2 أشهر
اقتصاد الظل.. كيف يدير السوريون حياتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة؟
الجمعة، 13 فبراير 2026
في صباح بارد من أيّام دمشق، يقف أبو مالك أمام عداد الكهرباء في بيته الكائن بمساكن برزة، يتأمل الأرقام وكأنها حكمٌ نهائي على قدرة أسرته على الصمود، لسنوات كان يشتري وقود لتشغل مولدة لتأمين ساعات قليلة من التيار الكهربائي لعائلته، لكنّ بعد التحرير اعتقد أن مشكلة الكهرباء قد حُلت، ليتفاجأ بالفاتورة الأخيرة التي تجاوزت مليوني ليرة، وهو مبلغ يفوق دخله الشهري الحقيقي.
"رفع الدعم عن الكهرباء أرهقنا، الكهرباء قطاع خدمي وليس ربحي من المفروض أن ما يكون عبئا، اليوم فاتورتنا لا تنخفض عن المليون ونصف، ولو كان دخلنا عشرة ملايين لكانت الفاتورة منطقية، بس هذا غير موجود في سوريا" يقول أبو مالك لموقع تلفزيون سوريا.
هذه الكلمات لا تعبّر عن فرد واحد فقط، بل عن قصة آلاف الأسر السورية التي تواجه فجوة كبيرة بين الدخل والإنفاق الفعلي، مع اقتصاد رسمي متعب واقتصاد ظلّ بات ملاذاً لا خياراً.
الواقع المعيشي.. الأرقام تتكلم
في مقابل دخل أسري لا يتجاوز في المتوسط 1.3 مليون ليرة شهرياً، تواجه العائلات السورية إنفاقاً فعلياً يصل إلى ما بين خمسة وستة ملايين ليرة، وربما أكثر في حال كان البيت آجار، هذه الفجوة، التي تقارب 77%، لا تُسدّ عبر الرواتب، بل من خلال مصادر أخرى منها الحوالات، ما يعكس كيف أصبح اقتصاد الظل جزءاً أساسياً من معيشة السوريين.
ووفقا لتعريف الأمم المتحدة يتكون اقتصاد الظل من الأنشطة التي قد تعتبر منتجة بالمعنى الاقتصادي وقانونية أيضاً (بشرط توفر معايير الالتزام بنظم معينة) ولكنها مخفية عن السلطات العامة (من أجل تفادي دفع الضرائب مثلا أو دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي أو الالتفاف حول معايير أو متطلبات معينة).
الفجوة الكبيرة بين الدخل الحقيقي للأسر السورية وتكاليف المعيشة تعكسها تقديرات لخبراء اقتصاديين تفيد بأن ما يقارب 70% من النشاط الاقتصادي يتم خارج المنظومة الرسمية، في مؤشر واضح على اتساع اقتصاد الظل وتغلغله في الحياة اليومية.
ولا يقتصر الأمر على الكهرباء فقط. فبحسب تقديرات متعددة لمؤشرات تكلفة المعيشة، تجاوز متوسط التكاليف الشهرية لعائلة من خمسة أفراد في دمشق ثمانية إلى تسعة ملايين ليرة، في حين أن رواتب الموظفين في القطاع العام نادراً ما تتجاوز مليونين ونصف مليون ليرة، بينما متوسط دخل العاملين في القطاع الخاص لا يتجاوز حوالي مليون ونصف مليون ليرة.
هذه الأرقام تُظهر بوضوح أن شريحة واسعة من السوريين لا تستطيع تغطية احتياجاتها الأساسية من خلال الرواتب الرسمية وحدها، وتنعكس هذه الأزمة في ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير، وبات معظم السكان يعتمدون على مصادر دخل متعددة أو على تحويلات من الأهل في الخارج.
اقتصاد الظل.. بديل قسري أم فخ مستمر؟
تحوّل اقتصاد الظل إلى عنصر مركزي في الحياة الاقتصادية للسوريين، ولم يعد يقتصر على كونه وسيلة للبقاء، بل أصبح مؤثراً أساسياً في توزيع الدخل وتنظيم الأنشطة الاقتصادية اليومية، ويشمل هذا الاقتصاد أنشطة غير مسجلة لا تخضع لرقابة الدولة أو للنظام الضريبي، ويأتي اتساعه نتيجة مباشرة لتراجع قدرة الاقتصاد الرسمي على توفير فرص العمل وتلبية الاحتياجات المعيشية للأسر.
