قد يبدو الوزن الطبيعي علامة مطمئنة على سلامة الصحة، لكن الميزان لا يكشف دائما ما يجري داخل الجسم. فبعض الأشخاص الذين تبدو أوزانهم مثالية قد يحملون كميات مرتفعة من الدهون العميقة حول الأحشاء، أو يعانون مقاومة الإنسولين واضطرابات في استقلاب الدهون، وهي عوامل قد تقود إلى تراكم الدهون في الكبد رغم غياب السمنة.
وبحسب الإرشادات الأوروبية الحديثة، يُعرَف المرض حاليا باسم مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض (MASLD) عندما يوجد تراكم للدهون في الكبد إلى جانب عامل واحد أو أكثر من عوامل الخطر القلبية الأيضية، وهو المصطلح الذي حل محل "مرض الكبد الدهني غير الكحولي (NAFLD)" في التصنيف الحديث.
والمفارقة أن المرض لا يقتصر على أصحاب الوزن الزائد أو المصابين بالسمنة، بل يمكن أن يظهر أيضا لدى أشخاص يتمتعون بوزن طبيعي.
تقول اختصاصية الغدد والسكري والبدانة بمستشفى ومركز بلفو الطبي في بيروت، ماري نويل كلاس الشمالي، إن الكبد الدهني لدى النحفاء يمثل نحو 10 إلى 20% من الحالات، موضحة أن المشكلة لا تتعلق بالوزن وحده بقدر ارتباطها بمكان تراكم الدهون وكفاءة عمليات الأيض في الجسم.
وأضافت الدكتورة ماري، للجزيرة نت، أن في مقدمة المعرضين للخطر أشخاصا يتمتعون بوزن طبيعي، لكن محيط الخصر لديهم مرتفع، وهو ما قد يشير إلى تراكم الدهون الحشوية حول الأعضاء الداخلية.
ويرتفع الخطر كذلك، بحسب الدكتورة ماري، لدى المصابين بمقاومة الإنسولين أو مرحلة ما قبل السكري، ومن لديهم ارتفاع في الدهون الثلاثية مع انخفاض الكوليسترول الجيد، وكذلك المصابات بمتلازمة تكيس المبايض.
كما تشمل عوامل الخطر قصور الغدة الدرقية غير المضبوط، ونقص الكتلة العضلية، خصوصا لدى كبار السن، إلى جانب الاستعداد الوراثي لدى بعض الأشخاص، ومنه متغيرات في جين PNPLA3، فضلا عن الإفراط في تناول السكريات والمشروبات المحلاة والأغذية فائقة التصنيع.
وتقدر مراجعة خبراء للجمعية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي، ونُشِرت في دورية "غاستروإنترولوجي" (Gastroenterology)، أن ما بين 7 و20% من المصابين بالكبد الدهني غير الكحولي من أصحاب البنية النحيفة، وأوصت بتقييم السكري من النوع الثاني واضطرابات الدهون وضغط الدم لدى هذه الفئة.
توضح الدكتورة ماري أن قياس محيط الخصر قد يقدم معلومة لا يستطيع الوزن وحده كشفها، ويمكن الاستعانة بقاعدة عملية بسيطة تقوم على محاولة إبقاء محيط الخصر أقل من نصف طول الشخص.
وتتفق هذه القاعدة مع توصيات المعهد الوطني البريطاني للتميز في الصحة والرعاية (NICE)، الذي يعتبر نسبة محيط الخصر إلى الطول بين 0.5 و0.59 مؤشرا على زيادة الدهون المركزية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بها، بينما ترتفع المخاطر بدرجة أكبر عند بلوغ النسبة 0.6 أو أكثر.
وتنصح الدكتورة ماري بالتفكير في تقييم الكبد عند وجود السكري أو مرحلة ما قبل السكري، أو ارتفاع متكرر في إنزيمات الكبد، أو اكتشاف تشحم الكبد مصادفة أثناء التصوير، إضافة إلى ارتفاع محيط الخصر أو وجود تاريخ عائلي للسكري أو تشمع الكبد.
لكن ذلك لا يعني أن كل شخص نحيف يحتاج إلى فحص للكبد الدهني، إذ لا توصي الجمعية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي بالفحص الروتيني لجميع النحفاء، وإنما بالتركيز على عوامل الخطر والاضطرابات الأيضية، ثم تقييم احتمالات التليف لدى من يثبت لديهم المرض.
توضح الدكتورة ماري أن تقييم الحالة لا يتوقف عند قياس إنزيمات الكبد، بل يبدأ كذلك باستبعاد الأسباب الأخرى المحتملة لتراكم الدهون أو إصابة الكبد وفقا للتاريخ المرضي، بما في ذلك استهلاك الكحول والتهابات الكبد الفيروسية وبعض أمراض المناعة والأدوية.
وقد يشمل التقييم الأيضي قياس سكر الدم الصائم والسكر التراكمي وصورة الدهون ووظائف الغدة الدرقية، بينما قد يحتاج بعض المرضى إلى اختبار تحمل الغلوكوز الفموي أو تقييم مقاومة الإنسولين وفقا لحالتهم.
كما تشدد على أهمية قياس محيط الخصر وتقييم تركيب الجسم لمعرفة نسبة الدهون الحشوية والكتلة العضلية.
لكن الخطوة الأهم بعد اكتشاف الدهون في الكبد هي تحديد مدى احتمال وجود تليف، إذ توصي الإرشادات الأوروبية لعام 2024 باتباع مسار تدريجي يبدأ بمؤشرات دموية غير جراحية مثل FIB-4، ثم اللجوء إلى تقنيات قياس مرونة الكبد إذا استدعت النتائج ذلك.
