في مارس/آذار 2017، وبعد شهرين فقط من دخول دونالد ترمب البيت الأبيض للمرة الأولى، شهد الكونغرس واقعة غير مألوفة في العلاقة بين الرئيس وأجهزة الاستخبارات التي تعمل تحت إمرته. فقد جلس مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، ومدير وكالة الأمن القومي الأدميرال مايك روجرز، أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب في جلسة للإجابة عن اتهام أطلقه الرئيس قبل ذلك بأسابيع، حين قال إن إدارة سلفه باراك أوباما تنصَّتت على اتصالاته في برج ترمب خلال الحملة الانتخابية.
وتضمنت الجلسة مشهدا غريبا، فقد نفى اثنان من كبار مسؤولي الاستخبارات علنا رواية الرئيس ترمب. ومن تلك اللحظة ينطلق الجنرال ذو النجوم الأربع مايكل هايدن في كتابه "الهجوم على الاستخبارات: الأمن القومي الأمريكي في عصر الأكاذيب" (2018)، بعد أن أمضى حياته المهنية داخل مؤسسات ينصبّ عملها على تمييز الحقيقة من التضليل، ليحذر فيه من أن الأعراف التي يُفترض أنها تحمي نمط الحكم الأمريكي من الانهيار باتت عرضة لضغط متصاعد.
ينتمي هايدن إلى جيل من رجال الأمن القومي الأمريكي تشكَّل وعيه خلال الحرب الباردة، وصعد داخل مؤسسات استخبارية بَنَت شرعيتها المهنية على ادعاء القدرة على الوصول إلى أفضل تقدير ممكن للواقع. وقد خدم قرابة أربعة عقود في القوات المسلحة، وقاد وكالة الأمن القومي بين عامي 1999 و2005، ثم أصبح أول نائب لمدير الاستخبارات الوطنية، ثم تولَّى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية بين عامي 2006 و2009. ومن هذا الموقع يكتسب الكتاب قيمته، إذ يقدم شهادة رجل قضى حياته داخل المؤسستين العسكرية والأمنية الأمريكيتين.
يستند هايدن في تفسير أزمة تعامل ترمب مع المعلومات إلى مفهوم "ما بعد الحقيقة"، الذي اختاره قاموس أكسفورد كلمة العام في عام 2016، ويصف به الظروف التي يتراجع فيها تأثير الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام أمام المشاعر والمعتقدات الشخصية، ويربط ذلك بتراجع ميراث عصر التنوير الذي منح المعرفة والخبرة والدليل مكانة مركزية، مع الإقرار بالحاجة إلى دراسة الواقع قبل إصدار الأحكام عليه.
يربط هايدن بين أزمة الحقيقة وأزمة الاستخبارات. فمهنة الاستخبارات، في صورتها التي تشكَّلت داخل العالم الغربي، تقوم على جمع المعلومات وتقييمها وتحليلها، ثم تقديم الاستنتاجات إلى صانع القرار كي يستخدمها أو يناقشها أو يدحضها. ولذلك يُوضَع رجل الاستخبارات إلى جوار العالم والصحفي والباحث ضمن الفئات التي تعتمد وظيفتها على وجود حقيقة موضوعية يمكن الاقتراب منها عبر الأدلة.
يشير هايدن إلى أنه في الوقت الذي سهَّلت العولمة فيه حركة الأموال والبضائع والأشخاص وخلقت رابحين وخاسرين، فجَّرت الثورة التكنولوجية مصادر المعلومات وبدَّلت طرق تلقيها، وأدت الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان والأزمة المالية إلى إنهاك الثقة في المؤسسات والنخب الأمريكية. ويعترف هايدن بأن رجال الاستخبارات والخارجية كانوا من المستفيدين من تلك الحقبة، فقد عاش كثير منهم خارج الولايات المتحدة، وتحدث العديد منهم لغة أجنبية واحدة أو أكثر، واكتسبوا خبرات دولية، وأصبح التدخل الأمريكي في الخارج مكونا طبيعيا في تصورهم لطريقة عمل العالم. ويكتب عن تجربته الشخصية قائلا إنه قضى سنوات من مسيرته التي امتدت نحو 39 عاما في مواقع خارج الولايات المتحدة، من غوام وكوريا إلى ألمانيا وبلغاريا. وفي المقابل، كانت مدن صناعية أمريكية تفقد المصانع والوظائف والمجتمعات التي ازدهرت حولها.
