3 أشهر
تفكيك بلا رقابة.. كيف تحوّل سوق السيارات القديمة في سوريا إلى اقتصاد ظل؟
الثلاثاء، 27 يناير 2026
على أطراف ريف دمشق، وفي مناطق صناعية بعيدة عن الأعين، تصطف هياكل سيارات بلا لوحات تسجيل، بلا زجاج، وبلا أي أثر قانوني يدل على هويتها السابقة، سيارات كانت يومًا وسيلة تنقّل، تحوّلت إلى هياكل معدنية مفككة.
في هذه الساحات، لا يُطرح سؤال عن مصدر السيارة، ولا عن أوراقها، ولا عن مصيرها قبل أن تصل إلى هذه الحالة، السؤال الوحيد الذي يحدد قيمتها هو: "كم قطعة يمكن استخراجها؟ وكم يمكن أن تدرّ من أرباح؟"
مع رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا وفتح باب استيراد السيارات الحديثة، وما رافق ذلك من كساد واسع في سوق السيارات القديمة، برزت سوق تفكيك السيارات بوصفها واحدة من أكثر أنشطة اقتصاد الظل ربحًا وانتشارًا، سوق تعمل خارج أي إطار رقابي فعلي، وتحقق مكاسب ضخمة لشبكات داخلية منظمة، في حين تتراكم خسائرها على الاقتصاد.
من إعلان بسيط إلى شبكة تفكيك
غالبًا ما تبدأ رحلة التفكيك بإعلان عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لافتة صغيرة أمام مكتب متواضع لبيع السيارات: "شراء سيارات قديمة - متوقفة - مهما كانت حالتها".
خلف هذه الإعلانات يقف سماسرة يعملون ضمن حلقة أولى داخل منظومة أوسع، تبدأ بشراء السيارة وتنتهي في ورشات التفكيك.
تواصل موقع تلفزيون سوريا مع أحد السماسرة الذي يملك مكتبًا صغيرًا لبيع السيارات في بلدة المعضمية بريف دمشق، والذي عرض مبلغًا ماليًا يبدو مقبولًا مقابل سيارة متوقفة، دون أن يسأل عن بطاقة ملكيتها أو أوراقها.
يقول السمسار: "أوراق السيارة لا تهم في هذا النوع من الشراء، الوضع القانوني لا يحدد السعر، إنما كمية القطع القابلة للبيع".
ويضيف: "نحن نشتريها على الهيكل، وما يخرج منها يتوزع".
بحسب السمسار، تُنقل السيارة بعد إتمام الصفقة مباشرة عبر سطحات خاصة إلى ورشات تفكيك منتشرة في أطراف دمشق وريفها، بعضها داخل مناطق صناعية معروفة، وأخرى في ورش ميكانيك.
تفكيك سريع.. وسوق بلا أسئلة
في ورشات التفكيك، لا تُسجّل أرقام الهياكل، ولا تُوثّق القطع الخارجة، ولا يوجد أي حضور فعلي لجهة رقابية.
ويشرح السمسار أن القطع تُباع مباشرة لتجار آخرين أو تُنقل إلى أسواق معروفة لبيع "القطع المستعملة"، حيث تختلط قطع سيارات مسروقة أو مجهولة المصدر مع سيارات متوقفة بشكل قانوني.
ويؤكد أن الطلب على هذه القطع "مرتفع جدًا"، خصوصًا مع ارتفاع أسعار قطع الغيار وندرتها، ما يجعل السوق المستعملة خيارًا شبه إجباري لآلاف السائقين.
"الزبون لا يسأل من أين جاءت القطعة، المهم أن تعمل وأن تكون أرخص"، يقول السمسار.
شبكة أرباح متعددة الحلقات
لا تقف الأرباح عند السمسار أو ورشة التفكيك، فكل قطعة تُباع تمر عبر سلسلة وسطاء: تاجر قطع، صاحب محل، وربما ورشة صيانة، في حين يبقى الأصل "السيارة نفسها" خارج أي سجل.
وبحسب تقديرات غير رسمية لتجار في السوق، حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، فإن سيارة واحدة يُشترى هيكلها بمبلغ يتراوح بين 1,500 و3,000 دولار، بحسب نوعها وحالتها، يمكن أن تدر بعد تفكيكها إيرادات إجمالية تتجاوز 4,000 إلى 6,000 دولار.
محرك صالح للبيع وحده قد يعادل ثمن السيارة كاملة، في حين تشكّل القطع الإلكترونية (الكمبيوتر، الحساسات، شاشات التحكم) مصدر ربح إضافي عالي القيمة، إلى جانب الهيكل المعدني الذي يُباع بالكيلو لإعادة الصهر.
عامل سابق في إحدى هذه الورش يصف العملية لموقع تلفزيون سوريا قائلًا: "لم تكن السيارة تبقى في الورشة أكثر من ساعات، كل قطعة لها زبون معروف مسبقًا، أحيانًا نكون قد بعنا القطع قبل أن تصل السيارة، وأحيانًا نفكك أكثر من سيارة في يوم واحد".
