ساعة واحدة
السوريون في مواجهة قرارات الهجرة الأميركية.. مصير معلّق بين القضاء والسياسة
الإثنين، 27 أبريل 2026
"لا يجوز للمحاكم مراجعة قرارات الإدارة الأميركية في ملف الهجرة"، تلك هي الحجة التي ساقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضمن حجج أخرى وجهها للمحكمة العليا الأميركية دفاعاً عن قراره القاضي بإلغاء وضع الحماية بحق آلاف المهاجرين، وماتزال المعركة القانونية بين ترامب والقضاء محتدمة بشأن الهجرة، إذ من المقرر أن تستمع المحكمة العليا، التي يسيطر عليها أغلبية من المحافظين للمرافعات يوم الأربعاء المقبل.
بدأت تلك المعركة في أيلول عام 2025، وذلك عندما أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية إنهاء وضع الحماية بالنسبة للسوريين، ما دفع سبعة منهم للتوجه إلى القضاء في تشرين الأول بحجة عدم مراعاة القرار للأوضاع الإنسانية، وفي تشرين الثاني من العام نفسه، أصدرت القاضية كاثرين فايلا بنيويورك قراراً يقضي بمنع إنهاء الحماية المؤقتة بشكل فوري، وهنا بدأت المعركة القضائية المباشرة، فقد طعنت الحكومة الأميركية بالقرار، غير أن محكمة الاستئناف في نيويورك رفضت إلغاء قرار القاضية، وهذا ما عزز موقف السوريين بشكل مؤقت، مع إبقاء وضعهم معلقاً. لكن الاحتدام وصل إلى ذروته مع وصول القضية للمحكمة العليا في نيسان 2026، عندما دفعت الإدارة الأميركية باتجاه إلغاء دور المحاكم في مراجعة قرارات الهجرة، ما دفع المناصرين لملف الهجرة لاتهام الإدارة بتجاوز الإجراءات القانونية، وهنا تحولت القضية من معركة إدارية إلى نزاع دستوري حول حدود سلطة الرئيس والقضاء في الولايات المتحدة.
في تصريح لرويترز، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيجيل جاكسون، إن "وضع الحماية المؤقتة بحكم تعريفه مؤقت، ولم يكن المقصود منه أبداً أن يكون مساراً للحصول على وضع دائم أو إقامة قانونية، مهما بلغت رغبة المنظمات اليسارية في ذلك"، ما دفع بعض المدافعين عن حقوق المهاجرين إلى اتهام الإدارة الأميركية بأنها لم تتبع الإجراءات القانونية اللازمة لتقييم الأوضاع قبل إلغاء التصنيف.
من جانبها بررت الإدارة الأميركية قرارها عبر القول إن البرنامج أسيء استخدامه وأن كثيراً من المهاجرين لم يعد أي منهم بحاجة للحماية.
ولذلك ستركز مرافعات المحكمة، يوم الأربعاء المقبل، على مدى تقييم الإدارة بشكل سليم للأوضاع في كل من سوريا وهاييتي قبل إنهاء برنامج الحماية المؤقتة، بعد أن تسبب هذا القرار بضرر بالغ على نحو ستة آلاف سوري وسورية و350 ألفاً من حملة الجنسية الهاييتية، فضلاً عن تأثيره الكبير على حياة أعداد هائلة من حملة الجنسية السلفادورية المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات طويلة.
في عام 1990 خرج الكونغرس بوضع الحماية المؤقتة ليمنع ترحيل الناس إلى دول تعاني من كوارث طبيعية أو اضطرابات مدنية، ويسمح لهم بموجبه بالعمل في الولايات المتحدة. وعند وصول ترمب إلى الرئاسة، كان نحو ستة آلاف سوري قد حصلوا على وضع الحماية المؤقتة، وكان الفنزويليون يمثلون أكبر فئة مستفيدة من هذا الوضع، ويأتي بعدهم الهاييتيون فالسلفادوريون.
منح السوريون وضع الحماية المؤقتة لأول مرة في عام 2012 خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بعد نحو عام من اندلاع الثورة السورية التي انتهت بالإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وقد جرى تمديد هذا الوضع عدة مرات خلال السنوات الماضية، فكانت آخر عملية تمديد للعمل بهذا القرار من قبل إدارة بايدن في 30 أيلول عام 2024.