غادر هايدن واشنطن كي يرى الجانب الآخر من الصورة، وطلب من شقيقه أن يرتب له لقاء في الغرفة الخلفية لحانة رياضية في بيتسبرغ مع نحو عشرة من أصدقائه، جميعهم من مؤيدي ترمب. عرف هايدن بعضهم منذ الطفولة، وكشف له اللقاء مقدار التباعد الذي نشأ بينهم. فقد قضى معظمهم حياتهم في بيتسبرغ أو بالقرب منها، وكانوا يعملون ويدفعون الضرائب ويربون أبناءهم، ومع ذلك شعروا بأنهم تُركوا خارج العالم الذي ازدهرت داخله النخب الأمريكية. وقد أظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث الدين العامة (PRRI) ومجلة "ذي أتلانتيك" قبل انتخابات 2016 أن ترمب تفوَّق بين الناخبين البيض الذين بقوا على مسافة تقل عن ساعتين من مسقط رأسهم، أو عاشوا في المدينة التي نشأوا فيها. وعندما سأل هايدن الحاضرين عن معنى شعار "أمريكا أولا"، جاءت الإجابة مختصرة، وهي أن يوجد أخيرا من يهتم لأمرهم. وكان ترمب مرشحهم المفضل لأنه أمريكي وصادق وأصيل، بحسب تعبيرهم.
جرَّب هايدن معهم أساليب التدقيق التي اعتادها رجل الاستخبارات، فسأل الحاضرين إن كانوا يصدقون أن أوباما تنصَّت على برج ترمب، فرفع معظمهم أيديهم بالموافقة. شرح لهم هايدن أن وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي نفيا ذلك، ثم سألهم عن سبب استمرارهم في تصديق رواية ترمب، فجاءه الجواب بأن أوباما كان ضد البلاد وبذل كل ما في وسعه لتقويضها.
وحين عرض عليهم تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016، اعترض أحد أصدقاء طفولته على توصيف "الثقة العالية" الذي تستخدمه الوكالات في تقديراتها، واعتبر أن هذا التوصيف يحمل درجة من الشك في صحة التقييم. أما هايدن، بوصفه ضابط استخبارات، فيرى أن المصطلح يحمل معنى مهنيا محددا يتعلق بقوة المعلومات واتساقها. وأدرك من النقاش أن لكل مجموعة طريقها الخاص إلى تحديد ما تقبله باعتباره حقيقة.
تشرح المسافة بين واشنطن وبيتسبرغ بعض العوامل التي صنعت التغيير عام 2016، ومهَّدت لاحقا لعودة ترمب إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2024. فقد سبقت التحولات الاجتماعية والثقافية التغيير السياسي، ووجدت الشعبوية بيئة مواتية لدى فئات شعرت بالتهميش وفقدان الثقة في المؤسسات والنخب. ووصل ترمب إلى قمة السلطة حاملا معه طريقة مختلفة في التعامل مع المعرفة والخبرة وأجهزة الدولة.
يشير هايدن إلى اختلاف أصيل بين صناع القرار وعنصر الاستخبارات، إذ يميل الأخير إلى التشاؤم بحكم عمله، فهو يبحث عن الأخطار، ويفحص الاحتمالات السيئة، ويستخرج من المعلومات الناقصة ما قد يُهدِّد بلده. وينقل عن روبرت غيتس، الذي أدار وكالة الاستخبارات المركزية قبل أن يشغل منصب وزير الدفاع، أن المحلل في الوكالة حين يتوقف ليشم الزهور يلتفت باحثا عن عربة الموتى. أما السياسي فيحتاج إلى قدر من التفاؤل يدفعه إلى الاعتقاد بإمكانية تغيير الواقع.
ومن ثم تحتاج العلاقة مع أي رئيس جديد إلى عملية بناء، فعلى رجال الاستخبارات معرفة الطريقة التي يفكر بها الرئيس وكيف يتلقى المعلومات، مع الاحتفاظ بالمسافة التي تسمح لهم بتقديم تقديرهم حتى حين يصطدم برؤيته. ويلخص هايدن وظيفة الاستخبارات في عبارة كاشفة، مفادها أن الرئيس، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، يحتاج إلى مراقبين دقيقين ومحايدين، لا إلى مؤيدين متحمسين.
