3 أشهر
ما الذي يمكن أن تتعلمه الشركات من الاستراتيجية الوطنية للمياه في السعودية؟
الإثنين، 29 يونيو 2026

ملخص: تمثل الاستراتيجية الوطنية للمياه في المملكة العربية السعودية نموذجاً متقدماً لإدارة ندرة الموارد من خلال حوكمة متكاملة تحول المياه إلى أصل اقتصادي قائم على الكفاءة والاستدامة، من خلال وضع هيكلة مؤسسية واضحة، وإدارة متوازنة بين العرض والطلب، وتوظيف التكنولوجيا والبيانات، وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص. وتبرز أهم الدروس للشركات في ضرورة تحديد أهداف استراتيجية قابلة للقياس، والانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة الأنظمة، وتعزيز المرونة في مواجهة الأزمات من خلال تنويع الإمدادات وبناء احتياطيات ديناميكية، إضافة إلى تبني الإدارة المتكاملة والابتكار في استخدام الموارد غير التقليدية.
تجسد التجربة السعودية في إدارة الموارد المائية إطاراً مؤسسياً متكاملاً يتمثل في الاستراتيجية الوطنية للمياه، إذ تعد نموذج حوكمة متقدم لإدارة الندرة ضمن بيئة شحيحة الموارد. وأصبح قطاع المياه أصلاً اقتصادياً يخضع لمعايير الكفاءة والتخصيص الأمثل، ويتقاطع مع أهداف التنمية والاستدامة بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030.
ينطلق هذا النموذج من هيكلة واضحة للقطاع على مستوى البنية المؤسسية، يرفع كفاءة اتخاذ القرارات، ويبني سوقاً أكثر ديناميكية، يسمح بدخول القطاع الخاص، ويعزز التنافسية، ويخلق حوافز للاستثمار في الكفاءة بدلاً من التوسع الكمي.
وعلى المستوى التشغيلي، اعتمدت الاستراتيجية مقاربة متعددة الأدوات لإدارة الندرة، إذ جرى توسيع قاعدة الإمداد من خلال التحلية وإعادة الاستخدام. كما تعكس التجربة تحولاً نحو الرقمنة باعتبارها سبيلاً للحوكمة، إذ استخدمت البيانات لضبط الكفاءة التشغيلية، والتنبؤ بالطلب، وتقليل الفاقد، ما يعزز قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة الفعلية، كما طورت نماذج تمويل مبتكرة، تمكن من استدامة القطاع مالياً من خلال الشراكات مع القطاع الخاص.
وبالتالي، فإن هذه الاستراتيجية اعتمدت على تحولات رئيسية، يمكن للشركات الاستفادة منها من خلال تبني تحول جوهري من إدارة المورد إلى إدارة الأنظمة برمتها، إضافة إلى بناء حوكمة تفصل بين التخطيط والتنفيذ والرقابة لتعزيز الشفافية والكفاءة، مع التركيز على إدارة الطلب لا مجرد تأمين الإمدادات من خلال تحسين العمليات وتقليل الهدر. كما يتطلب ذلك الاستثمار في البيانات وأنظمة القياس لاتخاذ قرارات دقيقة واستباقية، إلى جانب تطوير شراكات ذكية مع أطراف خارجية لتخفيف الضغط على الموارد. وبهذا النهج، تتحول ندرة الموارد من قيد تشغيلي إلى فرصة لرفع الكفاءة وتعزيز الابتكار والميزة التنافسية.
لا يمكن صياغة أي استراتيجية فعالة دون تحديد أهداف واضحة ومحددة مسبقاً. إذ تمثل الأهداف بوصلة توجه القرارات وتحدد الأولويات وتسهم في تخصيص الموارد بكفاءة. ووجد مقال سابق بعنوان "قوة المواءمة الاستراتيجية" أن التخطيط الاستراتيجي يبدأ بتحديد الاتجاه المستقبلي والأهداف المراد تحقيقها. كما أن تحديد الأهداف منذ البداية يعزز الاتساق بين مختلف الأطراف المعنية، ويحول الاستراتيجية من مجرد تصور نظري إلى إطار عملي يحقق نتائج ملموسة.
