التصدع مستمر في التحالف الأمريكي الأوروبي الوثيق بسبب سياسات ترامب وأبرز حلفاء واشنطن يتجهون نحو الصين
يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل ممنهج رسم علاقة واشنطن بحلفائها التقليديين على قاعدة "أمريكا أولاً"، لكن بصيغة أكثر حدة، وصلت إلى ذروتها في منتدى دافوس 2026، حيث لم يتردد في التقليل من شأن أوروبا وتحميلها مسؤولية أمنها واقتصادها.
لغة ترامب التي مزجت بين الابتزاز التجاري والتشكيك في التحالفات عمّقت شعور الخيبة الأوروبية، خاصة مع إصرار واشنطن على فرض رسوم جمركية، ورفضها الاستمرار في مظلة الحماية الأمنية دون مقابل مباشر.
في المقابل بدأت عواصم أوروبية كبرى تبحث عن بدائل بعيداً عن واشنطن تحمي مصالحها في عالم يتغير، وكانت الصين المنافس الأكبر للولايات المتحدة الوجهة الأبرز، فهل يقود ترامب بلاده نحو العزلة عن حلفائها، ويسرع الانتقال من نظام القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب؟
زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين في يناير 2026 وهي الأولى من نوعها منذ عام 2018، جاءت في توقيت شديد الحساسية وسط توتر غير مسبوق في مع أمريكا، بعد عقود من التحالف الاستراتيجي الوثيق بينهما.
الزيارة توجت بلقاء مطول مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، حمل دلالات تتجاوز الطابع التجاري، فقد أكد ستارمر أن الصين "قوة جيوسياسية" لا يمكن تجاهلها.
كما أكد سعي بلاده إلى علاقة "أكثر نضجاً واستقراراً" مع بكين، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء الأمنية، كما أسفرت المحادثات عن تسهيلات أكبر لدخول السوق الصينية وخفض رسوم جمركية وتوقيع اتفاقيات استثمار.
هذا التقارب أثار انتقادات حادة من ترامب، الذي وصف المسار البريطاني–الصيني بأنه "بالغ الخطورة"، في إشارة إلى ما اعتبره خروجاً عن الاصطفاف الغربي التقليدي.
لكن بريطانيا ليست وحدها في هذا التوجه، فقد سبقتها كل من كندا وفرنسا إلى فتح قنوات أوسع مع بكين، في ظل توترات تجارية وسياسية مع واشنطن.
إذ صرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني صرح في وقت سابق بضرورة "تنويع الشراكات الاستراتيجية"، وهو موقف ترجم بزيارة رسمية إلى الصين (16 يناير) وتوقيع اتفاقيات اقتصادية، رغم تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية قاسية على أوتاوا.
فيما جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوته إلى استقلالية أوروبية أكبر عن الولايات المتحدة، مؤكداً أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خياراً آمناً، منتقداً في أكثر من مناسبة خلال يناير الجاري سياسة ترامب تجاه حلفاء واشنطن التقليديين.
بدورها أشارت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى أوروبا كمركز ثقل استراتيجي، ما يعكس تحوّلاً أوسع في موازين العلاقات عبر الأطلسي.
التوتر في العلاقات بين الأمريكية الأوروبية تجلى بوضوح خلال منتدى دافوس (19 - 23 يناير 2026)، حيث وجه ترامب انتقادات حادة لأوروبا، مطالباً إياها بتحمل كلفة أمنها كاملة، وساخراً من قدراتها الدفاعية.
هذا الأمر لم يقتصر على الخطاب؛ فمن الرسوم الجمركية على الصلب والسيارات، إلى التلميح بتقليص المظلة الأمنية الأمريكية، وصولاً إلى تصريحاته بشأن رغبته في السيطرة على غرينلاند، تراكمت مؤشرات القطيعة بين ضفتي الأطلسي.
وردّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتأكيد أن أوروبا لن "تنحني لقانون الأقوى"، فيما شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على ضرورة تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد.
ويزداد القلق الأوروبي مع التقارب الملحوظ بين إدارة ترامب وموسكو، في وقت لا تزال فيه الحرب الأوكرانية تلقي بظلالها على أمن القارة.