جاء ترمب من خارج عالم الأمن القومي، فلم تكن لديه خبرة سابقة في مؤسسات الحكومة أو بنية مجتمع الاستخبارات، وكان قليل الصبر على العروض المكتوبة والشفهية، مع ثقة كبيرة في تصوُّره الشخصي لطريقة سير العالم. وعندما سُئِل عما إذا كان قد قرأ سيرة أحد الرؤساء السابقين، أجاب: "لم أقرأ قط. أنا دائما مشغول بأمور كثيرة". وفي بداية الأمر رفض تلقي الإحاطة الاستخبارية اليومية بصورة منتظمة، وقال إنه شخص ذكي للغاية ولا يحتاج إلى أن يقال له الشيء نفسه كل يوم. ورأى هايدن في العبارة سوء فهم لطبيعة الإحاطة؛ فهي تتضمن المعلومات الجديدة والتقديرات والتحذيرات التي يحتاج إليها ساكن البيت الأبيض في متابعة التطورات والتهديدات.
ومع بدء الإحاطات، كانت الجلسات الأولى تطول في كثير من الأحيان، في ظل صعوبة شد انتباه ترمب إلى الموضوع، حتى إنه كان يغرد أحيانا في أثنائها. ولاحظ أحد مقدمي الإحاطات المخضرمين، وفق ما ينقل هايدن، عادة كلامية متكررة لدى الرئيس، تتمثل في استخدام عبارات من قبيل "يخبرني الناس" و"يقول كثير من الناس"، بما يجعل التصريح الذي يليها يبدو بالنسبة إليه مستندا إلى مصدر. ووجد هايدن في ذلك مشكلة لم يألفها مجتمع الاستخبارات من قبل، وتتعلق بالتعامل مع رئيس لا يمنح الحقيقة الموضوعية المكانة التي تقوم عليها المهنة الاستخبارية.
ويصف هايدن ترمب بأنه يمنح العلاقات الشخصية والولاء وزنا كبيرا، ويُقيِّم الاستنتاج أحيانا بالنظر إلى علاقته بالشخص الذي يقدمه. وفي الوقت الذي كان على مجتمع الاستخبارات أن يبني فيه الثقة مع رئيس جديد، حمل إليه ملفا يمس واحدة من أكثر القضايا اتصالا بشرعية رئاسته، وهو التدخل الروسي في الانتخابات التي أوصلته إلى البيت الأبيض. وهكذا تداخلت أزمة الثقة مع أزمة الحقيقة منذ البداية، ودخل الرئيس وأجهزة استخباراته في مواجهة ستحدد شكل العلاقة بينهما طوال السنوات التالية.
وينقل هايدن عن جون ماكلولين، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في وكالة الاستخبارات المركزية وشغل منصب نائب مديرها، تقسيما لعلاقة ترمب بمجتمع الاستخبارات إلى عدة مراحل. بدأت الأولى بجهل المرشح والرئيس المنتخب بطبيعة المجتمع الاستخباري وهيكله وأخلاقياته وغاياته، وظهر ذلك في اختزاله أحيانا في وكالة الاستخبارات المركزية، رغم أنها كانت واحدة من 17 جهازا تتقاسم مهام جمع المعلومات وتحليلها (صار عددها 18 بعد انضمام استخبارات قوة الفضاء عام 2021). ثم انتقلت العلاقة، مع تصدر قضية التدخل الروسي في الانتخابات للمشهد، إلى مرحلة العداء، قبل أن يكتشف الرئيس بعد توليه السلطة حاجته إلى أجهزة الاستخبارات التي هاجمها خلال الفترة الانتقالية.
كما ظهرت معضلة في مستوى آخر من العلاقة. فمحلل الاستخبارات مُطالَب بأن يفهم عقلية الرئيس من دون أن يجعلها نقطة البداية في التحليل، حيث تساعد معرفة تفضيلات صانع القرار في تحديد ما يحتاج إليه وطريقة عرض المادة عليه، لكن اتخاذ تلك التفضيلات معيارا لاختيار النتائج يفتح الباب أمام الرقابة الذاتية، ما قد يدفع المحلل إلى تغيير صياغة الاستنتاج عندما يعرف مُسبقا أنه سيصطدم بتوجه سياسي للإدارة. وهكذا يمكن أن يتسلل التسييس إلى العمل الاستخباري دون طلب رسمي.
