، بسعة تصل إلى 35 مليون برميل من النفط الخام. واستمرت السفن في التحميل، السبت، وفقاً لبيانات الأقمار الصناعية التي راجعتها "بلومبرغ"، على الرغم من انخفاض عددها في الأيام الأخيرة.
ويعكس هذا التراكم، انخفاضاً حاداً في تدفقات النفط الخارجة من الخليج العربي. وقد انخفضت عمليات التحميل الملحوظة منذ الحصار البحري الأميركي، على الرغم من صعوبة تفسير البيانات وتأخر ظهورها في كثير من الأحيان.
وكتب وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، على منصة "إكس"، هذا الأسبوع، أن جزيرة خرج "تقترب قريباً من طاقتها الاستيعابية القصوى". وقال إن هذا الواقع سيكلف إيران 170 مليون دولار يومياً من الإيرادات المفقودة، وسيُجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وقال أنطوان هالف، المؤسس المشارك وكبير المحللين في شركة البيانات والأبحاث "كيروس": "يبدو أن هناك تباطؤاً ملحوظاً في الإنتاج. هناك ضغط على النظام".
إذا امتلأت المخازن بالكامل، فلن يكون أمام إيران خيار سوى خفض الإنتاج بمقدار الكمية التي لم تعد قادرة على تصديرها. وبناءً على الاستهلاك المحلي قبل الحرب، والذي كان يبلغ حوالي مليوني برميل يومياً، فإن ذلك سيجعل الحقول تعمل بنصف طاقتها تقريباً. وأشار حسيني إلى أن هناك بديلًا آخر يتمثل في النقل البري إلى دول مثل تركيا وباكستان وأفغانستان وأوزبكستان، مضيفاً أن هذه الطاقة الاستيعابية ستتراوح بين 250 ألفاً و300 ألف برميل يومياً.
لكن اللجوء إلى خيارات أكثر ابتكاراً قد يصبح أكثر صعوبة، بما في ذلك إمكانية نقل بعض المنتجات النفطية بالسكك الحديدية إلى الصين، أكبر مستورد للنفط الخام الإيراني.
ويُعدّ الربط بين طهران ومدن مثل ييوو وشيان أسرع من النقل البحري، وإن كان أكثر كلفة اقتصادية، ما يُمثّل تحدياً لمصافي النفط الصينية الصغيرة، التي تعتمد على النفط الخام المُخفّض وتعمل بهوامش ربح ضئيلة.
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عشرات الأفراد هذا الأسبوع بتهمة الإشراف على شبكة "الخدمات المصرفية الموازية" في إيران. وكتب بيسنت على منصة إكس أن من بين الأهداف مصافي النفط الصغيرة.
وقال هالف، إن خفض الإنتاج حالياً قد يمنح إيران مجالاً أكبر لإدارة القيود والحفاظ على قدرتها على زيادة الإنتاج تدريجياً إذا ما تحسّنت الأوضاع.
وقبل الحصار، ظلّ قطاع النفط الإيراني متماسكاً. فقد بلغ إنتاجه حوالي 3.2 مليون برميل يومياً في مارس، وحافظت الصادرات على مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب، وفقاً لبيانات جمعتها "بلومبرغ" باستخدام معلومات تتبع السفن وتقديرات من مستشارين.
كما تحتفظ البلاد بقدرة كبيرة على نقل النفط تُعادل حوالي 37 ناقلة نفط خام عملاقة. وبحسب شركة "فورتيكسا"، تمتلك إيران ما بين 65 و75 مليون برميل من سعة التخزين العائمة، معظمها مُخزّن في ناقلات نفط تعمل في الخليج.
وقد تُتيح هذه السعة بعض الوقت، لكن مدى هذا الوقت سيتوقف على مدى صرامة الولايات المتحدة في تطبيق الحصار.
وفي نهاية المطاف، بنت إيران بنيتها التحتية لتصدير النفط على أساس المرونة، كما أوضحت كلير يونجمان، مديرة قسم المخاطر البحرية والاستخبارات في "فورتيكسا". فمن خلال الاعتماد على التخزين العائم، وعمليات النقل بين السفن، وناقلات النفط القديمة، تمتلك إيران أدوات متعددة لضمان استمرار تدفق النفط.
Loading ads...
وأضافت: "هذا يسمح باستمرار تدفق النفط على المدى القريب، حتى في ظل تشديد الإجراءات"، مشيرةً إلى أن قدرة السفن على العودة إلى الخليج لإعادة التزود بالوقود ستكون حاسمة. وتابعت: "نرى أن هذا النظام يعمل ضمن قيود، وليس في حالة تعطيل كامل للتدفقات".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

