2 أشهر
لماذا لا يمنح لبنان الصلاحية للجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم حرب" يتهم إسرائيل بارتكابها؟
الإثنين، 18 مايو 2026

منذ استهدفت إسرائيل تجمعا للصحافيين في علما الشعب، جنوب لبنان، في 13 تشرين الأول /أكتوبر عام 2023، ومقتل مصور رويترز عصام عبدالله وجرح صحافيين آخرين، يسعى حقوقيون لدفع الحكومة اللبنانية باتجاه منح صلاحية للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب محتملة ضد الدولة العبرية. لكن الخطوة اصطدمت بواقع لبناني معقد جعل الحكومة ترفض اللجوء إلى الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيل، رغم ارتفاع عدد الصحافيين والمسعفين المستهدفين بغارات، ومقتل مئات الأطفال منذ ذلك الحين، في ما يصفه لبنان بأنه ʺجرائم حربʺ.
في 26 نيسان /أبريل 2024، قرر مجلس الوزراء برئاسة نجيب ميقاتي تكليف وزارة الخارجية بتقديم إعلان إلى سجلّ المحكمة الجنائية الدولية، سندا للفقرة 3 من المادة 12 من نظامها الأساسي، في قبول اختصاصها للتحقيق والملاحقة القضائيّة لكلّ الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية والتي تدخل في نطاق ولايتها القضائية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، اليوم الذي سبق إعلان حزب الله دخول ما أسماه ʺحرب إسناد غزةʺ. لكن، سرعان ما تراجعت حكومة ميقاتي، في 28 أيار /مايو 2024، عن قرارها بمنح الصلاحية للمحكمة الجنائية.
وذكرت ʺالمفكرة القانونيةʺ، وهي منظمة غير حكومية تابعت الملف في حينه، أنه ʺتبيّن بنتيجة متابعتها واتصالاتها أن بعض القوى السياسية الوازنة في مجلس الوزراء وبشكل خاص حزب الله لم تكن راضية تماما عن القرار.. ʺ.
ومنذ تراجع الحكومة عن لجوئها للجنائية الدولية، ازدادت بشكل كبير "جرائم الحرب" المحتملة، التي يتّهم لبنان إسرائيل بارتكابها على أراضيه. حيث أفادت وزارة الصحة اللبنانية بمقتل 211 طفلا، منذ بدء الحرب في 2 آذار/مارس الماضي، بالإضافة إلى 111 شخصا من فرق الإسعاف و5 من الأطقم الطبية والتمريضية. بينما قتل 5 إعلاميين باستهداف مباشر منذ 2 آذار/مارس.
ووصف رئيس الجمهورية جوزاف عون استهداف الصحفيين بأنه " استباحة لأبسط قواعد القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب". رغم ذلك، لا يزال لبنان يتجّنب منح الجنائية الدولية صلاحيات التحقيق بما يؤكد أنها "جرائم حرب". وعلى الرغم من أن رئيس الحكومة، نواف سلام، عمل قاضيا ورأس محكمة العدل الدولية قبل استقالته منها لتبوّؤ منصبه الحالي، لكنه لا يبدي حماسا لهذه الخطوة.
لا شيء تغير في لبنان.. غارات إسرائيلية مستمرة على الجنوب اللبناني وصولا إلى بعلبك
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
وزير العدل اللبناني عادل نصار فضل عدم الإجابة عن أسئلة فرانس24 بشأن هذه القضية. بدوره لم يجب مكتب رئيس الحكومة عما إن كانت الحكومة ستمنح الصلاحيات للمحكمة الجنائية الدولية، وأكد أن الرئيس سلام أشار إلى ʺأهمية متابعة توثيق جرائم الحرب ورفعها إلى الأمم المتحدة، كما كشف عن الاتفاق الحاصل مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان لزيارة لبنان في القريب العاجل للتحقق في جرائم الحرب المرتكبة والعمل لعقد جلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيفʺ. وهو ما كان أكده سلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء قبل نحو أسبوع.
ومنذ مقتل عصام عبد الله عام 2023، تخوض رئيسة اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان، إلسي مفرّج، معركة لدفع الحكومة اللبنانية لمنح الجنائية الدولية الصلاحية للتحقيق في استهداف إسرائيل صحافيين، ما ينطبق أيضا على بقية جرائم الحرب المحتملة.
تقول مفرج إن ʺالمشكلة في لبنان سياسية من الجهتين. فالحكومة السابقة أعطت الصلاحية وطلبت من وزارة الخارجية أن تُعلم المحكمة الجنائية الدولية. ماطلت وزارة الخارجية اللبنانية ولم تبادر للبدء في الإجراءات اللازمة، قبل أن تتراجع الحكومة عن منح الصلاحيةʺ. وتضيف أن ʺحزب الله لم يكن يريد منح الصلاحية للمحكمة، وجاء ادعاؤها على يحيى السنوار (زعيم حركة حماس السابق) إلى جانب بنيامين نتانياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) ليثبًت مخاوف حزب الله من أن يتم الادعاء عليه أيضاʺ.