ويوضح هايدن أن الرئيس غير مُلزَم بقبول التقدير الاستخباري، وأن تاريخ الولايات المتحدة حافل بخلافات بين الرؤساء وأجهزتهم حول نوايا الخصوم أو حجم الأخطار. ويستطيع صانع القرار الاعتراض وطلب معلومات إضافية واستجواب المحللين بشأن مصادرهم ودرجة ثقتهم واستنتاجاتهم. أما رفض التقدير بسبب ما يترتب عليه سياسيا، فيجعل النتيجة المرغوبة حاضرة قبل فحص المعلومات التي يفترض أن تقود إليها.
وفي ظل تصاعد الخلاف حول الدور الروسي، حاول جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية في نهاية عهد أوباما، التواصل مع الرئيس المنتخب، خاصة بعدما شبَّه ترمب في تغريدة تعامل أجهزة الاستخبارات الأمريكية معه بممارسات ألمانيا النازية. فاتصل كلابر به مساء اليوم نفسه، وذكَّره بأنه يرث كنزا وطنيا مهمته دعمه وإنارة بصيرته. لكن محاولة ترميم العلاقة لم تستمر طويلا. ففي اليوم التالي لتنصيبه، توجَّه ترمب إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي، في زيارة كان يُفترض أن تحمل رسالة تصالح مع العاملين في الوكالة بعد أسابيع من التوتر. وخلال حديثه تطرق إلى خلافه مع وسائل الإعلام بشأن حجم الحشد في حفل التنصيب الرئاسي، وتحدَّث عن عدد مرات ظهوره على أغلفة مجلة تايم (Time)، ما دفع هايدن إلى وصفها بأنها أسوأ زيارة رئاسية لوكالة استخبارات في تاريخ الجمهورية الأمريكية.
امتلك ترمب قدرة على التواصل الآني مع الجمهور، إذ وفر له تطبيق "تويتر" قناة يستطيع عبرها إعلان موقفه في دقائق، فيما كانت أجهزة الدولة تحتاج إلى جمع المعلومات ومراجعتها والتنسيق بين مؤسساتها قبل إصدار تقدير رسمي. وتُعِد أجهزة الاستخبارات ملفات تعريفية للقادة الأجانب، تتضمن معلومات عن شخصياتهم وتفضيلاتهم وعاداتهم وخصائصهم السلوكية. وتُشكِّل السجلات العامة عادة أساس هذه الملفات، ثم تُضاف إليها المعلومات المستقاة من مصادر أخرى واللقاءات الشخصية، للاستفادة منها في تقدير ردود فعل القائد واختيار الطريقة المناسبة للتعامل معه.
ومن هذه الزاوية، تحوَّلت تغريدات ترمب إلى مادة استخبارية متاحة للخصوم والحلفاء. وعلَّقت ندى باكوس، المُحللة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، بأنها لم تمتلك خلال عملها مصدرا بهذا الثراء من المعلومات الأولية عن قائد عالمي. فقد أتاحت تغريدات الرئيس الاطلاع بصورة فورية على اهتماماته وخصائص شخصيته وطريقة تفكيره وردود فعله على الضغوط، وهي معلومات تبذل أجهزة الاستخبارات عادة جهدا كبيرا في جمعها عن قادة الدول الأخرى.
وقدَّمت اتهامات ترمب لأوباما بالتنصُّت على برج ترمب في مارس/آذار 2017 مثالا على الآثار الداخلية لهذه الطريقة في التواصل. فقد أطلق الرئيس اتهاما بالغ الخطورة من دون تقديم أدلة، ثم اضطرت المؤسسات الأمنية إلى التعامل مع كلامه ونفيه علنا. وكان ذلك هو الاتهام الذي قاد إلى جلسة الكونغرس التي افتتح بها هايدن كتابه. ثم امتدت المشكلة من طريقة التواصل إلى صناعة السياسة. فقد أصدر ترمب بعد أيام من توليه السلطة أمرا تنفيذيا يُقيِّد دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، وسط ارتباك في التخطيط والتنفيذ والتفسير. ويشير هايدن إلى أن القرار لم يصدر عن توصيات قدمها خبراء الاستخبارات والأمن بعد تقييم التهديد، وإنما دفع إليه سياسيون وأيديولوجيون مُقرَّبون من الرئيس تنفيذا لوعد انتخابي.
