شكّلت الكهرباء في الأيام الماضية موضوعًا أساسيًا على المائدة السورية، تساؤلات مختلفة طُرحت بعد مشاهدة المدن مضاءة دون توقف في حدث تاريخي، لتأتي إجابة وزارة الطاقة بأن مؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء نفّذت «تجربة نوعية» تمّ خلالها تشغيل التيار الكهربائي بشكل متواصل لمدة 48 ساعة في خمس محافظات: دمشق وحماة وحمص وطرطوس واللاذقية، من دون أي انقطاع عن الشبكة العامة.
ليست الكهرباء في سوريا مسألة تقنية، بل هي تفاوض سياسي–اجتماعي مستمر ومتجدّد، ومقياس أساسي لاختبار واقع العلاقة المتبادلة بين السلطة والمجتمع، ومؤشر رئيسي على تموضع سوريا الخارجي ومدى استعادتها رشاقتها الدبلوماسية والدولية.
خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، انزلقت سوريا إلى مستويات قياسية من العتمة؛ ساعات طويلة من التقنين تصل إلى أكثر من عشرين ساعة يوميًا في مدن كبرى مثل دمشق وحلب، فيما تحوّلت مولدات الديزل الخاصة إلى شريان حياة باهظ الكلفة ومُلوِّث في آن واحد. كان ذلك انعكاسًا لتموضع الأسد المعزول عن العالم، وطبيعة علاقته المقطوعة عن المجتمع.
مع التغيير السياسي، وضعت القيادة الجديدة ملف الكهرباء في قلب خطاب “استعادة الدولة”، ويمكن القول إنها عملت على خطة من ثلاثة أجنحة.
الجناح الأول هو إعادة هيكلة القطاع. فقد أُعيد تجميع مفاصل الطاقة في وزارة واحدة تضمّ النفط والكهرباء والموارد المعدنية والمياه، بعد عقود من التشتّت بين وزارات وهيئات متفرّقة. أما التنفيذ، فمن المُفترض أن يمرّ عبر شركات قابضة: كيان نفطي كبير على نسق «Syria Petroleum» مُستوحى صراحةً من نموذج أرامكو، وشركة وطنية للكهرباء، وأخرى للفوسفات والتعدين، بحيث تتحوّل الوزارة إلى جهة رسم سياسات وضبط عام، أكثر من كونها مديرًا مباشرًا لكل محطة وخط. وقد قدّم وزير الطاقة نفسه هذه الهيكلة كنوع من «الاستلهام من النموذج السعودي»، ما يعني أن إعادة التنظيم ليست إجراءً إداريًا محايدًا، بل جزء من محاولة الانزياح نحو أطر حوكمة خليجية بعد سنوات من الارتهان لمحور آخر.
صار واضحًا أن جزءًا من خطة الكهرباء لا يُفهم من دون هذا الربط الخارجي: أنبوب يُعاد تشغيله هنا، خط غاز أو ربط كهربائي يُفعَّل هناك، وصفقات مع العراق وتركيا ولبنان ودول الخليج تجعل من سوريا عقدة مرور بقدر ما هي مستهلكة
أما الجناح الثاني فهو الربط الخارجي. ففي موازاة ترتيب البيت الداخلي، حاولت القيادة الجديدة تعويض عجز التوليد المحلي بالعودة إلى ما جعل سوريا لاعبًا مهمًا تاريخيًا: موقعها الجغرافي وعلاقاتها الخارجية. قبل الحرب، مرّت عبر سوريا أنابيب أساسية مثل خط كركوك–بانياس، وخطوط النفط العراقية نحو الساحل السوري واللبناني، إضافة إلى خط الغاز العربي الذي كان ينقل الغاز المصري عبر الأردن إلى سوريا ولبنان، مع نية تمديده يومًا ما إلى تركيا. هذه البنية انهارت تدريجيًا أو لم تحيَ أساسًا بفعل العقلية السياسية والتخريب، وتحولت من مصدر نفوذ إلى عبء معلّق.
