تركز استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة على تعزيز الشراكة مع دول الخليج في مجالات الاستثمار والاقتصاد والتكنولوجيا، مع تراجع التركيز الأمني عليها.
في نوفمبر الماضي، أصدر البيت الأبيض، استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي وافق عليها الرئيس دونالد ترامب، وتتضمن أولويات واشنطن الأمنية والعسكرية والسياسية، خلال الفترة المقبلة.
الاستراتيجية التي أعلنها ترامب أظهرت تراجع التركيز الأمريكي على الجزء الجنوبي من العالم، مع حضور أقوى للجزء الغربي، ما يثير تساؤلات حول كيفية ملء الفراغ الذي ستتركه واشنطن في المنطقة.
استراتيجية ترامب تخلق معادلة جديدة للأمن الأمريكي لا تقوم على الانسحاب الكامل ولا على التورط العسكري الواسع، بل على مزيج من الهيمنة المرنة، والشراكات الاقتصادية، وإدارة المخاطر بأقل كلفة ممكنة.
وتعكس الوثيقة الأمريكية الجديدة، رؤية واشنطن تجاه الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، والتي تستند لمسارات أخرى ذات صبغة أمنية وعسكرية أقل، تتمحور حول الاستثمار والشراكات الاقتصادية.
هذه المسارات تضمن بقاء منطقة الخليج والشرق الأوسط في تحالف مع الولايات المتحدة، وضمان عدم استفادة الصين وروسيا من المساحة الفارغة التي ستتركها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط.
وبالرغم من أن الاستراتيجية الأمريكية تقود الاهتمام الأمريكي نحو أولويات تتعلق بمواجهة نفوذ الصين، وإعادة ضبط العلاقة مع أوروبا، واستعادة التوازن في العلاقة مع روسيا، وأيضاً محاولة فرض الهيمنة على أمريكا اللاتينية، إلا أن الشرق الأوسط، وخصوصاً الخليج لا يزال يشكل ثقلاً مهماً في استراتيجية واشنطن الجديدة.
ويحتل الخليج موقع القلب في استراتيجية واشنطن المعلنة للأمن القومي، بوصفه عقدة الطاقة العالمية، وممراً حيوياً للملاحة، ومنصة متقدمة للاستثمار والتكنولوجيا والأمن.
تنطلق الاستراتيجية من فرضية أساسية مفادها أن دوافع الانخراط الأمريكي التقليدي في المنطقة تراجعت، فالولايات المتحدة باتت أكبر منتج للطاقة، والحروب الإقليمية الواسعة لم تعد تهدد أمنها المباشر كما في السابق.
غير أن هذا التراجع لا يعني فك الارتباط، بل إعادة تعريفه، فواشنطن تريد شرق أوسط أكثر استقراراً بأدوات أقل عسكرية، وأكثر اعتماداً على الحلفاء الإقليميين، وهنا تبرز دول الخليج، إلى جانب "إسرائيل" طبعاً.
🇺🇸أصدر البيت الأبيض خارطة الطريق لاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، وذلك ضمن 33 صفحة ومقدمة بتوقيع الرئيس جاء فيها:"على مدى الأشهر التسعة الماضية، أنقذنا أمتنا - والعالم - من حافة الكارثة والدمار. بعد أربع سنوات من الضعف والتطرف والإخفاقات المميتة، تحركت… pic.twitter.com/kE8jlM14eM
— White House in Arabic البيت الأبيض بالعربية (@WHinarabic) December 5, 2025
بالنسبة لدول الخليج تعكس الوثيقة اعترافاً أمريكياً متزايداً بوزنها السياسي والاقتصادي، لا باعتبارها مجرد حليف أمني، بل كشريك في صياغة التوازنات الإقليمية.
ويبرز ذلك في التركيز على جذب الاستثمارات الخليجية، والتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية السلمية وتقنيات الدفاع، بوصفها ركائز الشراكة المستقبلية.
أمن الخليج، وفق الرؤية الأمريكية، لم يعد يُدار فقط عبر القواعد العسكرية والأساطيل، بل عبر ضمان ثلاثة ثوابت: عدم سيطرة قوى معادية على موارد الطاقة، حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومنع تحوّل المنطقة إلى منصة لتهديد المصالح الأمريكية أو أمن "إسرائيل"، وما دون ذلك، تتركه واشنطن لهوامش أوسع من الترتيبات الإقليمية.
اللافت أن الاستراتيجية تتعامل مع إيران من زاوية "الاحتواء المُنهِك" لا المواجهة الشاملة، معتبرة أن الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية أضعفت قدرتها على لعب دور المزعزع الأول للاستقرار.
هذا التقييم، سواء اتفق معه الفاعلون الإقليميون أم لا، يفتح الباب أمام مرحلة ترى فيها واشنطن أن دول الخليج مطالبة بأداء دور أكبر في إدارة التوازن مع طهران، سياسياً وأمنياً.
في المقابل تُبقي الولايات المتحدة على التزامها الصارم بأمن "إسرائيل"، وتضع توسيع اتفاقيات "أبراهام" ضمن أدوات إعادة هندسة المنطقة.
