2 ساعات
طولها مليار ضعف المسافة بين الأرض والشمس..أول خريطة للفطريات تحت الأرض
الجمعة، 12 يونيو 2026

نجح باحثون في إعداد أول خريطة عالمية تحدد كثافة وانتشار وكتلة شبكات الفطريات الجذرية الشجيرية تحت سطح الأرض، عبر النظم البيئية البرية.
وتكشف الخريطة عن شبكة هائلة من الخيوط الفطرية، يبلغ طولها الإجمالي نحو 110 كوادريليونات كيلومتر، أي ما يقارب مليار ضعف المسافة بين الأرض والشمس.
والكوادريليون هو عدد يساوي مليون مليار، ويكتب 1 وأمامه 15 صفراً.
وتؤدي هذه الشبكات الخفية دوراً أساسياً في تغذية النباتات، ونقل المياه والعناصر الغذائية، إلى جانب المساهمة في سحب الكربون إلى التربة، وتنظيم مناخ الأرض.
وتتيح الدراسة التي نشرتها دورية Science، للعلماء وصناع السياسات، تحديد المناطق التي تزدهر فيها هذه الشبكات الحيوية، وتلك التي قد تكون مهددة بسبب الزراعة، وتغير استخدام الأراضي، ونقص الحماية البيئية.
تقيم الفطريات الجذرية الشجيرية علاقة تكافلية مع نحو 70% من أنواع النباتات على الأرض، وتمتد خيوطها الدقيقة، التي تعرف باسم "الهيفات" من جذور النباتات إلى مسافات أبعد داخل التربة، حيث تجمع الماء والعناصر الغذائية، خصوصاً الفوسفور، وتنقلها إلى النبات.
وفي المقابل، تحصل الفطريات على جزء من الكربون الذي تنتجه النباتات خلال عملية التمثيل الضوئي.
وبهذا التبادل، تشكل النباتات والفطريات شبكة حية لنقل الموارد، تساعد على دعم نمو الغابات، والمراعي، والمحاصيل، والعديد من النظم البيئية الأخرى.
وتستطيع الشبكات الفطرية في التربة السليمة زيادة المساحة التي تستكشفها جذور النباتات بحثاً عن الغذاء والماء بما يصل إلى 100 مرة، كما يمكنها توفير أكثر من 80% من احتياجات النبات من الفوسفور.
ويشبه العلماء هذه الشبكات أحياناً بأحد أنظمة الدورة الدموية على الأرض؛ لأنها تنقل الكربون والمياه والعناصر الغذائية عبر النظم البيئية الموجودة تحت سطح التربة، رغم أن الجزء الأكبر منها ظل غير مرئي، وغير محدد على الخرائط حتى الآن.
لبناء الخريطة الجديدة، جمع الباحثون بيانات عن كثافة الشبكات الفطرية من أكثر من 16 ألف عينة أسطوانية من التربة، من مناطق مختلفة حول العالم، ثم طوروا نماذج تعتمد على التعلم الآلي، دمجت هذه القياسات مع بيانات بيئية عن الصحارى والتندرا والغابات والمراعي وغيرها من النظم الأرضية.
استخدمت النماذج العلاقات التي ظهرت في المواقع التي جرى أخذ عينات منها، لتوقع كثافة الخيوط الفطرية في المناطق التي لا تتوفر عنها قياسات مباشرة، وحسبت التقديرات بدقة مكانية تبلغ كيلومتراً مربعاً واحداً عبر معظم اليابسة، باستثناء القمم الجليدية، والمناطق التي لا تتوافر عنها بيانات كافية لبناء توقعات موثوقة.
واستخدم الباحثون أنظمة تصوير روبوتية لتحليل أكثر من 300 ألف خيط حي من خيوط الفطريات الجذرية نمت داخل المختبر، وساعدت هذه القياسات في معايرة النماذج، وربط ما يظهر في عينات التربة بالحجم الفعلي للشبكات الفطرية.
وبناءً على هذه البيانات، قدر الباحثون أن إجمالي طول الشبكات الفطرية الشجيرية في الطبقات العليا من تربة العالم يبلغ نحو 110 كوادريليونات كيلومتر، وأنها تحتوي على كتلة تقدر بنحو 300 مليون طن من الكربون، وهي كمية تعادل ما بين 4 و6 أضعاف كتلة جميع البشر الأحياء.
وقال الباحث الرئيسي للدراسة، جاستن ستيوارت، من جمعية حماية الشبكات تحت الأرض، إنه من الصعب المبالغة في وصف ضخامة هذه الفطريات وأهميتها، مشيراً إلى أن ملعقة صغيرة واحدة من التربة قد تحتوي على ما يصل إلى 10 أمتار من الشبكات الفطرية.
أظهرت الخريطة أن النظم البيئية للمراعي تضم نحو 40% من البنية التحتية العالمية للفطريات الجذرية الشجيرية.