أنهى ترمب وضع الحماية المؤقتة بالنسبة لمليون إنسان من 12 دولة، كان بينها سوريا وجنوبي السودان وفنزويلا وهندوراس ونيكاراغوا وأفغانستان، وذلك من أجل مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للدول، ولحفظ الأمن القومي والقانون والنظام حسب تصريح إدارته، غير أن حاملي الحماية المؤقتة سيواجهون أضراراً جسيمة نتيجة لهذا الإنهاء المفاجئ، كونهم باتوا معرضين لفقدان تصريح عملهم إلى جانب الاعتقال والترحيل، كما يرى المدافعون عن المهاجرين أن المسجلين في برنامج الحماية المؤقتة قد يجبرون على العودة إلى ظروف لا تزال غير آمنة في بلدانهم الأصلية.
في أيلول الماضي، أعلنت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، بأن تصنيف سوريا ضمن برنامج الحماية سينتهي، مشيرة إلى أن الوضع في سوريا "لم يعد يستوفي معايير النزاع المسلح المستمر الذي يشكل تهديداً خطيراً لسلامة المواطنين السوريين العائدين".
وقالت مساعدة وزيرة الأمن الداخلي تريشيا ماكلافلين إن الأوضاع في سوريا تحسنت و"لم تعد تمنع مواطنيها من العودة إلى وطنهم"، وأضافت أن السوريين الذين يحظون بحماية مؤقتة أمامهم 60 يوماً لمغادرة الولايات المتحدة طواعية، وبعد ذلك، سيتم احتجازهم وترحيلهم.
يقول محمد الآغا وهو من أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة: "وفق القانون الأميركي، يجب توفير بدائل قانونية لإقامتهم ومراجعة حالتهم قبل أي ترحيل، وهناك محاولات حصلت لبرنامج الحماية في عدة دول أخرى، وذلك عبر رفع قضايا ضد الحكومة من أجل منع الترحيل".
وتابع: "من الخيارات المتاحة لبعض المستفيدين أنه في حال انتهاء صلاحية حالة الحماية المؤقتة للسوريين، فسيكون لدى المستفيد وضع الهجرة نفسه الذي كان يتمتع به قبل الحصول على وضع الحماية المؤقتة".
وأشار الآغا إلى أنه "يمكن التقدم بطلب للحصول على وضع إقامة آخر إذا كان الشخص مؤهلاً للحصول على الوضع الدائم القانوني (البطاقة الخضراء) عن طريق العمل أو الزواج".
وأضاف: "لا يحق للسوريين الاعتراض على قرار إلغاء الحماية المؤقتة، إلا أنهم يمتلكون حق التقديم على اللجوء وهذا يخضع أيضاً للدراسة وقابل للقبول أو الرفض أو منح الشخص الإقامة الدائمة".
وبيّن الآغا وضع القادمين السوريين الجُدد ممن لم يحصلوا على الإقامة المؤقتة بعد، أو دخلوا بشكل غير شرعي عبر الحدود مع المكسيك، وبأن أمامهم "خيار تقديم اللجوء في كندا لكن بشرط ألا يكونوا قد تقدموا بأي طلب مسبق للسلطات الأميركية وينبغي ألا يكونوا قد تعرضوا للاعتقال لأنهم حينها لن يتمكنوا من الخروج بكفالة بل سيتم ترحيلهم".
وأكّد أن "الحاصل على وضع حالة الحماية المؤقتة بالولايات المتحدة يمكنه الحصول على قبول جامعي في الجامعات الأميركية والحصول على تأشيرة طالب عبر تقديم طلب تعجيل".
وحذر الآغا من السفر خارج الولايات المتحدة خلال فترة البت بهذا القرار قبل تسوية الوضع القانوني؛ وذلك "لأن قواعد الهجرة في هذا البلد باتت متقلبة ولذا من المهم طلب المساعدة القانونية والتعرف على خيارات للبقاء في الولايات المتحدة".
في حين، اعتبر الناشط حازم ريحاوي، التأجيل الذي أصدرته المحكمة خطوة مهمة، لكن المشكلة برأيه ليست في إنهاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين بقدر ما تكمن في تحديات التطبيق على أرض الواقع.
واستفاد السوري عبد الرزاق الحلبي من هذا البرنامج، حيث يعمل ويعيش في ولاية جورجيا، لكنه منذ أن أعلنت إدارة ترمب إنهاء وضع الحماية المؤقتة لسوريا، بات يعيش حالة من القلق أثرت على وضعه الصحي نتيجة للتفكير في مآلات هذا القرار على مستقبله ومستقبل عائلته.
في تشرين الأول من عام 2025، رفع 7 سوريين دعوى قضائية بدعم من منظمات حقوقية ضد وزيرة الأمن الداخلي كريستين نيوم، بهدف الضغط على الحكومة الأميركية، كي تستمر في توفير الحماية وتراخيص العمل لآلاف السوريين لأسباب قانونية وإنسانية.