وكانت الجنائية الدولية قد أصدرت عام 2024 مذكرات توقيف بحق كل من نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بالإضافة إلى ثلاثة من قادة حماس، هم يحيى السنوار ومحمد الضيف وإسماعيل هنية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وتتابع مفرّج: ʺتبيّن لاحقا وجود جهة ثانية لا تريد منح الصلاحية إذ تخشى من مشكلة مع الولايات المتحدة ومن رد فعل كفرض عقوبات أمريكية. وما زلنا عالقين في هذه الدوامةʺ.
وتلفت الصحافية إلى أن قرار منح الصلاحية بموجب الفقرة 3 من المادة 12، الذي تراجعت عنه حكومة ميقاتي، ʺحاول طمأنة المسؤولين اللبنانيين الذين يخشون من محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) من خلال تحديد تاريخ لصلاحية المحكمة. وهي الجرائم التي بسببها لم يدخل لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية كعضو، لأن أمراء الحرب رفضوا ذلكʺ.
وإضافة إلى الأسباب المذكورة، يكشف مصدر مطلع على القضية، طلب عدم الكشف عن اسمه، لفرانس24 أن أحد المسؤولين عبر عن خشيته من التعرض لاستهداف إسرائيلي في حال عمل على ملاحقة إسرائيل أمام الجنائية الدولية.
المحامي فاروق المغربي تابع أيضا القضية. ويقول إن قرار منح الصلاحية للجنائية الدولية هو ʺأسرع قرار يمكن أن تصدره الحكومة وهو غير مكلف ماديا. فلا يوجد عراقيل تقنية، يكفي أن تجتمع الحكومة وتتخذ القرار وتعلن عنه وترسله إلى قلم المحكمة الجنائية الدولية، وخلال أسابيع يمكن تكوين فريق لبدء العمل. أما العراقيل فهي سياسيةʺ.
وعن أهمية الخطوة، يقول المغربي إنها ʺتضع لبنان على سكة العدالة الدوليةʺ. ويضيف: ʺنتانياهو لم يستطع أن يحط في دولة أوروبية عندما سافر إلى الولايات المتحدة وليس ذلك بتفصيل..ʺ
رغم إعلان تمديد الهدنة.. غارات إسرائيلية متواصلة على لبنان وإنذارات بإخلاء قرى جنوبية
وفي حين يرى مصدر حكومي أن من ʺسيّئات المحكمةʺ أنها ʺتحاكم أفرادا لا دولاʺ، يرى المحامي عكس ذلك. ويقول المغربي: ʺ من الجيد أن تحاكم الجنائية أفرادا، فمحكمة العدل الدولية هي التي تختص بالخلاف بين الدول، بينما الجنائية تحاكم الأشخاص الذين يصدرون الأوامر بارتكاب جرائم حرب أو يقومون هم بارتكابها. المهم في الجنائية الدولية أنها تمنع الأشخاص في موقع المسؤولية، مدنية سياسية أم عسكرية، من إصدار أوامر تؤدي إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حربʺ. ويتابع: ʺ لا يمكن سجن دولة وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحقها إنما يمكن ذلك بحق شخص لردعه..ʺ.
ويرى المحامي أنه من ʺالجائز أن يكون التقاء مصالحʺ بين حزب الله ومن يخشى من رد فعل أمريكي، هو ما يمنع اللجوء إلى الجنائية الدولية.
تلفت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات إلى أن لبنان ʺلا يفتح ملفات قضائية بهذه الجرائمʺ، وتؤكد أن الاتحاد تلقى وعودا من السلطة بالقيام بذلك. كما يرى المغربي أن ʺلا توثيق قانونيا جديا فقط إعلان لعدد القتلىʺ.
وترى مفرّج أنه ʺمن الضروري فتح ملفات قضائية لتوثيق قضايا جرائم الحرب. فالتوثيق الذي تقوم به المنظمات والمؤسسات الإعلامية لا يملك قيمة قانونية كتلك التي يملكها الملف القضائي. والقضاء لم يتحرك باستثناء بعض المحاضر الأولية البسيطة والتي تتضمن أخطاء لا تغتفرʺ.
وتفيد مفرّج بأن المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، موريس تيدبال-بينز، وعندما زار بيروت ʺقارن بين لبنان وأوكرانيا، ووجد أن أوكرانيا تفتح ملفا قضائيا في كل جريمة حرب أما في لبنان فلم يتم فتح أي ملف قضائيʺ.
Loading ads...
ولا يزال لبنان في المرحلة الأولى من التوثيق، وفق الصحافية، وينتظر وصول لجنة أممية، خلال أسبوعين، كلفها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. وتضيف: ʺلكن المطلوب من المكتب أن يشكل لجنة تقصي حقائق بموضوع حقوق الإنسان، هذه اللجنة مرتبتها أعلى وإلى الآن لم يوافق على إنشائها سوى نائب رئيس الحكومة طارق متري، بينما لا قرار حكومي بتأييدها بعد. فالنكايات السياسية تتحكم بموضوع يتعلق بالعدالةʺ.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