عزَّزت هذه البيئة الخلاف حول الجهات التي يمكن الوثوق بها في تحديد الوقائع، فالرئيس يعلن مواقفه على الجمهور، والمؤسسات الحكومية تقدم تقديرات قد تخالفها، ووسائل الإعلام تتحقق من تصريحات الطرفين، فيما يتهم كل طرف الآخر بتزييف الواقع. ومع تراكم الروايات المتعارضة، أصبحت الثقة بالمعلومة مرتبطة لدى قطاعات من الجمهور بالجهة التي تصدر عنها، لا بالأدلة التي تستند إليها.
حمل ترمب إلى البيت الأبيض مجموعة من التصورات التي كرَّرها طوال حملته الانتخابية، فالهجرة غير المنضبطة تُهدد الولايات المتحدة، والحلفاء يحصلون على الحماية الأمريكية دون أن يدفعوا ثمنها، والاتفاقيات التجارية تستنزف الاقتصاد، والتدخلات العسكرية الطويلة تُبدد القوة الأمريكية. وكانت عبارة "أمريكا أولا" الإطار الذي جمع هذه التصورات، ومن خلالها أخذت الإدارة الجديدة تُراجِع عددا من المُسَلَّمات التي استقرت داخل مؤسسة الأمن القومي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
قرأ هايدن خطاب ترمب بوصفه تعبيرا عن نزعة ترى العالم مكانا خطرا، وتطالب باستخدام القوة بعنف عند الضرورة، مع النفور من الالتزامات الطويلة ومشروعات إعادة بناء الدول. ووفق هذا التصور، يمكن إرسال القوة العسكرية لضرب الخصم ثم العودة سريعا، بينما تُختزَل التحالفات في علاقات تقوم على تبادل المنافع.
أثار ذلك قلق ضباط الاستخبارات الذين تشكَّلت خبرتهم داخل شبكة التحالفات الأمريكية. فقد رأوا في القواعد المنتشرة خارج البلاد والتحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية والدول الأوروبية أدوات تعزز قدرة واشنطن على الحركة عالميا، وتسمح للحلفاء بأداء مهام كانت ستحتاج إلى قوات أمريكية إضافية.
وبعد أسبوع من توليه السلطة، أصدر ترمب أمرا تنفيذيا يمنع دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وعلق برنامج استقبال اللاجئين. وقد أُعِد القرار داخل دائرة ضيقة، ثم أُرسِل إلى المؤسسات المُكلَّفة بتنفيذه، فحدثت فوضى في المطارات، وتوافد المحامون لمساعدة المسافرين العالقين بسبب تعليمات جديدة لم تكن آليات تطبيقها واضحة.
دخل هايدن مع مجموعة من كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن القومي السابقين في مواجهة علنية مع القرار، فشارك في فبراير/شباط 2017 في إفادة مشتركة قُدِّمَت إلى المحكمة في سياق الطعن القضائي عليه، إلى جانب ليون بانيتا ومايكل موريل وجون ماكلولين وجون كيري وسوزان رايس، ثم انضم في الأشهر التالية إلى إفادات مماثلة ضد النسخ اللاحقة من الحظر مع جون برينان وجيمس كلابر ومات أولسن. واعترض هؤلاء على غياب تقييم للتهديد يبرر الإجراء، ورأوا أن القرار انطلق من مواقف تشكَّلت خلال الحملة الانتخابية دون الاستناد إلى تقدير استخباري لطبيعة الخطر. وبالنسبة إلى هايدن، قدم الحظر مثالا على انتقال "ما بعد الحقيقة" من الخطاب الانتخابي إلى عملية صنع القرار.
وكان لدى العاملين في الاستخبارات اعتراض يرتبط بطبيعة عملهم في الميدان، إذ إن سِت دول من السبع التي شملها الحظر كانت تعاني بدرجات متفاوتة من الاضطراب والتفكك، الأمر الذي يرفع أهمية المصادر البشرية في جمع المعلومات عن الجماعات المسلحة والتهديدات المحلية. وينقل هايدن عن خبراء استخبارات خشيتهم من أن يؤدي القرار إلى خرق الثقة مع مصادر خاطر بعضها بالكثير من أجل مساعدة الولايات المتحدة، بعدما أقنعهم ضباط العمليات بأن واشنطن ستوفر لهم الحماية عند الحاجة.