وبعد أن أمرت محكمة فدرالية بنيويورك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل إنهاء وضع الحماية المؤقتة لـ6 آلاف و100 سوري إثر تلك الدعوى القضائية وذلك لمنع دخول هذه السياسة حيز التنفيذ، تنفس كثير من السوريين الصعداء، على الرغم من أنهم مايزالون يعيشون حالة ترقب بانتظار قرار المحكمة النهائي.
ترى المحامية ميغان هوبتمان من منظمة المشروع الدولي لمساعدة اللاجئين والتي تمثل المدعين في هذه القضية، بأن إنهاء وضع الحماية المؤقتة لسوريا هو جزء من خطة أوسع نطاقاً وضعتها إدارة ترمب لإنهاء هذا الوضع بشكل كامل، ويعود أحد أسباب ذلك إلى التمييز ضد المهاجرين غير البيض وغير الأوروبيين في الولايات المتحدة.
وصرّح المحامي عن السوريين المتضررين أهيلان أرالانانثام بأن نجاح الحكومة في مسعاها يعني قدرتها على إنهاء حماية المهاجرين "لأسباب تعسفية تماماً" من دون أي مراجعة لظروف الدول الأصلية.
وقالت أماندا باران، الرئيسة السابقة لسياسة خدمات المواطنة والهجرة في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إن قرار إنهاء البرنامج "ينهك آلاف السوريين الحاصلين على برنامج الحماية المؤقتة والمجتمعات التي يعيشون فيها"، وأضافت "لا تزال الأوضاع في سوريا خطيرة وغير مستقرة، مما يستدعي بوضوح تمديده بموجب القانون".
كما صرح ديفيد جيه بير، مدير دراسات الهجرة في معهد كاتو، وهو مركز أبحاث ليبرالي يدعم الهجرة القانونية، أن "السوريين لم يشكلوا تاريخياً أي خطر إرهابي كبير، وإن المسؤولين الفدراليين قادرون على حرمان أي فرد من البرنامج إذا اعتقدوا أنه يشكل تهديداً للأمن القومي".
يشار إلى أن وزارة الخارجية الأميركية لا تزال تضع سوريا عند المستوى الرابع لتحذير السفر بسبب الوضع الأمني.
منذ ولاية ترمب الأولى 2017-2021، انخفض عدد اللاجئين السوريين الذين سمح لهم بدخول الولايات المتحدة بشكل قانوني إلى 44 شخصاً وذلك في عام 2018 مقارنة مع 6557 سورياً وسورية في عام 2017.
اللافت أن حملات الترحيل عقب ولاية ترمب الثانية لم تشمل فقط المهاجرين غير القانونيين من أصحاب السوابق كما كان يروج في حملته الانتخابية، بل توسعت لتشمل حاملي التأشيرات القانونية، والمقيمين الدائمين، وحتى مهاجرين ومهاجرات متزوجين من مواطنين ومواطنات أميركيين.
ويعكس النهج الجديد للولايات المتحدة الذي يحظى باهتمام الرأي العام، تحولاً جوهرياً في استراتيجية ترمب للهجرة، إذ يسعى إلى إظهار تقدم في تحقيق وعده الانتخابي بترحيل الملايين، لكنه استهدف فئات جديدة من المهاجرين، خاصةً أولئك المقيمين في الولايات المتحدة بشكل قانوني، فقد وعد ترمب بتنفيذ "أكبر عملية ترحيل" في تاريخ الولايات المتحدة، مستهدفاً جميع المهاجرين الذين دخلوا البلاد من دون تصريح قانوني، وليس فقط مرتكبي الجرائم الخطيرة، لكن تحقيق هذا الوعد يعني ترحيل ما بين 11 إلى 12 مليون شخص، معظمهم مقيمون منذ أكثر من عقد.
من جهته، أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" بالتعاون مع شركة "إبسوس" في شباط 2025، أن هناك تأييداً ساحقاً بين الأميركيين لترحيل المتهمين بارتكاب جرائم عنف، كما تؤيد أغلبية كبيرة ترحيل المتهمين بارتكاب جرائم غير عنيفة. في المقابل، عندما يُسأل الأميركيون عن ترحيل المهاجرين الذين لم يرتكبوا جرائم سوى انتهاك قوانين الهجرة، ودخول البلاد من دون تصريح، يتراجع التأييد لعمليات الترحيل، خاصة إن كانت تلك الفئة من الناس تقيم في الولايات المتحدة منذ أكثر من عشر سنوات.
Loading ads...
وهكذا، يبقى ملف السوريين ضمن برنامج الحماية المؤقتة عالقاً بين قرارات سياسية متغيرة، ومعارك قضائية مستمرة، ومخاوف إنسانية تتعلق بمستقبل آلاف العائلات السورية في الولايات المتحدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




