من الطبيعي، أو لنقل إنه من الدارج أن يعتذر الكاتب، سلفاً، لقرّائه حين يريد استخدام ألفاظ بذيئة أو شتائم من النوع البذيء في كتابته. لكنني لن أفعل ذلك لسببين: الأول هو أن الكتابة عن شيء مع التغاضي عن ذكره، تشبهاً بمقولة "الحكي إلك واسمعي يا جارة"، أو محاولة الاستعاضة عنه بالتلميح والتقريب، يذهب بالكاتب والقارئ معاً إلى مساحة سخيفة من التعفّف المصطنع، وادعاء الفضيلة في غير مكانها.
أما الثاني، فيتعلّق بالمفهوم الذي أتبنّاه للشتيمة، بكونها إحدى الركائز المهمة للأدب الشعبي، وتالياً فهي لا تختلف عن الحِكم والأمثال والأغاني الفلكلورية، في إبرازها للقيم والمحرَّمات والمخاوف لدى مجتمع ما، ولو بشكل عكسي. بمعنى أن الحكمة أو الأغنية الفلكلورية تقول ما يريد المجتمع إظهاره والتفاخر به، بينما الشتيمة، والنكتة أيضاً في بعض الأحيان، تقولان ما لا يريد المجتمع قوله، أو هو يخاف من قوله عن نفسه.
وأعتقد أن من الضروري أولاً أن نعرّف الأدب الشعبي، وهو مُعرّف بالطبع ولكن في الإعادة إفادة كما يقال، وهذه الإفادة ستساعدنا في موضعة الشتيمة داخل هذا الأدب ومحاكمتها بإنصاف. ولتسهيل ذلك فلنطرح هذا السؤال: من هو قائل "الناس أعداء ما جهلوا"؟ وسوف نسمع إجابة واحدة هي "علي بن أبي طالب"، سواء كانت هذه الإجابة من ذاكرة الشخص الذي يجيب، أو بعد استعانته بالمراجع أو بالأصدقاء. لكن لو طرحنا السؤال: من القائل: "اللي ما بيعرف بقول كفّ عدس"، فبالتأكيد لن نحصل على إجابة، رغم أن هذه مقولة شائعة أكثر بكثير من مقولة علي بن أبي طالب.
الأدب الشعبي، إذاً، هو ذلك الأدب الذي يتناقله الناس من دون أن يكون له "مؤلِّف" معروف، وأهم ما يميزه هو أن الناس يغيرون فيه ويعدّلون عليه وينتقون منه ما يلائم بيئتهم الاجتماعية وقيمهم، وحتى قاموسهم اللغوي في لحظة معينة وفي جغرافيا معينة. بخلاف ذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يغير في جملة مثل "مِكرّ مِفرّ مقبلٍ مدبرٍ معاً" تحت حجة أن كلماتها غير مفهومة بحسب اللهجة المصرية مثلاً.
لا نستطيع أن نغير في جملة "مكَرٍّ مفَرٍّ..." لأنها من الأدب الرسمي إن جازت التسمية، لكن هذه الجملة، وغيرها الكثير والكثير من القطع الأدبية، لا تتناقلها الألسن يومياً مثلما تتناقل "كس أمك" أو "يا ابن القحبة" رغم احتقار الأدب الرسمي لهاتين المسبتين ووصفه لهما ولمثيلاتهما بالسوقية والدناءة.
هذه السوقية أو الدناءة ليست غاية في حد ذاتها عند الجماعة التي تناقلت الشتائم البذيئة، وعدّلت عليها إلى أن استقرت على وضعها الحالي، بمعنى أن الناس لا يستخدمون الأعضاء الجنسية داخل شتائمهم لمجرد الاستمتاع، بقدر ما أن هذا الشكل من الشتيمة يحافظ على ما يعتبرونه عيباً أو عاراً، تماماً كما تحافظ الحكمة والمثل على ما يعتبرونه فخراً أو قيمة سامية. ومن هنا، تضطلع الشتيمة بدورها على أكمل وجه، وهو إهانة المشتوم بما يعتبره عاراً، وهو انتهاك "شرفه" المتصوَّر.
هذا "الشرف"، إذاً، بمفهومه الجنسي المرتبط بالمرأة، وتحديداً الأم والأخت، هو الكلمة المفتاحية التي تفسر لنا اتفاق أغلب الشتائم على استخدام الأعضاء الجنسية لهن، أو وصفهن بالعُهر كإهانة للابن أو الأخ.