بعد سقوط الأسد ورفع جزء من القيود الخارجية، عاد الحديث عن إحياء بعض هذه الممرات: إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس كمخرج عراقي إلى المتوسط، وربطه بمشروع أوسع على شكل «ممر نفطي عراق–سوريا–لبنان» يعيد الحياة لمصفاة طرابلس اللبنانية، بالتوازي مع محاولات إنعاش القسم السوري من خط الغاز العربي واستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية كجزء من ترتيبات أوسع تشمل لبنان أيضًا. ليست فكرة الربط نفطية وغازية فقط؛ فتركيا نفسها لا تكتفي بعرض أن تكون مورّدًا رئيسيًا للكهرباء والغاز إلى سوريا في إطار رؤيتها لنفسها كـ«مركز طاقة» إقليمي، بل بدأت فعلًا بتمرير الغاز الأذربيجاني نحو محطات سورية لتوليد الكهرباء، فيما تُطرَح استثمارات خليجية في محطات غازية كبيرة على الشاطئ السوري لتغذية الداخل وربما التصدير لاحقًا، إلى جانب مذكرات تفاهم مع قطر والسعودية لمشاريع توليد غازية وشمسية ورياح بقدرات تعِد نظريًا بتعويض جزء مهم من الفجوة الحالية.
بهذا المعنى، صار واضحًا أن جزءًا من خطة الكهرباء لا يُفهم من دون هذا الربط الخارجي: أنبوب يُعاد تشغيله هنا، خط غاز أو ربط كهربائي يُفعَّل هناك، وصفقات مع العراق وتركيا ولبنان ودول الخليج تجعل من سوريا عقدة مرور بقدر ما هي مستهلكة. لكن هذه المشاريع، حتى تلك التي بدأت تلوح لها بعض الخطوات العملية مثل الغاز الأذري، ستبقى في هذه المرحلة محدودة الأثر أو حبرًا على ورق في انتظار ترتيبات سياسية أوسع، وتمويل خارجي يظل بدوره مشروطًا بهذه الترتيبات قبل أي اعتبار تقني أو اقتصادي.
في الخلفية السورية جناح ثالث، وهو الطاقة المتجددة. فقد أُعلن عن مشاريع رياح وشمس إضافية بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط مع شركات سعودية، وعن ترخيص أكثر من 150 مشروع طاقة شمسية خاصة مجموع قدرتها يفوق 100 ميغاواط. لكن على الأرض، ما هو متصل فعليًا بالشبكة العامة لا يتجاوز بضع عشرات من الميغاواط، ما يعكس فجوة واضحة بين لغة الإعلانات وحجم القدرة المضافة فعليًا، ويحوّل هذا الجناح الثالث حتى الآن إلى وعد أكثر منه واقعًا ملموسًا. ومع ذلك، يبقى هذا الجناح هامًا جدًا، كونه يمكن أن يمنح سوريا جانبًا رئيسيًا من الاستقلالية السياسية والثبات الداخلي.
الإحياء الطاقوي السوري ليس تقنيًا بتاتًا، بل هو سياسي في صلبه؛ فانتقال سوريا إلى تموضع جديد فتح لها أبواب شراكات طاقوية تركية–عربية–غربية. لكنه أيضًا فتح باب التساؤلات التي لن يجيب عنها إلا الوقت والعمل. فالجهة الأولى تتعلق بكيفية تطبيق التحسن الطاقوي على الأرض من ناحية التوزيع والتسعيرة وضبط القطاع من الفساد والمحسوبية والتمييز. ومن جهة ثانية، يرتبط الأمر بتطور العلاقات السياسية الخارجية لسوريا وتموضعها، والذي لم يبلغ حتى الآن المستوى الذي يزيل كافة القيود الاقتصادية ويفتح باب الاستثمارات والدعم على مصراعيه، وهو ما يجعل خطط الربط حتى الآن أقرب إلى الكلام منها إلى التطبيق الكبير في ظل غياب السيولة. ثالثًا، هناك مسألة وحدة الأراضي السورية، خاصة استعادة السيطرة على المناطق الشرقية التي تتركز فيها آبار النفط والغاز، والتي يمكن أن تمنح سوريا متنفسًا حقيقيًا في هذا المجال.
Loading ads...
من شأن التركيز على قطاع الطاقة في سوريا أن يثبّت ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والشعب بطريقة صحية، كما أنه اليوم يمكن أن يُتَّخذ كمقياس لمدى التطبيع الدولي مع سوريا ومدى استعادتها مكانتها الإقليمية والدولية. وهذا يتطلب جهدًا سوريًا مضاعفًا، إلى جانب جهد من أصدقاء سوريا. عليه، إذا أردت أن تعرف مستقبل سوريا خارجيًا وداخليًا، فأبقِ عينك على الطاقة فيها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