من هذا المنطلق، استهدفت الاستراتيجية الوطنية للمياه في السعودية بناء منظومة مائية مستدامة من خلال ضمان إمدادات آمنة في مختلف الظروف، ورفع كفاءة إدارة الطلب على المياه في جميع القطاعات، وتحسين جودة خدمات المياه والصرف الصحي بتكلفة مناسبة، مع حماية الموارد المائية وتعزيز إسهامات القطاع في الاقتصاد الوطني. وتترجم هذه الأهداف إلى مستهدفات واضحة، أبرزها رفع تغطية خدمات المياه إلى نحو 100% في المدن، وزيادة تغطية خدمات الصرف الصحي إلى 75% بحلول عام 2030، وتقليل الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة، وخفض استهلاك القطاع الزراعي الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من الموارد المائية. كما تدعم الاستراتيجية التوسع في تحلية المياه، مع تحسين كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية من خلال نماذج الشراكة، بما يرسخ التحول نحو قطاع أكثر كفاءة واستدامة، وفقاً لتوجهات وزارة البيئة والمياه والزراعة.
تظهر الاستراتيجية الوطنية للمياه أن الندرة يمكن أن تتحول إلى فرصة استثمارية، إذ إن التركيز على تحلية المياه وإعادة استخدامها ورفع كفاءة الشبكات يفتح أسواقاً جديدة أمام الشركات العاملة في تقنيات المياه والطاقة والبنية التحتية. ويمكن للشركات الاستفادة من هذه الاستراتيجية بطريقة تعزز تنافسيتها وفقاً لما يلي:
في ظل الأزمات، لا سيما مع تصاعد وتيرة التوترات في الشرق الأوسط، أخذت إدارة الموارد النادرة منحنى آخر، إذ أصبحت مسألة أمن اقتصادي واستقرار مؤسسي، لما تكشفه الحروب من هشاشة نماذج الأعمال، مع تعرض سلاسل الإمداد للانقطاع، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. لذا، تتطلب إدارة الأزمات وإدارة سلاسل الإمداد تبني نماذج حوكمة قائمة على المرونة والكفاءة معاً.
ويمكن إدارة الموارد النادرة في الأزمات من خلال تنويع مصادر الإمداد جغرافياً وتكنولوجياً لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية، وبناء احتياطيات استراتيجية ديناميكية لامتصاص الصدمات القصيرة المدى. فمثلاً، يمكن للشركات إنشاء مصادر مياه بديلة من تحلية صغيرة أو إعادة استخدام داخلي، بهدف تأمين العمليات عند انقطاع الإمداد الرئيسي.
كما تتطلب إدارة الأزمات مرونة تشغيلية عالية لإعادة تخصيص الموارد سريعاً وفق تغيرات الطلب والقيود، مدعومة بهياكل لا مركزية وبيانات لحظية، مثل استخدام أنظمة ذكية لمراقبة الاستهلاك وإعادة توزيع المياه بين خطوط الإنتاج حسب الأولوية التشغيلية.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، تتضاعف أهمية هذه السبل نظراً لاعتماد العديد من دول المنطقة على موارد محدودة أو مستوردة، مثل الغذاء والمياه والطاقة. ونجد أن بعض دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد على تحلية المياه، ما يجعل البنية التحتية للتحلية عنصراً جوهرياً في الأمن المائي. وبالتالي، تزداد أهمية تحول إدارة الموارد من نموذج الكفاءة في الظروف الطبيعية إلى نموذج الاستمرارية تحت الضغط، ما يتماشى مع مفاهيم الحوكمة التكيفية، التي تؤكد ضرورة تعديل السياسات والعمليات باستمرار وفق تطور المخاطر.
تعتمد الاستراتيجية على نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ما يفتح المجال أمام الشركات لتطوير حلول تكنولوجية تسهم في رفع كفاءة الاستخدام من خلال القطاعات المختلفة، من الصناعة إلى الزراعة. فعلياً يمكن للشركات تطبيق ذلك من خلال تركيب حساسات ذكية لقياس استهلاك المياه في المصانع لحظياً وتقليل الهدر؛ أو إعادة استخدام مياه التبريد في العمليات الصناعية بدلاً من تصريفها؛ أو إدخال تقنيات ري ذكية في الشركات الزراعية تعتمد على البيانات المناخية؛ أو ربط أنظمة التشغيل بمنصات تحليل بيانات لتوقع الطلب المائي وتحسين التخطيط. ويتضمن هذا التوجه ترشيد الاستهلاك وتحسين الإنتاجية وتقليل الفاقد، ما يعزز تنافسية الشركات ويخفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
وتأتي مبادرة شريط شراكات الابتكار المائي لتنطلق من قناعة مفادها أن أكثر الحلول تأثيراً تنشأ عند تقاطع المعرفة الأكاديمية، والقدرات التشغيلية للقطاع الخاص، والتمكين التنظيمي من الجهات الحكومية. ويقع الشريط على ساحل البحر الأحمر بين جدة ورابغ، ويضم 18 عضواً مؤسساً من قطاع المياه، إلى جانب أعضاء استشاريين دوليين من هولندا وبولندا والدنمارك، بما يعزز تبادل الخبرات العالمية وتطوير الحلول الابتكارية.