ويقول الصحفي معين الرفاعي في مقال نشرته جريدة "الأخبار" اللبنانية (31 ديسمبر)، إن الاستراتيجية الأمريكية تعيد تثبيت المنطقة كحزام أمني واقتصادي لا غنى عنه لضمان تدفق الطاقة وحماية "إسرائيل"، وتطويق خصوم واشنطن.
ولفت إلى أنها تقدم تعريفاً شديد التركيز لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتضمن خمس أولويات؛ "منع تهديد أي قوة عدوة لإمدادات الطاقة في الخليج، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وتأمين البحر الأحمر ومسار قناة السويس، والحيلولة دون تحول المنطقة إلى حاضنة للإرهاب، وأخيراً، الإبقاء على "إسرائيل" آمنة، متفوّقة عسكرياً وتكنولوجياً.
وعلى مستوى الخيارات تفتح الاستراتيجية أمام دول الخليج 3 مسارات متوازية؛ الأول تعميق الشراكة مع واشنطن في مجالات الاقتصاد المتقدم والتكنولوجيا، بما يعزز مكانتها في النظام الدولي الجديد، وفق مضامين الاستراتيجية.
الثاني الاستمرار في تنويع الشراكات الدولية، خصوصاً مع آسيا، لتقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية، والثالث الاستثمار في الأمن الإقليمي الذاتي، سواء عبر بناء القدرات الدفاعية أو دعم مسارات التهدئة الإقليمية.
إلا أنه لا يخفى انتقال الشرق الأوسط من صلب الاهتمام الأمريكي إلى الهامش قليلاً، ما يعني أيضاً تقليص الاستجابة السريعة للأزمات، وترك مساحات رمادية قد تستغلها قوى إقليمية أو دولية.
كما أن "الواقعية المرنة" التي تتبناها إدارة ترامب، والقائمة على عدم الضغط في قضايا الحكم والإصلاح، قد تمنح المنطقة استقراراً قصير الأمد، لكنها لا تعالج جذور الاضطراب طويل المدى.
وتعكس استراتيجية واشنطن للأمن القومي الأخيرة تحولاً عميقاً في طريقة تفكير واشنطن حيال العالم، أكثر مما تعكس مجرد إعادة صياغة دورية لوثيقة سياسية معتادة، وفق الكاتب الإماراتي سالم الكتبي.
ولفت الكتبي في مقال نشرته صحيفة "إيلاف" (16 ديسمبر) إلى أن وضع الإدارة الأمريكية نصف الكرة الغربي في صدارة أولوياتها يعني انتقال الولايات المتحدة إلى منطقة حماية مجالها الحيوي الأول، والتعامل مع بقية الأقاليم، وفي المقدمة الشرق الأوسط والخليج بوصفها ساحات يجب ضبطها بأقل كلفة ممكنة.
واستطرد قائلاً: "بالنسبة لدول الخليج لا تعني هذه النقلة إعلان طلاق مع واشنطن، لكنها بلا شك تعني نهاية مرحلة الاعتماد الكامل على مفهوم شرطي واحد للمنطقة، وتشير معطيات الأسابيع الأخيرة إلى أن المعادلة الجديدة أقرب إلى عقد شراكة مدفوعة الثمن، قوامه تقاسم الأعباء والمسؤوليات".
ويشير إلى أن "إسرائيل في الحسابات الأمريكية ليست مجرد حليف تقليدي، بل جزء من بنية تفوق تكنولوجي وعسكري يُراد له أن يضبط منطقة الشرق الأوسط من دون انخراط بري كثيف".
أما عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي، فيرى أن استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية التي صدرت في نوفمبر الماضي، تؤكد أن الخليج هو المنطقة التي تسعى الولايات المتحدة إلى تعظيم الشراكة معها، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، متجاوزة أوروبا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة.
وأضاف العويشق في مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، في 23 ديسمبر الماضي، أن الاستراتيجية الأمريكية "عدّت الشرق الأوسط، المنطقة الوحيدة التي ترى فيها مجالاً للتفاؤل"، مبيناً أنه على مدى 50 عاماً، ركّزت واشنطن على هذه المنطقة؛ لأنها كانت أهم مزود للطاقة في العالم، ومسرحاً لتنافس القوى العظمى، وصراعات تهدد العالم وتصل أحياناً إلينا.
ونوّه بأن الأسباب التاريخية للتركيز على الشرق الأوسط قد تراجعت، وظهرت أسباب أخرى بدلاً من ذلك، حيث أصبحت المنطقة مصدراً ووجهة للاستثمار العالمي في قطاعات جديدة، مثل الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الدفاع.
وقال العويشق إنه خلافاً للمناطق الأخرى من العالم التي تبدو الولايات المتحدة متخاصمة معها، تبدو متصالحة مع الشرق الأوسط، حيث العلاقة تعاونية وتشاركية.
Loading ads...
وتحدث عن أن الاستراتيجية "تحذّر من أن نجاح هذا التعاون يتطلب التخلي عن أسلوب التنمر الذي سلكته أمريكا في السابق مع دول الشرق الأوسط، خصوصاً دول مجلس التعاون، للتخلي عن تقاليدها ونظم حكمها الضاربة في التاريخ".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






