4 أشهر
أرض الصومال بين الاستراتيجية الإسرائيلية والتحالف العربي التركي
الأحد، 4 يناير 2026
يشهد القرن الإفريقي والبحر الأحمر في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التنافس الجيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية، في ظل تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ويبرز في هذا السياق الحديث المتزايد عن سعي إسرائيل إلى تطوير علاقات رسمية مع أرض الصومال (صوماليلاند) وصولًا إلى الاعتراف بها ككيان مستقل، وهو ما لا يمكن فهمه بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، ولا عن شبكة التحالفات والصراعات التي تشمل مصر والسعودية وتركيا ودولًا عربية أخرى. هذا المسار يفتح الباب أمام تقاطعات مصالح جديدة، كما يثير مخاوف حقيقية من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة قد تضر بالأمن القومي العربي والتركي على حد سواء.
الرؤية الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي
تنطلق الرؤية الإسرائيلية تجاه القرن الإفريقي من إدراك عميق لأهمية مضيق باب المندب، وهو الممر البحري الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية، بما في ذلك جزء كبير من صادرات الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على هذا المضيق تمنح أي قوة نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا بالغ التأثير، وهو ما يفسر اهتمام إسرائيل المتزايد بالتموضع في الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، سواء عبر علاقات مع إريتريا في مراحل سابقة، أو من خلال السعي إلى بناء شراكات جديدة مع “أرض الصومال” .
في هذا الإطار، يمكن فهم الرغبة الإسرائيلية في الاعتراف بأرض الصومال كخطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي الرمزي، لتصل إلى أهداف استراتيجية أعمق، من بينها احتمال إنشاء قواعد عسكرية أو لوجستية، أو الحصول على تسهيلات أمنية تسمح لإسرائيل بلعب دور مباشر في مراقبة الملاحة الدولية، وربما تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، سواء ضد جماعة الحوثي في اليمن أو ضمن استراتيجية أوسع لفرض توازن ردع جديد في البحر الأحمر. هذا السيناريو، إن تحقق، سيشكل تحولًا نوعيًا في معادلات الأمن الإقليمي.
المصالح العربية
مثل هذا التمدد الإسرائيلي لا يمكن إلا أن يثير قلق مصر والسعودية بشكل خاص. فمصر تنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لأمن قناة السويس، التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري ومكانة الدولة الجيوسياسية. أي وجود عسكري إسرائيلي مؤثر قرب المضيق قد يحدّ من هامش الحركة المصرية، ويضع القاهرة أمام واقع استراتيجي جديد تُفرض فيه معادلات أمنية خارج إرادتها. أما السعودية، التي تمتد سواحلها الطويلة على البحر الأحمر، فترى في أي اختراق إسرائيلي لهذه المنطقة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع الحوثيين، وعدم استقرار الساحة اليمنية.
في الوقت نفسه، يتقاطع هذا الملف مع تعقيدات المشهد اليمني، حيث يظهر التباين بين السعودية والإمارات حول مستقبل اليمن ووحدته السياسية. فالدعم الإماراتي الواضح لقوى انفصالية في الجنوب، والسعي إلى ترسيخ نفوذ دائم في الموانئ والجزر اليمنية، يعكس رغبة في ضمان وصول مباشر ومستقل إلى باب المندب. هذا التنافس الخليجي، وإن كان محكومًا بسقف معين، يخلق فراغات سياسية وأمنية يمكن لقوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، أن تنفذ منها لتعزيز حضورها الإقليمي.
الرؤية التركية للمشهد
على الضفة الأخرى من المشهد، تبرز تركيا كفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله. فأنقرة تمتلك رؤية استراتيجية متكاملة تجاه البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تجلت في استثماراتها الاقتصادية والعسكرية في الصومال، وفي اهتمامها المتزايد بتأمين خطوط التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة إسرائيلية لتطويق تركيا عبر تحالفات في شرق المتوسط من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى، تمثل تحديًا مباشرًا للمصالح التركية.
هنا تحديدًا تتقاطع مصالح تركيا مع مصالح مصر والسعودية وعدد من الدول العربية. فإسرائيل، عبر دعمها لتحالفات شرق المتوسط مثل التي تضم اليونان وقبرص ومصر، تسعى إلى تقليص النفوذ التركي في المتوسط أو تطبيق حصار بفواعل جدد وتحويل أنقرة إلى لاعب محاصر جغرافيًا. وفي المقابل، فإن أي تمدد إسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي سيؤدي إلى خلق ضغوط إضافية على مصر والسعودية وتركيا ، ما يفتح المجال أمام إعادة تقييم التحالفات الإقليمية القائمة.
