7 أيام
الكتاب المدرسي في سوريا بين إعادة الاستخدام وحقِّ الطالب في التعلُّم
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
منذ أن عرف الإنسان الكتاب أصبح رفيقاً يلازمه في رحلة البحث عن المعرفة وفهم الحياة، ففي صفحات الكتب حفظ الإنسان تجاربه وأفكاره وتناقلتها الأجيال، ولهذا بقي الكتاب حاضراً في حياة الإنسان رغم تغيُّر وسائل المعرفة وتعدُّد مصادرها.
وفي الحياة التعليمية يحتلُّ الكتاب مكانة أكثر خصوصية، فالكتاب بالنسبة للطالب مصدر ثابت للمعلومات، يعود إليه عندما يحتاج إلى تثبيت ما تعلَّمه أو اكتشاف ما لم يفهمه. ومن خلال الكتاب يستطيع أن يتعلَّم بعيداً عن وجود المعلِّم، وأن يحاول الوصول إلى الإجابة بنفسه، وأن يكرِّر الدرس بالقدر الذي يحتاج إليه. وهنا تبرز قضية تستحق النقاش وهي الكتب المدرسية المعاد استخدامها في سوريا في مرحلة التعليم المجاني، ونتساءل: هل يكفي أن يصل الكتاب إلى يد الطالب حتى نقول إنَّ حقَّه في الكتاب قد تحقَّق؟ أم أنَّ حقَّه الحقيقي يبدأ عندما يكون الكتاب صالحاً للقراءة والتعلُّم، ويساعده على بناء المعرفة والاعتماد على نفسه؟
يصبح الطالب أمام مشكلة لم يصنعها بنفسه، فهو مطالب بفهم الدرس والاستعداد للامتحان، لكنَّه لا يمتلك المادة التعليمية كاملة..
إنَّ تلف الكتاب المدرسي مسألة بسيطة إذا نظرنا إليها من زاوية مادية، فصفحة ممزَّقة أو غلاف مهترئ يمكن إصلاحهما في كثير من الأحيان. لكنَّ القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في قدرته على أداء وظيفته التعليمية. وعندما يفقد الكتاب جزءاً من محتواه، يصبح النقص في الورق نقصاً في المعرفة المتاحة أمام الطالب. إذ قد يحتاج الطالب إلى معلومة موجودة في صفحات مفقودة، أو إلى مثال ورد في جزء من الدرس لم يعد موجوداً، أو إلى تدريبات تساعده على تثبيت فهمه. وعندما يجد نفسه أمام كتاب ناقص، يبدأ بالبحث عن البديل، فيستعير كتاباً من زميل، أو يطلب تصوير الصفحات، أو ينتظر حتى يجد نسخة أخرى. وقد لا يستطيع الوصول إلى البديل بسهولة، خاصة عندما تكون إمكانات الأسرة محدودة أو تكون مصادر التعلُّم الأخرى غير متاحة.
في هذه الحالة، يصبح الطالب أمام مشكلة لم يصنعها بنفسه، فهو مطالب بفهم الدرس والاستعداد للامتحان، لكنَّه لا يمتلك المادة التعليمية كاملة، وقد يشعر مع مرور الوقت أنَّ الدراسة تحتاج إلى جهد إضافي لا يتعلَّق بالفهم، وإنَّما بتأمين الوسيلة التي تمكِّنه من الفهم. وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم في التربية، هو تكافؤ الفرص التعليمية. فالمساواة بين الطلاب تتطلَّب أن يحصلوا على أدوات تعلُّم تسمح لهم بالاستفادة من المنهج، وعندما يحصل أحد الطلاب على كتاب كامل، في حين يحصل زميله على كتاب ناقص، فإنَّ الفارق بينهما لا يعود إلى قدراتهما أو اجتهادهما، وإنَّما إلى الوسيلة التي وضعت بين أيديهما.