لكن كل هذا التفسير سيصبح بلا معنى نهائياً، لو نقلناه إلى ساحة أخرى غير ساحتنا العربية. وأستطيع هنا أن أورد تجربة شخصية مرتبطة بفترة لا بأس بها عشتها في دول أوروبية لا يوجد لديها مفهوم "الشرف" نفسه كما هو في المجتمعات العربية. وأكثر من ذلك أيضاً، فدول المعسكر الاشتراكي السابق كان للمرأة فيها مكانة حقوقية واجتماعية مساوية للرجل، ناهيك بأن الدين ومنظومة الأخلاق المستمدة منه لم يكن لها أي مكان.
ومع أن "الشرف" في هذه الدول وفي دول أوروبا الغربية كذلك، يستمد معناه من العمل ومن الانتماء إلى قيم وقوانين وأفكار ليس من بينها جسد المرأة أو موقعها من الرجل، إلا أنني لم أسمع شتيمة واحدة تقول "اللعنة على وظيفتك" أو "يا تابع نيتشه".
الشتائم هناك أيضاً قبيحة، ولعل Fuck your mother هي أكثر جملة دارجة على ألسنة البلغار مثلاً، والأغرب أنها دارجة على ألسنة الرجال والنساء على حد سواء. أما لدى اليونانيين، فشتيمة Γαμώ την πουτάνα σου يمكن اعتبارها اثنين في واحد حيث تعني "أنا أنكح عاهرتك".
الصرب لديهم قاموس واسع ومركّب من الألفاظ البذيئة المستخدمة في الشتائم، أخفّها ربما يكون Пичка ти материна المتعلق بفرج الأم، ثم يذهبون صعوداً في إضافات وأوصاف ربما تعجز لغات أخرى عن استيعابها. هل هذه دول متخلفة ولا يُعتد بثقافاتها، ولا نستطيع بالتالي استنباط أمثلة من شتائمها؟ ربما. لكن ماذا عن Hurensohn (ابن العاهرة) أو Fotze (عاهرة) لدى الألمان و Fils de pute (ابن العاهرة) أو Nique ta mère (انكح أمك) لدى الفرنسيين؟
ما أحاول قوله هو أن الحركات الحقوقية، والنسوية من ضمنها، قطعت أشواطاً كبيرة، وحقّقت إنجازات لا يستهان بها في هذه البلدان، بما انعكس على مكانة المرأة، وعلى العلاقة بين الجنسين، وعلى حساسية المجتمعات تجاه الإهانة والعنف اللفظي، ومع ذلك بقيت الشتائم الجنسية هي المفضلة لدى أي رجل غاضب، حتى لو كان هذا الرجل الغاضب -وأحياناً لدى بعض النساء أيضاً- في غاية التحضر في حياته اليومية.
يمكن للرجل المتحضر أن يعمل جنباً إلى جنب مع زميلته المتحضرة، وأن يتعامل معها كشريك كامل في كل شيء وبلا استثناءات، لكنه في لحظة غير مدروسة يستدعي شتيمة عمرها ألف عام ويستخدمها. هل هذه الشتيمة بمفرداتها ومعناها تعبّر عن الأفكار والمنظومة القيمية التي يؤمن بها صاحبها؟ ليس دائماً بالتأكيد، أو لنقل إن قلائل هم من تتطابق شتائمهم مع أفكارهم.
لماذا، إذاً، نستخدم هذه الشتائم الفاحشة والبذيئة؟ لأننا لا نستطيع كل شهر أو كل أسبوع أن نخترع لغة جديدة قادرة على الاتساق مع أفكارنا عن الحياة وعن تطور مفاهيمها. هكذا هو الأمر ببساطة؛ الشتيمة قطعة لغوية بقيت حية بعدما ماتت الثقافة التي أنتجتها أول مرة. هل هذا دفاع عنها وتبريرها؟
قد يكون دفاعاً عن نفسي كشخص يشتم كثيراً من دون أن يعني ما يقول. لكن الأهم هو محاولة موضعة الشتيمة داخل صندوق الأدب الشعبي الذي نفخر بعناصره ومحتوياته، رغم أن الثقافة التي أنتجت هذه العناصر ماتت وشبعت موتاً هي الأخرى.
Loading ads...
فمن هو ظريف الطول، ومن هي جبينة، ومن هو أبو زيد الهلالي، ولماذا نقبل بوجودهم بيننا بينما نخوض معاركنا اليومية؟ ثم تخيّل شخصاً سمع الحكمة القائلة: "اللي ما عنده كبير يشتري له كبير"، ففهم المعنى بحرفيته وذهب إلى السوق ليشتري جدّاً. ماذا يمكنك أن تقول له غير كس أمك؟ وهنا لن تجد طريقة لتبرير ما حصل إلا أن الفهم خانه والتعبير خانك، وأن كلاكما خرج من الصندوق عينه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