ويركز الشريط على تسريع انتقال الأفكار الواعدة من المختبرات إلى السوق من خلال دعم مسارات تطوير الملكية الفكرية، وتمكين النماذج التجارية، وتسهيل تبني التقنيات الجديدة على نطاق واسع.
وبالنسبة للشركات، يمكنها الاستفادة من هذه المبادرة من خلال استخلاص بعض الدروس المتمثلة في الدخول في شراكات بحث وتطوير مع مراكز الابتكار لاختبار تقنيات جديدة؛ أو تمويل أو احتضان شركات ناشئة في تقنيات معالجة المياه؛ او المشاركة في منصات تجريب حلول المياه قبل تعميمها تجارياً. كما يمكنها اتباع نهج الإدارة المتكاملة للمرافق، إذ يعد أسلوباً تخطيطياً وإدارياً يعتمد على التعامل مع الموارد والقطاعات المختلفة بطريقة مترابطة، بهدف تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد وتعزيز الكفاءة والاستدامة.
مع تزايد الضغط على الموارد الطبيعية، تعزز الاستراتيجية استخدام مصادر المياه غير التقليدية، مثل تحلية المياه وإعادة استخدام المياه المعالجة. وتطبيقياً، يمكن للشركات الاستثمار في وحدات تحلية متنقلة؛ والدخول في عقود تشغيل لمحطات معالجة متقدمة وصيانتها؛ إضافة إلى تطوير حلول ذكاء اصطناعي للتنبؤ بالأعطال.
من هنا، تظهر فرص كبيرة للشركات المتخصصة في تقنيات التحلية والمعالجة، وكذلك للمستثمرين الراغبين بالدخول في مشاريع البنية التحتية المرتبطة بهذه المجالات، خاصة مع توجه السعودية إلى توسيع الطاقة الإنتاجية وتحسين الكفاءة.
كما تدفع الاستراتيجية نحو تطوير أنظمة متقدمة للرصد والتنبؤ، ما يخلق طلباً متزايداً على حلول التحول الرقمي، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. وبالتالي، فإن الشركات التي تستثمر في هذه المجالات يمكنها تقديم خدمات عالية القيمة، تساعد الجهات الحكومية والصناعية على إدارة الطلب خلال فترات الأزمات، وتقليل المخاطر التشغيلية.
ويعكس هذا النهج أسلوب الإدارة المبتكرة الذي يعتمد على تطوير أساليب عمل جديدة وغير تقليدية داخل المؤسسات، بهدف تحسين الأداء ورفع الكفاءة وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في بيئة الأعمال. ويشمل ذلك استخدام التكنولوجيا، وإعادة تصميم الهياكل التنظيمية، وتشجيع ثقافة الابتكار داخل فرق العمل، واعتماد اتخاذ القرار القائم على البيانات بدلاً من النماذج البيروقراطية التقليدية.
تولي رؤية السعودية 2030 أهمية كبيرة لتطوير مشاريع المياه وتشغيلها، من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويوفر هذا التوجه بيئة جاذبة للاستثمار، ويمنح الشركات فرصاً للدخول في مشاريع طويلة الأجل ذات عوائد مستقرة، مع تقاسم المخاطر وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وتمثل هذه الشراكات أداة رئيسية لسد فجوات التمويل في مشروعات التنمية وتحسين كفاءة الخدمات في الدول المختلفة. كما توفر للشركات فرصاً واسعة للدخول في مشروعات بنية تحتية وخدمات عامة طويلة الأجل، وتعزيز شراكاتها مع الحكومات، وتوسيع نطاق أعمالها في قطاعات حيوية، بما يدعم استقرار الإيرادات ويحفز الابتكار.
Loading ads...
وبهذا، أثبتت الاستراتيجية الوطنية للمياه أن التحديات يمكنها أن تتحول إلى فرصة اقتصادية واستثمارية واعدة، تفتح المجال أمام القطاع الخاص لتطوير حلول مبتكرة. كما يمكن للشراكة بين القطاعين العام والخاص أن تبني منظومات أكثر استدامة ومرونة، وقادرة على تحقيق التوازن بين الأهداف الاستراتيجية والنمو الاقتصادي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





