في سجن صيدنايا، دعاني أحد الزملاء المعتقلين، وهو شاب إسلامي من دير الزور، إلى دراسة «ضوابط التكفير»، وهو ما يشبه دستور الحركات السلفية الإسلامية عبر العالم. رفضت بلباقة، وسقت له حجة أقنعته ربما.
بعد مضي ما يقرب من عقدين على تلك الحادثة، ما زلت أفكر في ذلك الشاب الإسلامي، وفي تجاوزه لحواجز التكفير ذاتها في دعوته تلك – باعتباري من بيئة علوية وهو يعلم ذلك – فأجد في دعوته شجاعة فكرية، وتجاوزاً للذات ولخطوط حمر راسخة منذ ثمانية قرون. ورحت أسأل نفسي: لماذا لا يدعو الإسلاميون كل العلويين إلى دراسة «ضوابط التكفير»؟ فهم بذلك يُخرجونهم عملياً أو نظرياً من دائرة المكفَّرين إلى دائرة المسلمين الموثوقين.
قد تبدو هذه مزحة سمجة، لكنها دعوة للتفكير في غير المفكَّر به. وهي تصلح، ربما، كمقدمة للحديث الجاد عن مسألة التكفير في زمن تغيّرت فيه الظروف والأسباب، وتغيّر فيه المكفَّرون – العلويون – أيضاً، إذ تحوّلوا إلى مجتمع أهلي متوطن، بعدما كانوا في أول نشأتهم جماعة سياسية مقاتلة.
لقد أمسى تكفير مواطن أو جماعة من المواطنين، يشاركوننا مواطنة بلادنا، أياً كان توجههم الديني أو مذهبهم أو اعتقادهم، بمثابة ارتكاب جريمة اعتداء على قيم الإسلام السمحة، الداعية إلى الرحمة والعدل ومحاورة المختلفين بالحسنى.
ليس أقسى من قتل إنسان مؤمن في أقرب لحظة وجدانية بينه وبين ربه. فإذا لم تكن لحظة الصلاة والتوجّه إلى الله، ركوعاً وسجوداً وتضرعاً، لحظة قدسية، فمتى وكيف تكون لحظة القداسة؟! إن جريمة اغتيال المؤمنين خلال صلاتهم لهي جريمة يتبرأ منها الشيطان نفسه والوحش نفسه؛ فلا يمكن لمسلم أو لمؤمن أن يقتل مسلماً أو مؤمناً وهو يصلي. ولربما لو انتظر الوحش فريسته حتى تقضي صلاتها وتخرج ثم فجّرها، لكان ذلك أقل وحشية وجحوداً لله. فهل من عاقل في هذا الزمان يعتقد أنه بقتله إنساناً يمكن أن يدخل الجنة؟! فكيف به يقتل إنساناً مؤمناً ومسلماً وهو يصلي ويتضرع لله؟!
لقد أمسى تكفير مواطن أو جماعة من المواطنين، يشاركوننا مواطنة بلادنا، أياً كان توجههم الديني أو مذهبهم أو اعتقادهم، بمثابة ارتكاب جريمة اعتداء على قيم الإسلام السمحة، الداعية إلى الرحمة والعدل ومحاورة المختلفين بالحسنى. وهو، باعتقادنا، خيانة وطنية، بل خيانة للإنسانية، يُضاف إليها جرم التحريض على القتل. والتحريض على أي مواطن أو جماعة يرقى، في زعمي، إلى مستوى الشروع في جريمة قتل.
لذا، يُفترض بالحكومات العربية والإسلامية الإيعاز إلى مؤسسات الفتوى والقضاء لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتثبيت مقاربة جديدة بخصوص المختلفين مذهبياً ودينياً عن المذهب الديني الرسمي للدولة. وفي سوريا، نحتاج إلى هذا الإجراء للانتقال إلى عهد جديد، هو عهد مجتمع المواطنة ودولة المواطنة.