تقول فاطمة (34 عاماً)، ربة منزل من حماة، إنها تعتمد على عمل زوجها في سوق غير رسمي لتأمين مصاريف الأسرة "زوجي يعمل في نقل البضائع دون سجل رسمي، الدخل لا يكفي، لكن دون هذا العمل لا يمكننا العيش نهائيا، إذا ربطة الخبر بـ4 آلاف ليرة وقس على ذلك".
وبينما يوفر اقتصاد الظل فرص عمل مؤقتة أو إضافية للكثيرين، فإنه في الوقت نفسه يحمل آثاراً كبيرة على الاقتصاد الرسمي، مثل التهرب الضريبي وفقدان الإيرادات العامة، ما يزيد من عجز الموازنة ويعيق أي جهود لإصلاح الاقتصاد أو تبني سياسات تنموية.
التحويلات الخارجية.. ملاذ محدود للبعض
في ظل هذا الواقع، لا تزال التحويلات المالية من الخارج تشكل شريان حياة لبعض الأسر في سوريا. تستند هذه التحويلات غالباً إلى أفراد يعملون في دول الجوار أو في أوروبا أو أميركا، وتساعد في سد فجوة الدخل الشهري وتوفير الحد الأدنى من الكفاف.
أم خالد، من حلب، تقول لموقع تلفزيون سوريا "الحوالة اللي توصلنا من ابني بالخارج هي اللي واقفة معنا، بدونها ما فينا ندفع أجار البيت، لأن بيتنا بالميسر تهدم من 2016، بس جيراننا ما عندهم حدا بالخارج، الله يعين الخلق".
وتوضح أم خالد أن الاعتماد على التحويلات من الخارج كبديل عن نظام اقتصادي رسمي قوي يفاقم التفاوت داخل المجتمع، إذ يحصل بعض الأسر على دعم من شبكاتها في الخارج بينما يبقى آخرون بلا أي وسيلة إضافية لتأمين معيشتهم.
آراء الخبراء.. بين التحديات والآمال المشروطة
يرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي أن المشهد الاقتصادي الراهن في سوريا "ضبابي لكنه ليس ميئوسا منه"، بحسب تصريحاته لـموقع تلفزيون سوريا "نحن في مرحلة انتقالية، مع مرور الوقت، خلال هذا العام أو مطلع العام القادم، يمكن أن تتبلور هوية وشكل الاقتصاد الوطني بشكل أوضح".
ويضيف الخبير العيلي أن هناك عوامل قد تسهم في تحسين الوضع المالي للدولة مثل عودة الإنتاج في المناطق النفطية، وبدء تدفّق عائدات النفط، ودخول شركات دولية، وهي أمور قد تساهم في تعزيز ورفد خزينة الدولة وتخفيف العجز المالي، مما يمكّن من رفع الرواتب وتحسين الخدمات العامة.
لكن العيلي يشدد على أن هذه السيناريوهات ليست مضمونة ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية أوسع، وتنظيم حقيقي لآليات التشغيل والتوظيف، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وليس فقط الاعتماد على الموارد الخارجية أو النفط وحده.
تكيّف اجتماعي.. بين البقاء والتآكل الطويل
بينما يسعى السوريون إلى تدبّر أمورهم من خلال اقتصاد الظل والتحويلات والعمل المتعدد، فإن هؤلاء المواطنين يعيشون مزيجا من البقاء المؤقت والاستنزاف الطويل، وتقول سارة (27 عاما)، موظفة في مؤسسة تعليمية بدمشق: "كل يوم نحسب المصروف، الكهرباء، الأكل، البنزين، حتى البقال صار يعدل الأسعار كل أسبوع، صرنا نعيش يوما بيوم".
Loading ads...
تعكس هذه الشهادات واقعاً معيشياً يفرض على ملايين السوريين أنماط تكيّف قسرية لا تقوم على الاستقرار بقدر ما تقوم على تأجيل وترحيل الأزمات، فبين دخل ضعيف ونفقات متصاعدة، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة هذا النمط من العيش على الاستمرار دون أن يترك آثارا عميقة على البنية الاجتماعية والاقتصادية لبلد في طور التعافي من سنوات طويلة من الحرب والأزمات المركبة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





