5 ساعات
اختلالات عميقة عرّتها "الحرب".. الليرة السورية من بين الأسوأ أداءً في العالم
الأحد، 19 أبريل 2026
أفقدت الليرة السورية نظيرها، الجنيه المصري، سمعته التي اكتسبها بعيد بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، بوصفه أسوأ العملات أداءً مقابل الدولار. وفي حين يتخلى الدولار عن معظم مكاسبه التي سجلها منذ اندلاع الحرب، وفق الأسواق العالمية، اليوم الأربعاء، تواصل الليرة انحدارها بشكل متسارع.
وحتى ساعة كتابة هذه السطور، سجل مبيع الدولار في دمشق نحو 13600 ليرة (قديمة). وصباح بدء الحرب ضد إيران، في 28 شباط الفائت، كان مبيع الدولار قرب 11750 ليرة (قديمة). مما يعني أن سعر صرف الليرة مقابل الدولار خسر ما نسبته 15.74%، حتى الآن. أما الجنيه المصري، فقد قلّص خسائره بفعل الحرب، من 12% إلى 8.88%.
حاول موقع "تلفزيون سوريا" أن يحصل على تصريحات من أكثر من موظف في شركات صرافة بدمشق. لكنهم امتنعوا جميعاً عن الحديث بالأسماء الصريحة أو باسم شركة الصرافة التي يعملون بها. وبصورة غير رسمية، قال لنا أحدهم، إن هذا الانخفاض في سعر صرف الليرة نتيجة تداعيات الحرب مع إيران. وهو الرأي الرائج الذي رصدناه لدى أكثر من تاجر تجزئة، أيضاً.
وقد حاولنا الحصول على تفسير من مصرف سورية المركزي، بهذا الخصوص. وتواصلنا عبر الإيميل المحدد من جانبهم. لكننا لم نتلق أية إجابة حتى ساعة إعداد هذه المادة. كذلك حاولنا التواصل مع مسؤول داخل المصرف، بصورة غير رسمية، لكننا لم نتلق إجابة أيضاً. ولم يصدر عن المركزي أي تصريح أو بيان رسمي بخصوص التراجع المتسارع لسعر صرف الليرة، حتى الآن.
يتفق خبراء ومتخصصون اقتصاديون تحدث إليهم موقع "تلفزيون سوريا"، على معادلة معقّدة بخصوص تأثير الحرب مع إيران على سعر الصرف المحلي. فالحرب أثّرت بالفعل، لكنها ليست السبب العميق لهذا التراجع المتسارع في الأيام القليلة الفائتة.
ووفق وصف الدكتور رازي محي الدين، فإن "هذا التراجع ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل هو مؤشر حساس على اختلالات اقتصادية ومالية أعمق". محي الدين، الذي يحمل دكتوراه في المصارف والتمويل ويترأس شركة "روابط لحلول الأعمال"، ذهب إلى أن تراجع الليرة لا يمكن اختزال أسبابه بعامل واحد، بل هو مزيج من ضغوط داخلية وخارجية. فالتوترات الإقليمية الراهنة أدت إلى تراجع السياحة وانخفاض أعداد السوريين القادمين، والتحويلات، ما قلّص أحد أهم مصادر الدولار. كما أن "المستثمر بطبيعته يكره الضبابية. ومع ترقب نتائج الصراعات الإقليمية، يتم تأجيل قرارات ضخ رؤوس الأموال، ما يضعف العرض من العملات الأجنبية".
بدوره، يقرّ الدكتور عامر خربوطلي، بتأثير العامل النفسي الناجم عن الحرب، في دفع سوريين إلى تبديل ما بحوزتهم من ليرة سورية بالدولار، بدعوى القلق والتحوّط. وهو ما يضغط على سعر صرف الليرة نحو مزيد من الانخفاض. خربوطلي، الذي يحتل موقع المدير العام لغرفة تجارة دمشق، ويحمل دكتوراه في الاقتصاد وتطوير المشروعات الصغيرة، يلفت إلى أن التراجع في سعر الصرف ليس وليد لحظة الحرب الحالية. وسببه العميق، يتعلّق بعوامل داخلية.