تقول الدكتورة ماري إن علاج الشخص النحيف المصاب بالكبد الدهني لا ينبغي أن يتحول إلى سباق لخفض الرقم على الميزان، لأن الهدف الأساسي هو تحسين تركيب الجسم، عبر تقليل الدهون الحشوية مع الحفاظ على الكتلة العضلية أو زيادتها.
وتوصي بممارسة تمارين المقاومة مرتين إلى 3 مرات أسبوعيا، إلى جانب نحو 150 إلى 200 دقيقة أسبوعيا من النشاط الهوائي، مع الحد من المشروبات المحلاة والأطعمة فائقة التصنيع. كما تنصح باتباع نمط غذائي متوسطي يوفر كمية مناسبة من البروتين للحفاظ على العضلات.
وقد يستفيد بعض المرضى من انخفاض محدود في الوزن بنحو 3 إلى 5%، شرط ألا تأتي هذه الخسارة على حساب العضلات، مع الاهتمام بالنوم ومعالجة انقطاع النفس أثناء النوم إذا كان موجودا.
وتؤكد الإرشادات الأوروبية ضرورة توصية أصحاب الوزن الطبيعي المصابين بمرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض بالغذاء الصحي والنشاط البدني بهدف خفض كمية الدهون في الكبد.
وتشير الإرشادات إلى تجربة استمرت عاما، أدى خلالها خفض الوزن بنسبة تتراوح بين 3 و5% إلى تراجع دهون الكبد إلى مستويات طبيعية لدى نحو نصف المشاركين غير المصابين بالسمنة.
تشدد الدكتورة ماري على أن مقاومة الإنسولين يمكن أن تكون محركا أساسيا للمرض حتى لدى الشخص النحيف، ولذلك فإن ضبط السكري والدهون ومقاومة الإنسولين يمثل جزءا من حماية الكبد، وليس علاجا منفصلا عنه.
وتوضح أن بعض أدوية السكري يمكن أن توفر فوائد أيضية وكبدية لدى مرضى محددين، لكن اختيار العلاج يجب أن يتم بحسب الحالة وتحت إشراف الطبيب، ولا سيما لدى أصحاب الوزن الطبيعي الذين قد لا تكون خسارة الوزن هدفا علاجيا لديهم.
أما أدوية الستاتين المستخدمة لخفض الكوليسترول، فتقول الدكتورة ماري إنها آمنة عموما لدى مرضى الكبد الدهني عندما تكون موصوفة طبيا، محذرة من إيقافها من دون استشارة الطبيب بسبب ارتفاع بسيط في إنزيمات الكبد.
وتؤكد إرشادات الجمعية الأمريكية لدراسة أمراض الكبد أن الستاتينات يمكن استخدامها لدى مرضى الكبد الدهني عند الحاجة إليها للحد من مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
ويتفق الدكتور مصطفى عدوس، طبيب عام في أحد المراكز الطبية في قطر، مع الدكتورة ماري في أن الوزن الطبيعي لا يمثل "صك براءة" من اضطرابات الدهون، إذ قد يصاب بعض النحفاء بالكبد الدهني نتيجة تراكم الدهون العميقة حول الأحشاء، إلى جانب مقاومة الإنسولين واضطراب استقلاب الدهون.
ويضيف للجزيرة نت أن المرض قد يبقى صامتا فترة طويلة بسبب غياب أعراض مبكرة واضحة، وقد يظهر لدى بعض المرضى في صورة إجهاد خفيف، لذلك يُكتشَف في حالات كثيرة مصادفة بعد ارتفاع إنزيمات الكبد أو أثناء إجراء الموجات فوق الصوتية "السونار".
ويوضح أن درجة التليف وتأثر الكبد يمكن تقييمهما حاليا بوسائل غير جراحية، من بينها جهاز فايبروسكان (FibroScan)، الذي يقيس صلابة الكبد ويساعد على تقدير احتمال وجود تليف.
ويؤكد أن الوقاية وتقليل تراكم الدهون يعتمدان بدرجة كبيرة على الحركة والرياضة وخفض السكريات والمشروبات الغازية وتحسين نمط الحياة، حتى عندما يبدو الوزن مثاليا.
ولا ينبغي النظر إلى المرض باعتباره أقل خطورة لمجرد أن صاحبه نحيف، فقد أظهر تحليل تلوي نُشِر عام 2024 في مجلة "أنالز أوف هيباتولوجي" (Annals of Hepatology)، وشمل 14 دراسة ضمت 94 ألفا و181 مصابا بالكبد الدهني، أن 11.3% منهم كانوا من النحفاء.
وبعد فترة متابعة وسطية بلغت 8.4 سنوات، وجد الباحثون أن المصابين النحفاء بالكبد الدهني ارتبط لديهم المرض بزيادة قدرها نحو 1.6 مرة في خطر الوفاة من جميع الأسباب مقارنة بالمصابين غير النحفاء، مع تأكيد الباحثين أن فهم أسباب هذه العلاقة المعقدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات.
لذلك، لا يقدم الميزان وحده صورة كاملة عن صحة الكبد، فقد يكون الوزن طبيعيا بينما تتراكم الدهون في مواضع أكثر خطورة داخل الجسم، لذلك تصبح مؤشرات مثل محيط الخصر ومستويات السكر والدهون والكتلة العضلية والتاريخ العائلي مهمة لكشف خطر قد لا يظهر على الميزان.
Loading ads...
ويمنح اكتشاف المرض مبكرا فرصة للتدخل قبل تطوره، عبر تعديل الغذاء وزيادة النشاط البدني وضبط الاضطرابات الأيضية وتقييم خطر التليف ومتابعته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





