بدت معدلات النمو الاقتصادي الصيني المتسارعة لعقود طويلة وكأنها قانون طبيعي لا يتغير، حيث ارتفعت مستويات الدخل محليًا وأعادت بكين تشكيل الأسواق عالميًا.
لكن يوضع هذا الافتراض تحت مجهر الاختبار اليوم؛ بعدما خفضت الحكومة الصينية مستهدف النمو الرسمي لعام 2026 إلى ما بين 4.5% و5%، وهو المستهدف الأقل طموحًا للبلاد منذ عام 1991.
ورغم التعافي النسبي في مطلع العام، يواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تحديات ناتجة عن قوى هيكلية عميقة، أبرزها أزمة العقارات المستمرة، وضغوط الانكماش المالي، وتراجع القوة الشرائية، ما يفرض واقعًا جديدًا يتطلب قراءة دقيقة من المستثمرين والأسواق الدولية.
كيف تحول قطاع العقارات الصيني من محرك نمو إلى أزمة؟
أسفرت القيود التنظيمية على الاقتراض المفرط عام 2020 وتبعات الجائحة عن انفجار فقاعة الديون العقارية وتراجع ثقة المستهلكين.
انخفضت أسعار المنازل بنحو 30% من ذروتها عام 2021، ما أدى إلى تآكل ثروات الأسر وتراكم المشاريع غير المكتملة والمؤجلة.
ما حجم الأثر الاقتصادي لتراجع وزن القطاع العقاري؟
هبطت مساهمة العقارات والصناعات المرتبطة بها في الناتج المحلي الإجمالي من ذروتها البالغة 25%، وسط توقعات بتراجعها لما دون 15% بحلول عام 2030.
تواجه مساعي بكين للتحول نحو التصنيع عالي التقنية تحديًا لأن هذه القطاعات كثيفة رأس المال وتوفر فرص عمل أقل مقارنة بالعقارات.
لماذا يرفض المستهلك الصيني إنفاق أمواله؟
تسبب تراجع قيم العقارات في شعور الأسر الصينية بفقر نسبي، ما أضعف الطلب على السلع الكبيرة كالسيارات والأجهزة المنزلية.
سجل الإنفاق الاستهلاكي مستويات هي الأضعف له منذ جائحة "كوفيد-19"، ما عمق من حالة الركود في الأسواق المحلية.
هل نجحت الصين في الفكاك من مصيدة الانكماش المالي؟
رغم التوقعات بخروج الصين من دوامة الانكماش المالي بحلول الربع الثاني من عام 2026، يظل تحفيز نمو الأسعار تحديًا.
تخشى بكين من استمرار توقع المستهلكين لهبوط الأسعار، مما يدفعهم لتأجيل المشتريات ويزيد من الضغوط الانكماشية.
ما هي ظاهرة المنافسة المفرطة التي تحاربها بكين؟
تشير الظاهرة إلى المنافسة الشرسة وحرب الأسعار المدمرة بين الشركات المحلية في قطاعات تبدأ من السيارات الكهربائية وتصل إلى توصيل الطعام.
تسعى الحكومة لوقف هذه الحروب السعرية لاستعادة القدرة على تحديد الأسعار ومساعدة الشركات على بناء هوامش ربح تسمح برفع الأجور.
كيف يهدد التراجع الديموغرافي مستقبلاً النمو بعيد المدى؟
انخفض عدد المواليد في عام 2025 إلى 7.93 مليون مولود، وهو المستوى الأدنى المسجل منذ عام 1949 على الأقل، ويتقلص عدد السكان البالغ 1.4 مليار نسمة بوتيرة لم تشهدها البلاد منذ عقود، مظهرًا انكماشًا متواصلًا منذ عام 2016.
تراجعت نسبة السكان في سن العمل إلى 61% عام 2025 مقارنة بأكثر من 70% قبل عقد من الزمن، وتشير التوقعات إلى انخفاض نسبة العاملين مقابل كبار السن (فوق 65 عامًا) من 4 إلى 1 حاليًا، للنصف خلال عقدين.
لماذا يعاني سوق الوظائف للشباب رغم استقرار البطالة الإجمالية؟
تشهد بطالة الشباب قفزات متتالية نتيجة عدم التوافق الهيكلي بين مهارات الخريجين الراغبين في وظائف مكتبية، ومتطلبات اقتصاد لا يزال يهيمن عليه التصنيع.
يساهم عدم الأمان الوظيفي وضعف نمو الأجور في دفع العائلات نحو الادخار بدلاً من الإنفاق، ما يفاقم أزمة ضعف الاستهلاك، ويعمق مخاوف الركود.
كيف تخطط بكين لتعويض النقص العددي في العمالة؟
يراهن الرئيس الصيني "شي جين بينج" على تحقيق قفزات في الإنتاجية عبر أتمتة المصانع وتبني حلول الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
تركز السياسة الاقتصادية الحالية على ضخ الاستثمارات الكثيفة في قطاعات التكنولوجيا الحيوية، وأشباه الموصلات، والعلوم المتقدمة.
كيف دعمت الصادرات الاقتصاد الصيني وسط الأزمات المحلية؟
شكلت الصادرات صمام أمان للاقتصاد الصيني، وحققت البلاد فائضًا تجاريًا قياسيًا بلغ 1.2 تريليون دولار عام 2025 واستمر بالقرب من مستواه هذا العام، حيث نجح المصنعون الصينيون في فتح أسواق جديدة في أوروبا وجنوب شرق آسيا، مستفيدين من طفرة الاستثمار العالمي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
في حين أسهم صافي الصادرات بثلث نمو الناتج المحلي في 2025، تراجعت الحصة إلى 15% في الربع الأول من 2026 لتكلفة التكنولوجيا المستوردة، وتواجه البضائع الصينية مقاومة تجارية متزايدة وحمائية جمركية لا تقتصر على الولايات المتحدة بل تمتد إلى الاتحاد الأوروبي ودول نامية أخرى.
يدير الرئيس الصيني البلاد كقوة تصنيعية مدعومة وموجهة للتصدير، ما يغرق الأسواق بمنتجات رخيصة كالصلب والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية.
لكن يتسبب هذا النموذج في تشويه الاقتصاد الصيني وإلغاء آلاف وظائف التصنيع عالميًا، دافعًا دولًا كالاتحاد الأوروبي لفرض تدابير مضادة.
ويعزز هذا الاتجاه استراتيجية "تفكيك الارتباط" وسعي واشنطن لإعادة تشكيل سلاسل التوريد عبر دول بديلة مثل المكسيك وفيتنام والهند.
على أي حال، سيحدد نجاح بكين في إعادة هيكلة اقتصادها ما إذا كانت ستبقى محركًا للنمو العالمي أم مصدرًا جديدًا للضغوط الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
Loading ads...
المصادر: أرقام – بلومبرج – ذا أتلانتيك - إيكونوميكس أوبزيرفاتوري
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