ويتفق محمد علبي مع هذا التحليل. ويخبرنا الباحث في الشأن الاقتصادي السوري، والمقيم في ألمانيا: "ما يحدث اليوم هو أقرب إلى ما يُعرف اقتصادياً بظاهرة «Catch Up» ، حيث يحاول سعر الصرف اللحاق بالقيمة الحقيقية المتراجعة للعملة بعد فترة من الكبح أو التشويه".
يتفق المختصصون الثلاثة على علّة اختلال الميزان التجاري لسوريا، بوصفه أحد أبرز الأسباب العميقة للانكشاف الذي يعيشه سعر الصرف، الآن. ويخبرنا الدكتور رازي محي الدين أن استمرار ارتفاع المستوردات مقابل ضعف الصادرات يؤدي إلى ضغط دائم على الليرة، ويزيد الطلب على الدولار.
أما الدكتور عامر خربوطلي، فيقول إن التراجع الحالي في سعر الصرف هو نتاج تراكم من عام 2025، مع زيادة فاتورة الاستيراد بشكل كبير. ويلفت إلى أن هناك عجزاً كبيراً في الميزان التجاري السوري، فالصادرات لا تشكّل أكثر من 15% منه. ويوضح خربوطلي، أن فتح الباب أمام الاستيراد خلال العام الفائت، كان له مبرراته في حينها، إذ كانت هناك آلاف السلع الممنوعة من الاستيراد وأصبحت مسموحة، وفي مقدمتها السيارات. لكن ما حدث أن القطاعات الصناعية والزراعية لم تشهد تعافياً سريعاً وواضحاً، مما جعل نسبة الصادرات السورية متواضعة مقارنة بالمستوردات.
بدوره، يقول محمد علبي إن الاقتصاد السوري بات يعتمد على الدولار كوسيط للاستهلاك دون أن يمتلك مصادر كافية لإنتاجه. ويضيف أن الصادرات ضعيفة، والاستثمار محدود، والاعتماد على التحويلات أو التدفقات غير المستقرة لا يمكن أن يشكّل قاعدة صلبة. في المقابل، الطلب على الدولار مستمر، سواء لأغراض الاستيراد أو الإدخار أو التحوّط، ما يخلق ضغطاً دائماً على سعر الصرف.
يشرح محمد علبي هذه النقطة بصورة مستفيضة. إذ بعد سقوط النظام، انخفض سعر الصرف في السوق الموازية إلى ما دون السعر الرسمي لعدة أشهر. لكن ذلك لم يكن نتيجة تحسن بنيوي في الاقتصاد، وإنما نتيجة مجموعة عوامل ظرفية، أبرزها حبس السيولة بالليرة بشكل مكثف، إلى جانب تدفق كبير للحوالات قُدّر بنحو 4 مليارات دولار، أي ما يعادل ضعف مستويات عام 2024 تقريباً. هذا التزايد في عرض القطع الأجنبي، بالتوازي مع تقييد السيولة المحلية، أدى إلى خفض الطلب الداخلي على الدولار مؤقتاً، ما أسهم في دعم السعر الإداري وإعطائه مظهراً من الاستقرار. لاحقاً، جاءت فكرة العملة الجديدة، والتي أُحيطت بتوقعات بأنها قد تشكّل نقطة تحوّل نقدية. بالفعل، كان لها تأثير قصير الأجل، إذ أدى سحب السيولة من السوق إلى خلق طلب إضافي على الليرة لفترة محدودة، لكن هذا الأثر بقي مؤقتاً ولم يغيّر المعادلة الأساسية. فالسياسات النقدية التي تعتمد على إدارة السيولة دون معالجة جذور الاختلال لا تستطيع إنتاج استقرار دائم، بل فقط تأجيل التصحيح.
