2 أشهر
بين الوعود وواقع الانهيار.. حقيقة قطاع النفط السوري في ميزان التضارب الحكومي
الخميس، 29 يناير 2026

كشف مسار التصريحات الحكومية الأخيرة حول واقع قطاع النفط والغاز في سوريا عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي السابق والوقائع التقنية التي بدأت تتكشف بعد استعادة الدولة السيطرة المباشرة على الحقول النفطية في الشمال والشرق، في مشهد يعكس تضاربًا في السردية الرسمية بشأن جاهزية البنية التحتية وقدرتها على الإسهام السريع في إنعاش الاقتصاد الوطني.
فبعد التأكيد على أن البلاد تمتلك إنتاجًا نفطيًا كبيرًا جرى “الاستيلاء عليه” من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وأن عائداته كانت تُهدر خارج سيطرة الدولة، أقر الخطاب الرسمي الجديد، عقب تسلم الحقول، بضعف الإنتاج وتهالك المنشآت واعتمادها على وسائل بدائية لا ترقى إلى متطلبات الاستثمار المستدام.
استعادة السيطرة.. ورهان الاقتصاد
هذا التحول في الخطاب ترافق مع مرحلة سياسية وأمنية مفصلية، تمثلت في استعادة الجيش السوري السيطرة على حقول رئيسة كانت تُدار من قبل “قسد”، ضمن اتفاق شامل ذي أبعاد إدارية وسياسية وأمنية، أنهى سنوات من الانقسام في إدارة الموارد الطبيعية.
وتعوّل الحكومة الانتقالية على هذه الخطوة لإعادة توحيد القرار الاقتصادي وتعزيز قدرة الدولة على تلبية الطلب المحلي من النفط والغاز، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحسين العائدات العامة في ظل أزمة مالية خانقة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع دخول سوريا مرحلة جديدة من إدارة مواردها الطبيعية، معتبرًا أن استعادة السيطرة على آبار النفط والغاز تمثل حجر الأساس في بناء دولة مستقرة وقادرة على التعافي الاقتصادي.
رسائل للداخل والخارج
غير أن هذا الإعلان، الذي حمل في طياته وعودًا كبرى، اصطدم سريعًا بتصريحات فنية صادرة عن وزارة الطاقة، كشفت عن حجم التحديات المتراكمة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مدى واقعية الرهانات الحكومية على النفط بوصفه رافعة سريعة للخزينة العامة.
الشرع، وفي معرض حديثه عن اتفاق الاندماج مع القوى المحلية في شرق البلاد مطلع العام، أكد أن موارد الطاقة “عادت رسميًا إلى خزينة الدولة”، وأن مرحلة الإدارة المجزأة للثروات قد انتهت.
وأشار إلى أن دخول مؤسسات الدولة إلى دير الزور والحسكة والرقة يعني بالضرورة عودة النفط والغاز ليكونا ملكًا لجميع السوريين وتحت إدارة مركزية واحدة، في رسالة موجهة إلى الداخل لطمأنة الرأي العام، وإلى الخارج للتأكيد على وحدة القرار السيادي.
كما لم يُخفِ الرئيس توجهه نحو إعادة صياغة العلاقات الطاقوية لسوريا مع الغرب، موجهًا دعوة صريحة للشركات الأميركية والأوروبية للاستثمار في الحقول السورية، وربط ذلك بإمكانية فتح صفحة جديدة تنهي حقبة العقوبات وتدشن مسار إعادة الإعمار.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
الواقع الفني يفرض شروطه
غير أن هذه اللغة السياسية التفاؤلية قابلتها مقاربة أكثر حذرًا من قبل وزارة الطاقة، إذ أكد مدير الاتصال الحكومي والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، أحمد السليمان، أن واقع قطاع النفط والطاقة الكهرومائية في سوريا يعاني من تحديات تقنية وبنيوية عميقة، تراكمت على مدى سنوات من الإهمال والصراع، ما يجعل أي حديث عن استعادة سريعة لمستويات الإنتاج السابقة أقرب إلى التقديرات غير الواقعية.