وفي الوقت الذي تدين فيه الدول العربية تفجير المساجد، وتدين الإرهاب، وتنخرط في تحالفات دولية لمحاربته، فإن أياً من هذه الدول والجهات لم يُدن التكفير رسمياً وقانونياً، دون أن يلاحظ الجميع أن التكفير هو الأب الشرعي للإرهاب. وأغلب الإدانات الحكومية العربية موجّهة إلى الخارج، تملصاً من تهمة دعم الإرهاب، أو إثباتاً لمظلومية رسمية عربية تجد في ادّعاء مواجهة الإرهاب ملاذاً للحصول على الرضى الغربي.
فلا يعقل أن يستمر منطق القرون الوسطى حتى هذه اللحظة؛ فنحن ببساطة لا نعيش في القرون الوسطى. ويفترض بالدولة دفع علماء الفقه والقانون إلى استنباط فقه لعصر ما بعد القرون الوسطى، فقه مذهبي مناسب لدولة المواطنة والقانون.
إن فتوى ابن تيمية جاءت في سياق مشابه لما تشهده اليوم سوريا من ضعف وهشاشة وتربص داخلي وخارجي، وكانت موجهة إلى عناصر تابعة للأجنبي أو يُخشى أن تصبح أداة بيده. وهو ما يعني، لو ترجمنا ما أُقدم إلى لغة الواقع المباشر، أن العلويين ليسوا خطراً على سوريا، بل الخطر يتمثل في داعش وفلول النظام وبقايا «قسد» والهجري.
فالنصيريون الذين كفّرهم ابن تيمية كانوا حركة سياسية-فكرية وليدة، أما نصيرية اليوم – أو العلويون – فهم مجموعة سكانية، وجزء من المجتمع السوري، يريد العيش بسلام. وقد تَقولَب هذا الجزء من المجتمع ذهنياً، وتموضع معاشياً، ليكون جزءاً من الدولة ومؤسساتها، بعد تجربة امتدت نصف قرن، شكّل فيها الموظفون العلويون كتلة كبيرة في مؤسسات الدولة.
هل نصل قريباً إلى لحظة نقول فيها بثقة: «لا تكفير بعد اليوم»؟! مستذكرين مقولة – وصية – كُتبت على جدار معبد في مدينة تدمر قبل ألفي عام: «لا تشتم إلهاً لا تعبده».
ويُقال إن ابن تيمية نفسه تراجع عن فتواه تلك بحق النصيريين، بعدما قام مع عدد من علماء الفقه بزيارة إلى مناطقهم في جبل كسروان (الواقع اليوم في لبنان)، ومكثوا بينهم وجادلوا علماءهم، وعلى إثر ذلك تراجع عن تكفيرهم، وهو ما يُستشف من رسالة كتبها إلى الملك المنصور.
أما الذين يشكّلون خطراً على الدولة والمجتمع اليوم فهم داعش، والفلول، وبقايا «قسد»، والهجريون. فهؤلاء، بمنطق ابن تيمية، يستحقون التكفير، وهو تكفير سياسي – كما فعل نظام الأسد تجاه الإخوان حين كفّرهم وعاقبهم بالإعدام – وليس تكفيراً عنصرياً يستهدف جماعة سكانية أو مجتمعاً مستقراً.
ومن ناحية أخرى، فإن من الواجب دعوة شباب الساحل جميعاً، ولا سيما المنحدرين من الجماعة العلوية، إلى الانتساب إلى قوى الأمن والجيش، للمساهمة في حماية البلاد من الإرهاب المتنقل. وكذلك من واجب الجهات المعنية التوعية بهذا الخصوص لتسهيل عمليات الانتساب.
فهل نصل قريباً إلى لحظة نقول فيها بثقة: «لا تكفير بعد اليوم»؟! مستذكرين مقولة – وصية – كُتبت على جدار معبد في مدينة تدمر قبل ألفي عام: «لا تشتم إلهاً لا تعبده».
Loading ads...
أجل، لا شتم ولا تكفير للمختلف دينياً ومذهبياً وسياسياً. فكلنا مواطنون في وطن واحد هو سوريا، تجمعنا هوية واحدة هي الهوية السورية. ولا مفرّ لنا من تقبّل المواطنين المختلفين دينياً أو مذهبياً أو سياسياً، إذ إن ذلك هو ألف باء المواطنة، ولا بد للدستور أن يضمن حق الاختلاف بما لا يخالف القوانين والحقوق والحريات المكفولة للجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