ويستعيد هايدن تجربته مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية، حين كان يخاطب ضباط العمليات في حفلات تخرجهم ويذكرهم بأن الضابط الذي يُجنِّد مصدرا قد يصبح الوجه الوحيد لأمريكا الذي يعرفه ذلك الشخص طوال حياته، وأن عملية التجنيد ترتب مسؤولية أخلاقية مستمرة تجاه المصدر وأسرته. ومن هنا طرح الحظر مشكلة عملية أمام الضباط الذين سبق أن قدموا وعودا بالحماية لمصادرهم. ولخص أحد الرؤساء السابقين لمحطات وكالة الاستخبارات المركزية المعضلة بسؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الضابط أن ينظر إلى مصدر أو شريك ويعده بأن الولايات المتحدة ستتكفل بأمره.
ويضيف رئيس المحطة السابق بُعدا آخر يتعلق بالبيئة التي تعمل فيها الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث تلعب مفاهيم الشرف والكرامة والمكانة الاجتماعية دورا كبيرا في بناء العلاقات. وكان أحد المداخل التي يستخدمها الضابط مع المصدر المُحتمَل يقوم على إشعاره بأنه موضع ترحيب وتقدير، وأن المجتمع الأمريكي يمنحه قيمة ربما لا يجدها في بيئته. وقد خشي المسؤول السابق من أن يؤدي الخطاب المصاحب لحظر السفر إلى إضعاف هذه الرسالة.
ويتابع رئيس المحطة قائلا إن أحد أساسيات عمله كان "بيع الحلم"؛ فقد يستطيع هدف استخباري انتقاد السياسة الأمريكية وتدخلات واشنطن، مع احتفاظه بصورة إيجابية عن الولايات المتحدة باعتبارها مكانا يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. ومن هذا المنظور، رأى ضباط العمليات أن تكلفة الحظر كبيرة. فالعلاقات مع المصادر تُبنى على سنوات من الثقة والالتزامات الشخصية، وإضعاف قدرة الضابط على تقديم ضمانات بالحماية قد يؤثر في نوعية الأشخاص المستعدين للتعاون معه. ويذهب هايدن إلى أن النتيجة قد تكون اعتمادا أكبر على المصادر التي يحركها المال، وهي فئة يُنظَر إليها على أنها أقل قيمة من المصادر المرتبطة بعلاقة ثقة أو بدوافع تتجاوز المقابل المادي.
ويشير هايدن أيضا إلى ضابط شاب التقاه داخل وكالة الاستخبارات المركزية، وُلد في العراق وأتقن عدة لهجات عربية، وبدأ ارتباطه بالولايات المتحدة بالعمل مترجما، ثم أمضى سنوات في وكالة الأمن القومي مساعدا لزملائه العسكريين على فهم الثقافة واللغة العربية، قبل أن ينتقل إلى وكالة الاستخبارات المركزية. ويعلق هايدن بأن هذا الرجل ما كان سيتمكن من دخول الولايات المتحدة لو كان قرار الحظر الذي فرضه ترمب ساريا عندما جاء إليها.
وفي تصور هايدن، تمتد التداعيات إلى عناصر أخرى من القوة الأمريكية. فالطلاب الأجانب الذين يدرسون في الجامعات الأمريكية يتعرفون إلى المجتمع ويتقنون اللغة، ثم يعود بعضهم إلى بلاده ليتولى مواقع قيادية، فيما يساهم المهاجرون في حيوية السكان والاقتصاد. كما يصنع الانفتاح شبكات من العلاقات والنفوذ يصعب توفيرها بالأدوات العسكرية، وهي مكاسب تتضرر مع تشديد القيود على الدخول والهجرة.
ساعدت الشهور الأولى من إدارة ترمب على نقل الصدام من غرف الإحاطة الاستخبارية إلى المجال العام. فقد جاءت الإدارة إلى واشنطن وهي تحمل شكوكا تجاه أجزاء من الجهاز البيروقراطي، بينما بقي داخل الوزارات والوكالات آلاف الموظفين الذين خدموا إدارات سابقة واستمروا في مواقعهم بحكم الطبيعة المهنية لوظائفهم. وفي محيط ترمب برز خطاب يرى في مقاومة بعض السياسات والتسريبات المتكررة علامة على وجود جهاز يسعى إلى تعطيل البرنامج الرئاسي الذي اختاره الناخبون.