كما بات مستقبل حلف شمال الأطلسي موضع تساؤل، في ظل تشكيك ترامب المتكرر بجدوى الحلف وإمكانية إعادة النظر في التزامات واشنطن داخله.
ففي "دافوس" أيضاً، حذر رئيس الوزراء الكندي من دخول العالم مرحلة "فوضى استراتيجية"، داعياً إلى شراكات متعددة توازن النفوذ الأمريكي والصيني.
تحليلات غربية عدة ترى أن ما يجري يتجاوز خلافات تجارية أو سياسية عابرة، ليعكس تصدعاً أعمق في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة.
حتى داخل الولايات المتحدة، حذرت مراكز أبحاث وصحف كبرى من أن سياسة الضغط قد تدفع الحلفاء إلى البحث عن بدائل، وكتب الكاتب الأمريكي ديفيد فرنش في "نيويورك تايمز" (23 يناير) أن "التحالف الديمقراطي الذي قادته واشنطن لعقود يواجه تصدعاً غير مسبوق".
وأشار فرنش إلى أن "ما حدث في منتدى دافوس بعث رسالة واضحة للعالم، أن الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين قد تضررت بشكل عميق، وأن النظام الدولي القائم على القواعد في حالة قطيعة".
دور الأيديولوجيا
وبالرغم من تضارب المصالح بين أوروبا والولايات المتحدة منذ بداية الفترة الثانية من حكم ترامب، إلا أن ثمة سبب آخر يتعلق بالأيديولوجيا، وهذا ما ذهب إليه الدكتور لقاء مكي، الباحث أول في مركز الجزيرة للدراسات.
وأشار مكي في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن سياسات ترامب تجاه أوروبا، بدءاً من غرينلاند، وأوكرانيا والناتو والإنفاق العسكري، وأمور أخرى أقل أهمية وذات تأثير، أضعفت التحالف الغربي الوثيق، المتمثل في حلف الناتو، الذي كان يمثل الهيمنة العسكرية.
واستطرد قائلاً:
- حلف "الناتو" الذي كان جزءاً من نظام الهيمنة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أصبح بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عنصر الهيمنة الأول على العالم، بدأ اليوم يتفكك بفعل سياسات إدارة ترامب.
- هناك متغيرات ذات بعد أساسي وجوهري فيما يتعلق بالمستقبل والتحالف الغربي بشكل عام، ومن أسباب ذلك "الأيديولوجيا" وليس المصالح فقط، فلو كانت المصالح سبب الخلاف فإن مصلحة أمريكا مع الغرب.
- الأيديولوجيا اليمينية لترامب تتناقض مع الأيديولوجيا الليبرالية لأوروبا وكندا، ولذلك هناك تباين.
- حتى إن نائب ترامب، جيه دي فانس، في مؤتمر ميونيخ للأمن (فبراير 2025)، دعا مباشرةً وبوضوح لتغليب الأحزاب اليمنيية، وكذلك موقف ترامب، لذلك فالأمر يتعلق بالأيديولوجيا.
- هذا الأمر سيؤدي ليس فقط إلى اختلال القوة والموازين داخل أوروبا والغرب عموماً، ولكن أيضاً مع العالم.
- لذلك رأينا أن رئيس وزراء بريطانيا يذهب إلى الصين للحصول على الدعم المالي، وينتقد الولايات المتحدة، وهذه سابقة تاريخية لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، إذ لم يكن هناك تباين أو اختلاف بهذا الشكل بين البلدين.
- هذا التباين هو أحد تجليات النظام الدولي الجديد، فالأمر لم يعد محصوراً في شرق وغرب، ودول اشتراكية ودول رأسمالية كما كان في فترات معينة، أو دول فقيرة وغنية، بل أصبح الأمر يتعلق بتقاسم النفوذ الدولي.
- أصبح اهتمام الولايات المتحدة، وفق عقيدة أيديولوجية، منصباً على الشطر الغربي من العالم، غرينلاند وأمريكا الجنوبية وكندا، مع عدم الانشغال بأوروبا وأوكرانيا وباقي دول العالم.
Loading ads...
- على أن تتقاسم بقية الدول الكبرى النفوذ خارج الجزء الغربي، روسيا في أوروبا، والصين في آسيا، لذلك فالموضوع سبب ونتيجة في الوقت نفسه، وبالتأكيد آثاره بعيدة المدى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





