ليس رفع أسعار المحروقات مجرد قرار اقتصادي عابر، ولا ينبغي اختزاله في جدل حول سعر ليتر البنزين أو المازوت. إنه في جوهره، اختبار لطريقة إدارة الدولة، ولقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة في بلد شحيح الموارد، مثقل بالأزمات، ويعيش مواطنوه تحت ضغط اقتصادي واجتماعي هائل.
قد تكون الحكومة السورية محقة في جزء كبير من تبريراتها. فالإنتاج المحلي من النفط والغاز لا يغطي الاحتياجات، والاعتماد على الاستيراد مرتفع، وتكاليف النقل والتأمين والطاقة ارتفعت، كما أن دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة يزيد الحاجة إلى استيراد المشتقات مؤقتاً. هذه حقائق لا يمكن تجاهلها.
لكن فهم الضرورة الاقتصادية لا يعني التسليم بطريقة إدارة القرار.
نحن بحاجة إلى حكومة تعمل كفريق واحد، لا إلى وزارات يتحرك كل منها في مسار منفصل. نحتاج إلى رئيس حكومة فعلي ينسق بين الوزراء، ويحوّل الرؤية السياسية العامة إلى برنامج حكومي محدد: أولويات، أهداف، جداول زمنية، ومؤشرات أداء يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.
رفع أسعار المازوت والبنزين لا يتوقف أثره عند محطات الوقود. فالمازوت يدخل في النقل والإنتاج والخدمات والتدفئة، والنقل يدخل تقريباً في تكوين سعر كل سلعة تصل إلى المواطن. لذلك فإن أي زيادة كبيرة في أسعار المحروقات تتحول سريعاً إلى زيادة في كلفة المعيشة، وتضغط بصورة أكبر على أصحاب الدخل المحدود وذوي الدخل الثابت.
لهذا يصبح السؤال الأهم ليس لماذا رفعتم الأسعار؟ بل ماذا فعلتم قبل رفعها؟ وماذا ستفعلون بعد رفعها؟
هل كانت هناك خطة متكاملة لامتصاص آثار القرار على النقل والإنتاج والخبز؟ هل جرى أولاً خفض الهدر وترشيد الإنفاق الحكومي إلى أقصى حد ممكن؟ هل أُعيد ترتيب الإنفاق وفق الأولويات؟ وهل يعرف المواطن ما الذي ستوفره الدولة من نفقات غير ضرورية، بالتوازي مع مطالبته بتحمل أعباء إضافية؟
هنا نصل إلى المشكلة الأعمق. الدولة لا تُدار بالترندات، ولا بالفزعات، ولا بالتصريحات الرنانة. الدولة تُدار بالمؤسسات والخطط وتوزيع واضح للمسؤوليات والمحاسبة.
نحن بحاجة إلى حكومة تعمل كفريق واحد، لا إلى وزارات تتحرك كل منها في مسار منفصل. نحتاج إلى رئيس حكومة فعلي ينسق بين الوزراء، ويحوّل الرؤية السياسية العامة إلى برنامج حكومي محدد: أولويات، أهداف، جداول زمنية، ومؤشرات أداء يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يعرف المواطن: من المسؤول عن القرار؟ ولماذا اتُخذ؟ وما البدائل التي جرى بحثها؟ وما النتائج المتوقعة؟ ومن سيحاسب إذا أخطأت التقديرات؟
هذه ليست ترفاً ديمقراطياً. إنها من أبسط شروط الحكم الرشيد، الذي يقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة والكفاءة وسيادة القانون.
والأخطر من القرار الاقتصادي نفسه هو أن يشعر المواطن أن القرارات الكبرى تُتخذ بعيداً عنه، ثم يُطلب منه فقط تحمل نتائجها.
فالناس لا ترفض الضرورة، ولا تجهل صعوبة المرحلة. لكنهم يريدون رؤية دولة تعرف ماذا تفعل، وإلى أين تتجه، وكيف توزع الأعباء بعدالة. يريدون رؤية أن من يطلب منها التضحية قد بدأ أولاً من داخل مؤسسات الدولة: من الهدر، والامتيازات غير الضرورية، وسوء استخدام الموارد، وضعف الكفاءة.
ومن هنا تبدو المبادرات المطروحة بتجميد قرار رفع أسعار المشتقات النفطية مؤقتاً، وتشكيل لجنة وطنية تضم الجهات الحكومية ومجلس الشعب والخبراء والهيئات الاقتصادية والنقابية وممثلي المجتمع المدني، خطوة في الاتجاه الصحيح إذا كان الهدف هو الوصول إلى قرار أكثر توازناً.
إذا كان المطلوب من المواطن أن يتحمل، فمن حقه أن يرى في المقابل دولة تحسن الإدارة. ففي الدول المنهكة قد يكون نقص الموارد قدراً مؤقتاً، أما سوء إدارتها فليس قدراً. سوء الإدارة خيار بشري، ويمكن تغييره.
الأهم من التجميد نفسه هو فتح نقاش وطني حقيقي حول الخيارات الاقتصادية الصعبة. فالمشاركة ليست عائقاً أمام الدولة، والشفافية لا تضعف السلطة، بل على العكس، تساعدها على اكتساب الثقة وتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول القرارات إلى أزمات اجتماعية.
قد تكون لدى الرئيس الشرع رؤية لما ينبغي أن تكون عليه سوريا بعد سنة أو خمس أو عشر سنوات، وهذا أمر مهم. لكن الرؤية وحدها لا تكفي. إنها تحتاج إلى فريق من المختصين والأكفاء والنزيهين يحولها إلى سياسات قابلة للتنفيذ: ماذا سنفعل؟ كم سيكلف؟ متى سننجزه؟ من المسؤول عنه؟ وكيف نقيس النجاح؟
هذه هي الدولة المأمولة. دولة لا تنتظر الأزمة حتى تتحرك، ولا تشرح القرار بعد اتخاذه، بل تتوقع آثاره مسبقاً وتصارح الناس بها. دولة تخطط، وتنسق، وتشرح، وتستمع، وتحاسب.
Loading ads...
نحن أمام موارد محدودة وأزمات ضخمة، ولذلك لا نملك ترف التجارب ولا المجاملات، ولا ترف تقديم الولاء على الكفاءة والاختصاص.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