وجد هذا الخطاب أحد أبرز ممثليه في ستيف بانون، كبير الإستراتيجيين في البيت الأبيض، الذي تحدث عن تفكيك الدولة الإدارية. واقترب من دوائر الأمن القومي أشخاص يحملون رؤية مشابهة، بينهم سيباستيان غوركا، الذي قدم إلى ترمب أوراقا تتعلق بالإسلام والإرهاب، وهو يتولى حاليا منصبي نائب مساعد الرئيس وكبير مديري مكافحة الإرهاب. وينقل هايدن عن أحد المطلعين في الاستخبارات وصفا لغوركا على أنه مدفوع برؤية أيديولوجية تنظر إلى المواجهة مع الإسلام بوصفها دينا، وتتعامل مع الصراع معه باعتباره أبديا لا مجال فيه للسلام.
وفي المقابل، ظهر عدد كبير من المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات على شاشات التلفزيون للتعليق على ترمب وسياسات الإدارة. واشتكى مايك بومبيو، الذي تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية، في أكتوبر/تشرين الأول 2017 من كثرة مسؤولي الوكالة السابقين الذين أصبحوا مُعلِّقين تلفزيونيين، وذكَّر بأن التزام العاملين بحماية أسرار العمل يستمر بعد مغادرتهم الخدمة.
ويعترف هايدن بالمشكلة التي صنعها هذا الحضور؛ فتعليقاته وتعليقات جيمس كلابر وجون ماكلولين وجون برينان ومايكل موريل وغيرهم تركت لدى قطاع من الأمريكيين انطباعا بأنهم يمثلون الصوت العلني لمجتمع استخباري يقف في مواجهة الرئيس. لكنه ينفي وجود تنسيق بينهم، ويُرجِع التشابه في مواقفهم إلى خبرة مشتركة ورؤية للعالم تشكَّلت عبر سنوات العمل داخل مؤسسات الأمن القومي. ويضيف أن هؤلاء خرجوا إلى الإعلام للدفاع عن أعراف مهنية تتعرض للتهديد، لكن اتساع حضورهم أتاح لخصومهم تقديمهم بوصفهم امتدادا للأجهزة التي قادوها، وكلما تصاعدت المواجهة مع ترمب تعزز لدى أنصاره الاعتقاد بوجود مؤسسات عميقة تعمل على مقاومته.
ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على نقل هذا الصراع إلى جمهور أكبر. فقد باتت الرواية تنتشر بين ملايين الأشخاص قبل أن تبدأ المؤسسات الصحفية أو الحكومية التحقق منها، فيما يصل التصحيح لاحقا إلى جمهور انقسم حول الجهات التي يثق بها. وعزَّز ترمب هذه البيئة حين وصف الصحافة بأنها "عدو الشعب الأمريكي"، وتحدث عن انتخابات مُزوَّرة، وهاجم النظام القضائي الأمريكي.
ويستعين هايدن في تفسير هذه البيئة بتحليلات تتناول أثر التكنولوجيا في تشكيل المجال العام، ومن بينها ما تطرحه الباحثة زينب توفيقجي عن الخوارزميات التي تستخدمها منصات مثل غوغل وفيسبوك ويوتيوب في تخصيص ما يشاهده المستخدم. فهذه المنصات تحدد تفضيلاته وتقدم إليه مزيدا من المحتوى القادر على جذب انتباهه، بما يعزز أحيانا القناعات الموجودة لديه ويُضيِّق تعرُّضه للروايات المخالفة. وتُشبِّه توفيقجي هذا المنطق بمطعم يقدم لزبائنه أطعمة أكثر سكرا ودهونا كلما فرغوا من طبق، حتى تتبدل أذواقهم ويطلبوا المزيد منها. وفي المجال السياسي، تساعد هذه الآلية على تكوين بيئات معلوماتية متباعدة يرى داخلها كل فريق صورة مختلفة للواقع.