وتوقعت النماذج وجود كثافات مرتفعة بصورة استثنائية في المراعي المغمورة بالمياه في جنوب السودان، ومنطقة إيفرجليدز في ولاية فلوريدا الأميركية، وهضبة التبت.
وتبرز أهمية هذه الدراسة في أن المراعي الطبيعية تعد من أقل النظم البيئية حصولاً على الحماية، رغم الدور الكبير الذي تؤديه في استضافة الشبكات الفطرية، وتخزين الكربون.
وتشير الدراسة إلى أن المراعي تتحول إلى أراض زراعية بمعدل أسرع 4 مرات من تحول الغابات.
وتنسجم هذه النتائج مع تحليل سابق أجراه بعض الباحثين المشاركين في الدراسة، أظهر أن 95% من مناطق التنوع الحيوي المهمة للفطريات الجذرية الشجيرية تقع خارج نطاق المناطق المحمية.
قدر الباحثون أن شبكات تلك الفطريات تنقل إلى التربة سنوياً كمية من الكربون تعادل نحو 4 مليارات طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يوازي قرابة 11% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل هذه الكمية تبقى مخزنة في التربة بصورة دائمة، إذ يمكن أن يعود جزء من الكربون إلى الغلاف الجوي عبر عمليات التنفس، والتحلل، لكن الرقم يكشف ضخامة تدفقات الكربون التي تمر عبر هذه الشبكات، ويؤكد أن الفطريات ليست مجرد كائنات هامشية في التربة، بل عنصر رئيسي في دورة الكربون العالمية.
وأوضح الباحث المشارك في الدراسة، كورنتين بيسو، أن تقنيات التصوير عالي الدقة، والتعلم الآلي، والروبوتات بدأت تكشف ما ظل مختبئاً تحت أقدام البشر، وتساعد العلماء على فهم الطريقة التي تنقل بها أجسام الفطريات الشبكية العناصر الغذائية، وتشارك في تنظيم المناخ.
رصدت الدراسة علامة مقلقة في الأراضي الزراعية واسعة النطاق، إذ توقعت النماذج أن تكون كثافة الشبكات الفطرية المرتبطة بالمحاصيل أقل بنحو 50% مقارنة بالنظم البيئية البرية الطبيعية.
ولا تثبت الدراسة أن ممارسة زراعية بعينها هي السبب المباشر في هذا الانخفاض، كما شدد الباحثون على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لربط طرق إدارة الأراضي بصحة الشبكات الفطرية.
ومع ذلك، يثير انخفاض الكثافة مخاوف من تراجع قدرة التربة على تخزين الكربون، وتدوير العناصر الغذائية، ومقاومة الجفاف والاضطرابات البيئية.
وتوفر الخريطة الجديدة نقطة انطلاق لتحديد الأماكن التي يمكن أن تستفيد من المراقبة، أو الحماية، أو تغيير طرق إدارة الأراضي.
وأتاح الباحثون البيانات الأساسية للحكومات وصناع القرار، بالتزامن مع إطلاق أداة تفاعلية تحمل اسم "خريطة البنية التحتية للفطريات الجذرية".
وترى الباحثة المشاركة في الدراسة، توبي كيرز، المديرة التنفيذية لجمعية حماية الشبكات تحت الأرض، أن الفطريات ظلت مهمشة لفترة طويلة في سياسات المناخ وحماية الطبيعة، رغم الدور الذي تؤديه في حركة الكربون والعناصر الغذائية، وأن النتائج الجديدة قد تساعد على إدخالها بصورة أكثر دقة في خطط الحفاظ على البيئة.
لكن رغم ضخامة قاعدة البيانات المستخدمة، لا تقدم الخريطة قياسات مباشرة لكل نقطة على الكوكب، بل تعتمد في مناطق واسعة على تنبؤات نماذج التعلم الآلي، وتظل دقة هذه التوقعات مرتبطة بحجم العينات المتاحة ومدى تمثيلها للظروف البيئية المختلفة.
وكشفت الدراسة عن مناطق كثيرة لا تزال تفتقر إلى العينات الميدانية، وهو ما يحد من القدرة على تقدير كثافة الشبكات فيها بدرجة عالية من اليقين، لذلك تمثل الخريطة أفضل تقدير عالمي متاح حالياً، لكنها ليست وصفاً نهائياً، أو مكتملاً لكل الشبكات الموجودة تحت الأرض.
Loading ads...
وقال الباحثون إن الفطريات الجذرية أسهمت في تشكيل الحياة على الأرض على مدى مئات الملايين من السنين، لكن توزيع بنيتها التحتية العالمية وطريقة عملها لا يزالان غير مفهومين بصورة كافية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

RT تستطلع آراء الجماهير العربية
منذ 20 دقائق
0



