في الظل، هناك حياة سرية للكتب على أرصفة دمشق. فخيرُ جليسٍ استطاع حتى الآن، مقاومة اجتياح بسطات الألبسة والشراشف والأحذية وأغطية المخدات، ليحتفظ بمناطق فرعية، يقصدها المغرمون بالمطبوعات القديمة، رغم ندرتهم. هناك، عند الجدار الشمالي لكلية الفنون الجميلة، سنعثر على مجموعة "دومة ودحامد" القصصية للطيب صالح الصادرة عام 1980، ضمن فئة الكتب المعروضة بـ5000 ليرة سورية، ومعها كتاب الشاعر محمد عمران "الأشياء" الصادر عام 1984، وإلى جانبهما بول فاليري في كتاب "الخلق الفني.. تأملات في الفن" الصادر عام 2004.
لا يعرف المرء إن كان مبلغ الـ5000 ليرة، يدفعه للسعادة أم الحزن؟ فهو يتيح له شراء عدد لا بأس به من الكتب دفعة واحدة، لكنه من جهة ثانية يدفع للشعور بأن عطباً هائلاً ألمَّ بالقراءة، حتى هبطت أسعار المطبوعات بهذا الشكل!.
لا يغيب توفيق الحكيم، عن بسطة الـ5000 ليرة، عبر كتابه مسرحية "أهل الكهف" الصادرة عام 1935، وإبراهيم فاضل في كتاب "الفلسفة تبحث" الصادر عام 1990، وشوقي بغدادي في ديوانه "عودة الطفل الجميل" الصادر عام 1985، وكتاب "حي بن يقظان" لابن طفيل بطبعة صادرة عن وزارة الثقافة السورية عام 2006.
كتب البسطات في عزلة
وتظهر جميع الكتب المذكورة، عزلاء من القراء، رغم قدمها. فلا آثار لأية أصابع مرت على الصفحات، ولا ملاحظات تركتها أقلام الرصاص، كذلك لا إهداءات أو إشارات، كأنها خرجت للتوّ من المطبعة. فنسأل صاحب البسطة عن السبب، فيجيب بأن أحد الكتّاب باع مكتبته لإحدى مكتبات منطقة الحلبوني، وأصحابها قاموا بدورهم في إيصالها لمكتبات الرصيف!. لكن صاحب البسطة لا يعرف اسم صاحبها الأساسي، ولماذا قام ببيعها دفعة واحدة بهذا النحو!.
من المؤكد أن تلك الكتب، عاشت طويلاً على الرفوف، دون أن يقترب منها أحد، تلك الحياة السرية من الانتظار، دفعتنا للبحث خلف السطور في كتب أخرى، كانت أكثر حظاً في العثور على مهتمين، أو على الأقل فضوليين، يمكن أن ننبش آثارهم على الأغلفة أو في الزوايا العليا حيث الإهداءات، أو داخل الصفحات حيث الإشارات والخطوط تحت الفقرات التي يعتقدها القارىء هامة أو مثيرة للانتباه.. وأول ما يقفز من المطبوعات، كتاب "الرسم بالكلمات" لنزار قباني، الصادر عام 1980، بنسخة مقرصنة بتقنية طباعة "الريزو" تعود لعام 2000، تبعاً للآثار التي تركها قارىء الكتاب على الصفحات.. في هذا الكتاب، حياة سرية من نوع مختلف، عاش تفاصيلها عاشق ولهان، كتب على الصفحة الأولى بعض أشعار نزار التي أعجبته في الكتاب، وفي الصفحة الأخيرة، نال منه الهيام، فحاول قرض الشعر وتقليد قباني، فكتب عبارات، رغم بساطتها وانعدام الشعرية فيها، إلا أنها مفعمة بالصدق، إلى درجة تجعلك تتساءل: ما الذي حصل مع هذين الحبيبين المجهولين، اللذين عاشا قصتهما عام 2000، كما يشير التاريخ الذي تركه الحبيب الغامض؟.