أعاد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 القضايا التي رصدها هايدن، لكن بأدوات أشد. ففي يوم تنصيبه الأول وقَّع أمرا تنفيذيا يسحب التصاريح الأمنية من 51 مسؤولا استخباريا سابقا وقَّعوا عام 2020 رسالة شككت في مصدر حاسوب هانتر بايدن، وكان هايدن نفسه بين الموقعين إلى جانب برينان وكلابر، ثم نفَّذت مديرة الاستخبارات الوطنية الجديدة تولسي غابارد القرار في مارس/آذار 2025. وبدا أن الإدارة قرأت الظاهرة التي اعترف هايدن بإشكاليتها، أي تحوُّل المديرين السابقين إلى معلقين تلفزيونيين، على أنها خصومة سياسية تستحق العقاب.
ثم انتقلت المواجهة من الشاشات إلى المحاكم. ففي يوليو/تموز 2025 أعلنت غابارد رفع السرية عن وثائق قالت إنها تكشف "مؤامرة خيانية" دبرتها إدارة أوباما في تقدير عام 2017 بشأن التدخل الروسي، واتهم ترمب سلفه بالخيانة علنا، فيما خلص تدقيق لوكالة أسوشيتد برس إلى أن الوثائق لا تدعم تلك الاتهامات. وفي سبتمبر/أيلول 2025 وُجِّه إلى كومي اتهام بالإدلاء بإفادات كاذبة أمام الكونغرس، ثم ألغت قاضية الاتهام في نوفمبر/تشرين الثاني لأن المدعية التي قدمته عُيِّنت بطريقة غير قانونية، فأعادت وزارة العدل ملاحقته في أبريل/نيسان 2026 بتهمة تهديد الرئيس، ثم وجهت إليه في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اتهاما ثالثا بتسريب معلومات دفاعية إلى صحفي عام 2016. أما برينان، فقد استُدعي أمام هيئة محلفين كبرى في فلوريدا في سبتمبر/أيلول 2026، دون أن يصدر بحقه اتهام حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
وداخل الأجهزة نفسها، أُقيل مدير وكالة الأمن القومي الجنرال تيموثي هوغ في أبريل/نيسان 2025 بعد يوم من زيارة الناشطة اليمينية لورا لومر للمكتب البيضاوي، وأُقيل في مايو/أيار 2025 القائمان على مجلس الاستخبارات الوطني بعد تقدير خلص إلى أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا يوجه عصابة "ترين دي أراغوا"، خلافا لما استندت إليه الإدارة في ترحيل المهاجرين. وفي أغسطس/آب 2025 أعلنت غابارد خفض موظفي مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بأكثر من 40%، وحل مركز التأثير الأجنبي الخبيث المكلف برصد التدخل في الانتخابات.
وتكرر مشهد الرئيس الذي يرفض التقدير بسبب ما يترتب عليه سياسيا، وهو المشهد الذي حذر منه هايدن. فحين شهدت غابارد أمام الكونغرس في مارس/آذار 2025 بأن أجهزة الاستخبارات ما زالت تقدر أن إيران لا تبني سلاحا نوويا، رد ترمب في يونيو/حزيران 2025 قبل أيام من قصف المنشآت الإيرانية قائلا: "لا يهمني ما قالته". وبعد الضربات، سربت تقديرات أولية لوكالة استخبارات الدفاع أن البرنامج تأخر شهورا لا سنوات، فردت الإدارة بالتشكيك في التقدير وفتح تحقيق في التسريب. ومع اندلاع الحرب الأمريكية على إيران في فبراير/شباط 2026، استقال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كنت قائلا إن إيران لم تشكل تهديدا وشيكا، وقالت غابارد أمام مجلس الشيوخ في 18 مارس/آذار 2026 إن تحديد ما إذا كان التهديد وشيكا ليس من مسؤولية مجتمع الاستخبارات، ثم استقالت في مايو/أيار 2026، وخلفها جاي كلايتون في يوليو/تموز.
Loading ads...
بعد سنوات من صدور الكتاب، ثم عودة ترمب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، تبدو القضايا التي أثارها هايدن أكثر ارتباطا بالحاضر والمستقبل منها بالماضي، فأزمة "ما بعد الحقيقة" تتفاقم مع تصاعد الشعبوية، وتراجع ثقة قطاعات من الجمهور بالخبراء والمؤسسات، وتحوُّل منصات التواصل إلى مصادر رئيسية للمعلومات، ما جعل الوصول إلى أرضية مشتركة لتفسير الوقائع أكثر صعوبة، وعزز الانقسامات في المجال العام وداخل الإدارات السياسية المختلفة، وعلى رأسها البيت الأبيض نفسه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