يمكن رصد الآثار التي ظهرت سريعاً في أسعار السلع والبضائع المتاحة في الأسوق. وعلى صعيد تجار المفرّق، أخبرنا بائع لمواد التنظيف في دمشق، أن الأسعار ارتفعت بنسب تتراوح ما بين 20 إلى 30%. في حين قال لنا بائع في محل للأدوات المنزلية، إن أسعار المواد المصنوعة من البلاستيك غير المخلوط، ارتفعت بنسبة 20%. وهذه النسب أعلى من نسبة ارتفاع الدولار في سوق الصرف (نحو 16%).
وإن كانت النتيجة المباشرة هي تآكل القدرة الشرائية للسوريين، فإن استمرار هذا التراجع واستقراره، يحمل نتائج أبعد وأعمق. يقول الدكتور رازي محي الدين، إن التضخم وعدم استقرار سعر الصرف يخلقان بيئة غير مستقرة، يصعب فيها التسعير والتخطيط، وتزداد فيها المخاطر، مما يعمّق من مشكلات قطاع الأعمال. كما أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي تعكس خللاً في السياسات، ما يضعف الثقة بالعملة المحلية وبالإدارة الاقتصادية. كل ذلك يجعل السوق أقل جاذبية للاستثمار، خاصة في القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل. ويشير محي الدين إلى انعكاسات اجتماعية وسياسية لهذا التراجع، في حال استمر. إذ إن تدهور المعيشة غالباً ما ينعكس على المزاج العام، ويؤثر على تقييم الأداء الحكومي.
أما الباحث محمد علبي، فيحذّر من ظاهرة التسعير على أساس توقعات مستقبلية لا على الواقع الحالي فقط. ذلك أنه في ظل غياب مرجعية مستقرة، يدخل السوق في حالة من عدم اليقين، ويتجه التجار نحو التسعير بأسعار أعلى من الرائجة في سوق الصرف. وقد رصد موقع "تلفزيون سوريا" ذلك، عبر شهادات بعض تجار المفرّق، الذين أخبرونا أن تجار الجملة باتوا يسعّرون –تحوطاً- على 14000 ليرة قديمة للدولار (أعلى 400 ليرة قديمة من السعر الرائج لحظة إعداد المادة).
يتفق المتخصصون الذين تحدثنا إليهم، على ضرورة أن تستند المعالجة إلى حزمة متكاملة من الحلول. وأن المدخل الحقيقي للحل يبقى اقتصادياً، وليس نقدياً. وقد تكون كلمة السرّ فيه، وفق محمد علبي، "توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة القدرة على توليد القطع الأجنبي عبر دعم الإنتاج وجذب الاستثمار، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي لاستعادة الثقة وتفعيل دوره في الوساطة المالية". ويضيف الدكتور رازي محي الدين ما يتعلّق بتحسين الأداء الحكومي، وإصدار قوانين جاذبة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية. إلى جانب ضرورة تفعيل الحياة التشريعية والنقابية، بصورة تتيح تعزيز الشفافية، بما يعطي إشارات إيجابية للمستثمرين بأن هناك مسار إصلاح حقيقي.
أما الدكتور عامر خربوطلي، فيتحدث عن ضرورة الرهان على الثقة بالاقتصاد السوري، الذي يتعافى ولو ببطء. مع الاتجاه لتخفيض فاتورة الاستيراد نوعاً ما، عبر حظر السلع غير المطلوبة في الوقت الحالي، والتي ما تزال تدخل بطرق مختلفة.
Loading ads...
في الختام، يمكن القول إن "عورات" اقتصادنا تسببت بانكشاف سعر صرف الليرة بصورة جعلتها من بين الأسوأ أداءً في العالم، نتيجة تطور إقليمي لا نملك القدرة على التحكم بمساراته. وقد تكون تلك فرصة كي ينتبه صانع القرار الاقتصادي لدينا إلى درجة الهشاشة في واقعنا الاقتصادي، والبدء بالتعامل الجدّي مع أسبابها، كي لا تبقى معيشة السوريين في مهب رياح أي تطور إقليمي، في منطقة مشوبة بالتوترات الدائمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
محافظة درعا تمنع ري المزروعات بمياه الصرف الصحي
منذ ثانية واحدة
0