كتابات كثيرة تركها قارىء كتاب "الرسم بالكلمات"، ربما أهمها هي تلك الرسومات التي شخبرها طفل صغير على الصفحات، في محاولة للرسم، ربما كان أخاً أو أختاً للقارىء، كان عمره حينها ربما 6 سنوات، لكنه اليوم يكون قد بلغ الـ31 عاماً!. ترى ما شعوره إذا رأى ما صنعته مخيلته الطفولية على كتاب قباني عام 2000؟. لكن هذا الطفل، سيبقى غامضاً، مع أن آثاره تقول، إن حياةً سريةً مرت من هنا، أبطالها أطفال ومراهقون، لسبب ما، أفصح القارىء عن أسمائهم، كأنه كان يعدد أخوته مع تواريخ ميلادهم، فنقرأ أسماء: "مروان وسيدرا وعلا وكاترين وحيان.."!. ترى من هؤلاء الأشخاص وأين أصبحوا اليوم؟.
الحياة السرية للكتب في دمشق
أما رواية الكاتبة الأميركية ديبي مكامبر، وعنوانه "لليل أغنية خاصة"، فتسرد حكاية مختلفة ومفاجئة.. فالقارئة "أميرة" شاءت الإفصاح عن اسمها كصاحبة للكتاب المطبوع بلا تاريخ، لكن ورغم براعة مكامبر بالرومنسيات، إلا أن ردة فعل أميرة، كانت غريبة جداً بعد قراءة الكتاب، فقد قامت بلصق "العلكة" التي كانت تمضغها، على الصفحة الأولى بعد الغلاف!. لتتركنا نتساءل، إن كانت تقصد وضع أثر يشبه الذكرى؟ أم ربما كانت تلك العلكة من فم حبيبها، حيث لم تجد مكاناً أفضل من هذا الكتاب الرومنسي للاحتفاظ بها مدى الدهر!.
ترى، ما هي تفاصيل قصة الحب السرية، التي تركت "أميرة" بعض آثارها على الكتاب؟ هل أينعت وأثمرت؟ ونظراً لأن أميرة القارىء الغامضة، لم تترك تاريخاً على الكتاب، من الصعب علينا تخمين عمرها اليوم! هل هي ثلاثينية نضجت في الحب وقصص الغرام؟ أم تجاوزت الأربعين وتوجت علاقتها بالزواج من حبيبها صاحب العلكة المجهول؟. هل كانت "أميرة" ستترك آثاراً أشدّ، لو عرفت أننا سنحاول اقتفاء أثرها؟ هل كانت ستغامر بوضع رقم تلفون أو عنوان منزل أو اسم جامعة أو مدرسة؟. للأسف، ستبقى جميع تلك الأسئلة بلا إجابات، فالحياة السرية للكتاب، تقتضي حجب تلك التفاصيل، كي يكتمل مشهد الغموض والتشويق في الحكاية!.
قراء كتب آخرون، شاؤوا أن يبقوا مجهولين وأن تبقى حياتهم السرية طيّ الكتمان، فقاموا بتمزيق الزاوية العليا للكتاب، حيث من المفترض أن يكون الإهداء، مثل قارىء كتاب "أطفال من بلدي" لحسن النعسان، كذلك قارىء كتاب "شهرزاد رجلاً" لمحمد أبو معتوق، الذي اكتفى بكتابة عبارة "العلم نور" فقط، وأيضاً قارىء كتاب "وشم على حدقات العيون" لنزار عابدين، الذي اقتصر على وضع تاريخ يوم "11 ديسمبر 2021- دمشق" دون أية تفاصيل!.
Loading ads...
نضع غنيمتنا من الكتب القديمة، التي حملناها من الرصيف الشمالي لكلية الفنون الجميلة بدمشق، على رفوف جديدة وداخل منزل مختلف، بانتظار أن تعيش حياة سرية ثانية، لا يعرف أحد تفاصيلها.. ترى هل ستكون الحياة السرية الجديدة لتلك الكتب، أكثر تشويقاً وإثارة مما عاشته في مكتبات أصحابها الذين باعوها بسبب ضيق المكان، أو لربما ماتوا، فقام الورثة بالتخلي عنها بعدما اعتبروها مجرد كراكيب.. تلك الأسئلة واحتمالات الأجوبة المفترضة عنها، هي جزء من الحياة السرية التي مازالت بمثابة ألغاز في تلك المطبوعات!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



