شهر واحد
العملة الرقمية المقترحة في غزة.. إصلاح مالي أم إعادة تشكيل للسيادة؟
الخميس، 26 فبراير 2026

تدشين عملة رقمية لقطاع غزة ليست خطوة تقنية محايدة، بل تمثل مشروعاً اقتصادياً سياسياً
بعد أيام من تدشين "مجلس السلام" برئاسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تظهر مقترحات جديدة حول غزة، كان أبرزها إنشاء عملة رقمية "مشفرة ومستقرة" بالقطاع، في خطوة وصفت بأنها تهدف إلى تسهيل المعاملات المالية، لكنها في الوقت ذاته أثارت مخاوف من تداعيات تتجاوز البعد التقني إلى أبعاد سيادية وإنسانية عميقة.
ويبحث "مجلس السلام" إمكانية استخدام عملة رقمية في غزة، على أن تكون مرتبطة بالدولار الأمريكي لتفادي التقلبات الحادة التي تميز العملات المشفرة التقليدية.
أخطر ما في المقترح، هو أن العملة الرقمية المقترحة ليست فلسطينية جديدة، بل وسيلة دفع رقمية تتيح لسكان غزة إجراء معاملاتهم إلكترونياً، بعيداً عن أي تدخل رسمي فلسطيني.
وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز"، أن ليران تانكمان، المستثمر في مجال التكنولوجيا والمرتبط بمكتب تنسيق أعمال حكومة الاحتلال الإسرائيلية في المناطق المحتلة، يقود جهود الدفع بالمشروع بصفته مستشاراً متطوعاً في "مجلس السلام".
ويشارك في النقاشات، حسب الصحيفة، مسؤولون من اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إضافة إلى مكتب الممثل السامي برئاسة نيكولاي ملادينوف.
ومن المقرر بحسب ما نقل أن يتولى "مجلس السلام" ولجنة إدارة غزة تحديد الإطار التنظيمي للعملة وآليات الوصول إليها، رغم أنه "لم يتم الانتهاء من أي شيء نهائي".
وأعلن ترامب في 15 يناير الماضي، تأسيس "مجلس السلام"، وهو أحد أربعة هياكل خصصت لإدارة المرحلة الانتقالية بغزة، إضافة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومجلس غزة التنفيذي، وقوة الاستقرار الدولية، بحسب خطة الرئيس الأمريكي.
المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، اعتبر أن تدشين عملة رقمية لغزة ليست خطوة تقنية محايدة، بل تمثل مشروعاً اقتصادياً سياسياً يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي في القطاع.
وقال أبو قمر لـ"الخليج أونلاين": إن "هناك تصورات تطرح ضمن سياق ترتيبات ما بعد الحرب تقوم على إعادة تشكيل قطاع غزة كحيز منزوع السيادة النقدية، عبر تقليص استخدام النقد الورقي والدفع نحو نموذج "اقتصاد رقمي" تتحكم ببنيته التحتية أطراف خارجية تخدم الرؤية الإسرائيلية".
وأضاف أبو قمر أن "إسرائيل" طرحت عدة أفكار خلال فترة حرب الإبادة على غزة لتحقيق ما وصفه بـ"التحكم المالي المطلق"، مشيراً إلى خطة وزير خارجية الاحتلال التي دعت إلى إلغاء النقد في القطاع، إلى جانب محاولات مستمرة لمنع إدخال الأموال النقدية (الكاش)، ما أدى إلى فقدان الثقة بالعملات الورقية، في ظل تغييب واضح للدور الفعلي لسلطة النقد والبنوك.
ويوضح أن تدشين عملة رقمية في هذا السياق يعني نقل النشاط المالي من مساحة الحق في امتلاك المال والتصرف به بحرية، إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني، حيث تصبح كل معاملة قابلة للرصد والتتبع والبرمجة. وأكد أن العملة الرقمية، إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع، يمكن أن تتحول من أداة تسهيل مالي إلى أداة ضبط جماعي.
كما يشير أبو قمر إلى أن "الخطر لا يكمن فقط في القدرة على منع المال، بل في إمكانية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد، أو وسم أفراد بتصنيفات أمنية تؤدي إلى تعطيل وصولهم إلى أموالهم. وقال إن ذلك قد يجعل كل شيء رهن إشارة رقمية قابلة للتعليق، بما يفتح الباب أمام مستويات غير مسبوقة من التحكم.
وبين أن الأبعد من ذلك يتمثل في احتمال إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه كشبكة من الشروط، بحيث تُربط الخدمات الأساسية والمساعدات والرواتب بدرجات الامتثال السياسي أو الأمني. واعتبر أن هذا السيناريو يحول التكنولوجيا المالية من وسيلة تحديث وتطوير إلى بنية تصنيف، تعمّق حالة التبعية الاقتصادية وتؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان.
في مقابل الرواية التقنية التي تقدم المشروع كأداة تسهيلية، حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من أن المحافظ الرقمية قد تتحول إلى جيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة بغزة.
واعتبر المرصد في بيان له، أن المشروع قد يندرج ضمن مخططات تسعى إلى إعادة تشكيل غزة كحيز منزوع السيادة المالية، عبر تجريدها من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى اقتصاد رقمي تتحكم به جهات خارجية متحالفة مع الاحتلال.
وأشار إلى ارتباط اسم تانكمان بمسارات سابقة تتعلق بإدارة المساعدات، معتبراً أن البنية الرقمية المقترحة قد تتيح تحكمًا غير مسبوق في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
ونقل المرصد عن تانكمان قوله في فعالية بواشنطن: "إعادة بناء غزة تتطلب استعادة اتصالها الرقمي والاقتصادي، وعرض تصور لإنشاء عمود فقري رقمي آمن يتيح المدفوعات الإلكترونية والتعليم والخدمات المالية، إلى جانب نظام لوجستي على غرار منصات التجارة العالمية الكبرى، مثل أمازون".
وعدّ المرصد تصريح تانكمان يعني "نقل الاقتصاد من مساحة الحقوق إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني"، معتبراً أن هذا المشروع غطاءً لمرحلة جديدة من "هندسة السيطرة" على الفلسطينيين وتعميق "التبعية الاقتصادية" لإسرائيل.
وأوضح أن تحويل التكنولوجيا المالية إلى أداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، في سياق حصار واحتلال قائمين، ومن دون سيادة فلسطينية على البيانات أو الأنظمة المالية أو شروط التشغيل والاعتراض".
وحذر من أن أي بنية رقمية تفرض تحت الاحتلال أو أي وصاية دولية ومن دون سيادة فلسطينية كاملة على البيانات والأنظمة المالية، ستتحول إلى أداة "تحكم وإخضاع جماعي".
Loading ads...
وأعرب عن مخاوفه من أن تأسيس نظام مالي رقمي خاضع لـ"إسرائيل" سيشكل "أداة ابتزاز شاملة ضد الفلسطينيين، إذ يمكن تجميد المحافظ الرقمية بقرار واحد، أو وسم الأفراد بصفات أمنية مطاطة لتعليق وصولهم إلى أموالهم، دون جهة رقابية مستقلة أو إجراءات واجبة أو وسائل طعن فعالة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