فرصة تحالف عربي تركي طويل الأمد
هذا الواقع يتيح فرصة تاريخية لتقارب عربي تركي أعمق، قائم على تبادل المصالح لا على المجاملات السياسية. فمصر وتركيا، رغم خلافاتهما السابقة، تتشاركان مصلحة واضحة في منع عسكرة البحر الأحمر من قبل أطراف خارج الإقليم وتضر بمصالحهما، مع الحفاظ على أمن الممرات البحرية الحيوية. كما أن السعودية وتركيا يمكن أن تجدا أرضية مشتركة بشكل مباشر في مواجهة محاولات تطويق نفوذهما الإقليمي، سواء عبر شرق المتوسط أو القرن الأفريقي.
غير أن هذا التقارب المحتمل لا يخلو من تحديات، أبرزها محاولات إسرائيل الدائمة لتمزيق أي مسار تقاربي عربي تركي عبر تأجيج الخلافات الداخلية، أو استغلال ملفات حساسة تتعلق بالإعلام، أو الحركات السياسية، أو حتى عبر أنشطة استخبارية تهدف إلى زرع الشك وعدم الثقة بين الأطراف. التاريخ القريب يظهر أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على العمل غير المباشر لإضعاف خصومها، بدل المواجهة الصريحة.
لذلك، فإن أي تحالف إقليمي عربي تركي قادم يجب أن يكون قائمًا على أسس مؤسساتية واضحة، وآليات تنسيق أمني وسياسي حقيقية، تمنع الاختراق الخارجي، وتحدّ من تأثير الحملات الإعلامية الموجهة. كما ينبغي أن يُبنى هذا التحالف على إدراك مشترك بأن أمن البحر الأحمر وباب المندب هو أمن جماعي، لا يمكن تركه رهينة لمشاريع انفصالية أو صراعات داخلية تُدار من الخارج.
ويتعزز هذا التحليل بما ورد في دراسات صادرة عن المعهد الإسرائيلي للدراسات الأمنية (INSS)، الذي يُعد أحد أبرز مراكز التفكير المرتبطة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فوفقًا لدراسة بعنوان «إسرائيل في البحر الأحمر: أبعاد استراتيجية متجددة»، يؤكد باحثو المعهد أن البحر الأحمر لم يعد ساحة ثانوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل أصبح مجالًا حيويًا لحماية المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، وعلى رأسها ضمان حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة، ومنع تموضع قوى معادية أو منافسة قرب الممرات البحرية الحساسة. وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل ترى في الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، وفي الكيانات غير المستقرة سياسيًا، فرصًا لبناء ترتيبات أمنية مرنة، سواء عبر شراكات غير تقليدية أو حضور لوجستي وعسكري منخفض الكلفة، بما يسمح لها بالتأثير في التوازنات الإقليمية دون الانخراط في مواجهات مباشرة. كما تحذّر الدراسة من أن تجاهل هذه الساحة قد يعرّض إسرائيل لخسائر استراتيجية في حال سيطرت أطراف معادية على مفاتيح الملاحة في باب المندب، وهو ما يفسّر السعي الإسرائيلي المتزايد لتوسيع هامش حركتها في القرن الإفريقي
Loading ads...
في الختام ، يعكس السعي الإسرائيلي نحو الاعتراف بأرض الصومال وبناء نفوذ في القرن الإفريقي جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والبحر الأحمر. هذه الخطوات تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح مصر والسعودية، كما تمثل تحديًا استراتيجيًا لتركيا. وفي المقابل، تفتح هذه التطورات نافذة حقيقية أمام تقارب عربي تركي قد يتحول، إذا أُحسن استثماره، إلى تحالف إقليمي قوي قادر على حماية المصالح المشتركة ومنع تفتيت المنطقة. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بوعي سياسي عميق، واستعداد حقيقي لمواجهة محاولات الاختراق الإسرائيلية، وبناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة لا على ردود الفعل الآنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ريال مدريد يجهز مفاجأة في غرفة الملابس
منذ 5 دقائق
0