ويضيف أن أرباح سيارة واحدة قد تعادل ثمن سيارتين في السوق المتداولة، خصوصًا إذا كانت من طراز مرغوب أو حديث نسبيًا.
وفق شهادة العامل السابق، تُوزّع الأرباح داخل منظومة التفكيك وفق آلية شبه ثابتة:
السمسار يحصل على هامش ربح سريع مقابل تأمين السيارة، يتراوح بين 5 و10 بالمئة من قيمة التفكيك الإجمالية.
صاحب ورشة التفكيك يستحوذ على الحصة الأكبر، لامتلاكه المكان والعمال والأدوات، وغالبًا ما يبيع القطع الأساسية مباشرة لتجار جملة متعاقدين معه مسبقًا.
عمال التفكيك يتقاضون أجورًا يومية منخفضة مقارنة بحجم الأرباح، دون أي ضمانات أو عقود.
تاجر الجملة يرفع السعر عند إعادة البيع لمحال المفرق بنسبة قد تصل إلى 30 أو 40 بالمئة.
قطع مستعملة.. خيار إجباري
مع ارتفاع أسعار قطع تبديل السيارات وصيانتها، باتت القطع المستعملة الخيار شبه الوحيد لغالبية السوريين، فالقطع الجديدة إما نادرة أو تُباع بأسعار تفوق القدرة الشرائية لشرائح واسعة.
يقول "مصطفى عزام"، صاحب محل لبيع قطع السيارات: "الزبون يعرف أن القطعة مستعملة، لكنه لا يملك خيارًا آخر. القطعة الجديدة إن وُجدت، سعرها خيالي. محرك مستعمل اليوم قد يساوي راتب موظف لعدة أشهر".
ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "رغم أن سوق التفكيك تبدو ظاهريًا متنفسًا للبعض، فإن المستفيد الحقيقي منها هي الشبكات القادرة على التحكم بتدفق السيارات والقطع".
ويتابع: "إذا لم يكن صاحب محل قطع السيارات جزءًا من شبكة، لن يحصل على القطع الجيدة، وتُعرض عليك القطع الرديئة فقط وبسعر مرتفع".
اقتصاد الظل ينعكس على تنظيم قطاع النقل
خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، يرى أحمد مرهج، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن توسّع سوق تفكيك السيارات القديمة في سوريا يشكّل أحد تجليات اتساع اقتصاد الظل في البلاد، بما يحمله من آثار سلبية مباشرة على البنية الاقتصادية ككل.
وبحسب مرهج، يحوّل هذا النشاط آلاف السيارات من أصول قابلة للاستخدام أو الإصلاح إلى مواد مفككة تُباع على شكل قطع، ما يعني تآكل رأس المال المادي بدل إعادة تدويره ضمن دورة إنتاجية أو خدمية منتظمة.
ويضيف أن تفكيك السيارات بهذا الشكل يسهم في تقليص حجم الأصول المسجلة في الاقتصاد، ويضعف أي قدرة مستقبلية على تنظيم قطاع النقل أو التخطيط له.
ويشير إلى أن السوق تعمل خارج أي إطار ضريبي أو رقابي، ما يحرم الخزينة العامة من إيرادات ضريبية كبيرة محتملة، سواء من عمليات البيع أو من ورش التفكيك نفسها أو من تجارة قطع الغيار، في وقت تعاني فيه المالية العامة من عجز.
كما يلفت إلى أن ضخ قطع سيارات مجهولة المصدر في السوق يؤدي إلى تشويه آليات التسعير، حيث تُفرض الأسعار وفق منطق الندرة والاحتكار وليس وفق تكاليف حقيقية، ما يرفع كلفة الصيانة على الأفراد ويزيد الضغوط المعيشية، خصوصًا على أصحاب المهن المرتبطة بالسيارات والنقل.
ويرى مرهج أن هذا النمط من النشاط يعزز ما يُعرف بـ"اقتصاد التفكيك"، وهو اقتصاد يعتمد على استنزاف الموجودات بدل خلق قيمة مضافة، ويزدهر عادة في البيئات الخارجة من النزاعات، حيث تغيب القواعد التنظيمية وتتقدم شبكات المصالح على حساب المؤسسات.
ويحذّر من أن استمرار هذا السوق من دون تنظيم قد يؤدي على المدى المتوسط إلى:
ترسيخ شبكات احتكارية تتحكّم بتدفق السيارات وقطع الغيار.
توسيع فجوة عدم المساواة بين من يملك القدرة على الوصول إلى هذه الشبكات ومن هم خارجها.
زيادة المخاطر المرتبطة بسرقة السيارات أو الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية.
Loading ads...
إضعاف أي محاولة مستقبلية لإعادة تنظيم سوق السيارات أو إدخال إصلاحات ضريبية فعّالة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