كما أنَّ للكتاب حضوراً نفسياً في حياة الطالب، فالكتاب المرتَّب والكامل يعطي انطباعاً بالاهتمام والتنظيم، بالإضافة إلى أنَّه يشجع الطالب على فتحه والعودة إليه. أمَّا الكتاب شديد التلف، فقد يترك لديه شعوراً معاكساً، خاصة عندما يتكرَّر الأمر مع أكثر من مادة. ولا يعني ذلك أنَّ الطالب سيترك الدراسة لمجرَّد أنَّ كتابه مستعمل أو قديم، فالأمر يرتبط بشخصية الطالب وظروفه وبيئته التعليمية، غير أنَّ تراكم الصعوبات الصغيرة قد يؤثِّر في الدافعية، فالطالب الذي يجد صعوبة في قراءة صفحة، ثمَّ يبحث عن صفحة أخرى مفقودة، ثمَّ يكتشف أنَّ التدريبات محلولة، قد يفقد شيئاً من علاقته الطبيعية بالكتاب. والدافعية عنصر أساسي في التعلُّم؛ لأنَّ الطالب يحتاج إلى الشعور بأنَّ جهده يؤدِّي إلى نتيجة، وأنَّ الأدوات التي يستخدمها تساعده على الوصول إلى هدفه، وحين تصبح الأداة نفسها مصدراً متكرراً للعقبات، يمكن أن تتراجع رغبته في استخدامها.
ولعلَّ مشكلة الكتاب المحلول من أكثر المشكلات عمقاً في الكتب المعاد استخدامها، فالكتاب الذي ينتقل إلى طالب جديد وقد امتلأت صفحاته بالحلول والإجابات قد يبدو مفيداً للطالب في البداية؛ لأنَّه يوفِّر عليه الوقت والجهد، لكنَّ ما يوفِّره في اللحظة نفسها قد يسلبه فرصة مهمة للتعلُّم، فالتعلُّم الفعَّال يكمن في المحاولة والبحث والتجريب، ففي محاولة حلِّ المسألة يتذكَّر الطالب القاعدة، ويقارن المعلومات، ويجرِّب، ويخطئ، ثمَّ يراجع خطأه، وهذه الخطوات تصنع الفهم وتبني الثقة بالقدرة الشخصية. أمَّا عندما يجد الطالب الإجابة مكتوبة أمامه، فقد ينتقل من مرحلة التفكير إلى مرحلة النقل، ومع تكرار ذلك، يمكن أن تتشكَّل عادة دراسية تقوم على انتظار الحلِّ بدلاً من البحث عنه، ثمَّ تتسع الدائرة ليصبح الاعتماد على الآخرين أمراً مألوفاً.
أنَّ الغاية ليست في أن يحمل كلُّ طالب كتاباً. الغاية أن يكون لكلِّ طالب كتاب صالح للتعلُّم؛ كتاب كامل المحتوى، واضح الصفحات، خالياً من العوائق التي تمنعه من التفكير والمحاولة.
لا تحتاج المشكلة إلى إلغاء فكرة إعادة استخدام الكتب، على العكس، يمكن لهذه الممارسة أن تحمل قيمة تربوية جميلة إذا تمَّ تنظيمها. فالكتاب الذي يحافظ عليه طالب يمكن أن ينتقل إلى طالب آخر، وهذا يعلِّم الطالب معنى المسؤولية تجاه شخص قد لا يعرفه، ويجعله يدرك أنَّ ما يملكه اليوم قد يكون حقاً لشخص آخر في المستقبل. لكن هذه الثقافة تحتاج إلى مشاركة المدرسة والأسرة والطالب. فالطالب يحتاج إلى أن يعرف لماذا يجب أن يحافظ على كتابه، والأسرة تستطيع تعزيز هذا السلوك في المنزل، والمعلِّم يستطيع أن يجعل المحافظة على الكتاب جزءاً من التربية اليومية، والمدرسة تستطيع أن تفحص الكتب قبل إعادة توزيعها.
Loading ads...
قد تكون قضية الكتاب المدرسي فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالكتاب عموماً. فإذا أردنا أن نربي جيلاً يحترم المعرفة، فمن الطبيعي أن نعلِّمه احترام الكتاب الذي يحمل هذه المعرفة، وإذا أردنا طالباً يعتمد على نفسه، فعلينا أن نوفِّر له الأدوات التي تمنحه فرصة المحاولة، وإذا أردنا تعليماً عادلاً، فعلينا أن نضمن أنَّ الوسيلة الأساسية التي يستخدمها الطالب متاحة له بحالة مناسبة. فالغاية ليست أن يكون لكلِّ طالب كتاب جديد، كما أنَّ الغاية ليست في أن يحمل كلُّ طالب كتاباً. الغاية أن يكون لكلِّ طالب كتاب صالح للتعلُّم؛ كتاب كامل المحتوى، واضح الصفحات، خالياً من العوائق التي تمنعه من التفكير والمحاولة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