وأوضح أن البلاد بحاجة إلى مقاربة تدريجية تبدأ بتقييم شامل للمنشآت والحقول، قبل الانتقال إلى مراحل إعادة التأهيل والاستثمار، وفق ما نقل عنه موقع “سوريا 24”.
وأشار السليمان إلى أن الحقول النفطية في مناطق الجزيرة السورية تحتاج إلى أعمال صيانة ضخمة، وإلى إعادة دراسات فنية وجيولوجية دقيقة لتحديد طاقتها الإنتاجية الحقيقية.
وبيّن أن الاستفادة الفعلية من هذه الآبار قد تستغرق ما بين عامين وثلاثة أعوام، حتى في حال توافر التمويل والخبرات، لافتًا إلى أن الاعتماد على الأساليب البدائية الحالية لا يمكن أن يشكل حلًا دائمًا أو بديلاً عن التطوير الشامل، في ظل بنية تحتية متهالكة تعرضت لأضرار جسيمة.
فجوة بين الحاجة والإنتاج
أضاف السليمان أن جزءًا من الحقول لا يزال مغلقًا، فيما توجد حقول أخرى لم تُستكشف بعد، ما يعقّد مشهد الطاقة ويجعل من الضروري اعتماد خطة طويلة الأمد لإعادة المسح والتقييم.
وفي ما يخص حجم الإنتاج، أقر السليمان بأن سوريا تحتاج في الظروف الطبيعية إلى نحو 200 ألف برميل نفط يوميًا، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي 80 ألف برميل، وهو رقم وصفه بغير الدقيق بشكل نهائي في ظل نقص البيانات الموثوقة، ما يعكس فجوة واسعة بين الاحتياجات والإمكانات المتاحة.
التباين ذاته ينسحب على قطاع الطاقة الكهربائية، ولا سيما وضع سد الفرات، الذي يُعد أحد أهم المنشآت الاستراتيجية في البلاد، فقد أوضح السليمان أن كل عنفة من عنفاته تحتاج إلى ملايين الدولارات لإعادة الصيانة، في ظل أعطال متراكمة وانخفاض كبير في الكفاءة التشغيلية.
وبيّن أن السد يضم ثماني عنفات، تعمل منها أربع فقط، فيما لا تولد الكهرباء فعليًا سوى عنفتين، بسبب انخفاض منسوب المياه وتعطل بقية الوحدات، مشيرًا إلى أن السد قادر نظريًا على توليد نحو 800 ميغاواط، إلا أن إنتاجه الحالي لا يتجاوز 100 إلى 110 ميغاواط، ما يكشف حجم التدهور الذي طال هذا المرفق الحيوي.
التقييم أولًا.. ثم الاستثمار
في محاولة لسد الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع الفني، أكد السليمان أن الوزارة بصدد إجراء تقييم شامل لكافة منشآت الطاقة، تمهيدًا لوضع تصورات دقيقة لإعادة التأهيل والصيانة.
وكشف أن بعض المنشآت التي تتطلب استثمارات ضخمة ستُعرض على مستثمرين سوريين أو أجانب ضمن أطر تنظيمية وقانونية محددة، في خطوة تعكس توجه الحكومة نحو إشراك القطاع الخاص في إعادة بناء قطاع الطاقة.
Loading ads...
هذا التناقض بين خطاب “الاستثمار السريع” الذي تروج له القيادة السياسية، وخطاب “الإنعاش البطيء” الذي تتبناه المؤسسات الفنية، يسلط الضوء على حالة التضارب الحكومي بشأن واقع حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية، كما يكشف الادعاءات التي كان يتم التسويق لها بشأن نهب قوات سوريا الديمقراطية الثروة النفطية بالمنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




