6 أشهر
الفقر والعصبية وإرث الاستبداد.. مثلث إعادة إنتاج الدمار في سوريا
الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025
قد يكون ملفّ العدالة الانتقالية أحد العوامل التي تسهم في إذكاء الحسّ الطائفي في سوريا، غير أنّ تحميله مسؤولية مركزية عن هذا الانقسام يُثقل الملفّ بما لا يحتمل، ويختزل واقعاً شديد التعقيد في سبب واحد.
فالمشهد السوري في بنيته العميقة تحكمه ثلاثية الفناء: الفقر، العصبيات، إرث الاستبداد السياسي، وهذه العناصر ليست نتيجة لأحداث طارئة أو منعطفات سياسية عابرة، بل حصيلة تراكمات ممتدة لعقود طويلة؛ تراكمات تحتاج في المقابل إلى فعل تراكمي مضاد لمعالجتها واحتواء آثارها.
ولو افترضنا عودة ابن خلدون اليوم، لما وجد ما يدفعه لمراجعة جوهر نظريته في العصبية؛ فقد قسّمها إلى عصبية قبلية وأخرى دينية.
معالجة الفقر ليست ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة أمنية وسياسية، ولا يمكن مواجهة هذا الانهيار المعيشي عبر حلول تجميلية، بل لا بدّ من إعادة هيكلة العقوبات أو توجيهها بما يخفّف أثرها على المجتمع..
هذا التفسير الخلدوني ما يزال مناسباً لسوريا، حيث ما تزال البنى التقليدية تشكّل البنية العميقة للوعي الاجتماعي، وبالتالي، فإنّ الانتقال نحو دولة المواطنة لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذرية لهذه الثلاثية.
فالفقر، الذي يطول أكثر من 90% من السوريين بحسب تقارير الأمم المتحدة، يزيد من قابلية المجتمع للانقسام، ويجعل الغالبية منشغلة بالبقاء البيولوجي بدل الانخراط في أي فعل مدني أو سياسي وفق رؤية إبراهيم ماسلو.
فمعالجة الفقر ليست ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة أمنية وسياسية، ولا يمكن مواجهة هذا الانهيار المعيشي عبر حلول تجميلية، بل لا بدّ من إعادة هيكلة العقوبات أو توجيهها بما يخفّف أثرها على المجتمع، إلى جانب تقديم دعم دولي مباشر لحكومة سورية مستقبلية، سواء في المرحلة الانتقالية أو ما يليها، على غرار مشروعي ترومان ومارشال، مع وضع شروط دقيقة تتعلّق بالشفافية وعدم تمكين شبكات الفساد.
فالحرمان الاقتصادي هو البيئة الأكثر خصوبة لعودة العصبيات والاضطرابات الأمنية، وهو ما يجعل أي مبادرة ديمقراطية هشّة، قابلة للانهيار أمام أول شرارة توتر اجتماعي.
أمّا الاستبداد السياسي، فلا يُهزم بمجرد سقوط المستبد أو تغيير رأس النظام، فالاستبداد بنية عميقة، وحالة نفسية وثقافية تتجاوز الشخص الحاكم، هو منظومة من العلاقات السلطوية المتشابكة التي تستمر داخل المجتمع وبين جماعاته حتى حين تتراجع قبضة السلطة المركزية.
لذلك، يجب العمل على خلق بيئة قانونية وثقافية جديدة تتعاون فيها السلطة السياسية مع المثقفين والنخب المدنية لصياغة فضاء سياسي-اجتماعي يعلن القطيعة مع الاستبداد السياسي والمدني والنقابي.
إذا لم يحدث هذا التحوّل البنيوي، فإنّ الاستبداد سيعود بأقنعة مختلفة، تماماً كما يعود الطاعون في لحظة ضعف أو غياب للرقابة، فالعبرة ليست بوجود "حريات عامة"، بل بوجود منظومة سياسية-اجتماعية تضمن أن يصبح الاستبداد بكل صوره غير قابل للشرعنة أو التعايش.
وفي حين يُحمّل بعضهم النظم السياسية وحدها مسؤولية الاستبداد، يغيب عنهم أن قطاعات واسعة من المجتمع نفسها تنتج استبداداً موازياً، مدعوماً بامتيازات اجتماعية وقبلية ومناطقية.
فعندما تغيب الدولة الحديثة التي تحتكر السلطة وتصفّي مراكز القوة البديلة، فإنّ الأفراد والمجموعات التي تملك "سلطة الأمر الواقع" خارج مؤسسات الدولة تتحول إلى مركز قهر جديد، لذلك، فإنّ مواجهة الاستبداد تبدأ من إعادة هيكلة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وليس فقط عبر تغيير رأس الهرم السياسي.
وللخروج من دائرة المزايدات والتصنيفات الحادّة، نحتاج الانتقال من ردود الفعل إلى التفكير العلمي، فكل يوم يثبت أنّ الحاجة ليست إلى ديمقراطية مستوردة بعلب جاهزة، ولا إلى ديمقراطية جافة بلا روح، بل إلى ديمقراطية معرفية-اجتماعية تُبنى على فهم الواقع السوري ومشكلاته العميقة.
التعامل مع الديمقراطية على أنها "مؤامرة غربية" أو "قداسة سياسية" يُنتج ثلاثية جديدة من الفناء الفكري، ولعل عبارة جورج طرابيشي: "الديمقراطية ليست حكم صندوق الاقتراع، بل حكم صندوق العقل" تختصر الفكرة، فصندوق الاقتراع بلا عقل هو أخطر أدوات إعادة إنتاج العصبيات، وتحويل الانقسام الاجتماعي إلى قرار سياسي مُشرعن.
والمشكلة الأبرز أن العقلانيّة ليست بعد في صدارة أولويات المجتمع السوري، ما يزال المنطق السائد هو منطق "مجتمعات ما قبل الدولة" (community)، حيث الروابط الأولية: القبيلة، الطائفة، العائلة، الشلّة السياسية، هي المحدد الأعلى لاتخاذ القرار وتشكيل المواقف.
العصبيات في سوريا لم تعد محصورة في الهويات الكبرى التقليدية (طائفية–عرقية)، بل أخذت أشكالاً جديدة: عصبيات مناطقية، عصبيات قبلية، عصبيات الأيديولوجيات المتصارعة، بل وحتى عصبيات "المظلومية"..
في حين تغيب بالمطلق مجتمعات المواطنة (society) ، التي تنظّمها علاقة قانونية تعلو على روابط الدم والجماعة والهوية، وهذا الغياب لا يخص فئة دون أخرى، فجميع الأطراف تعيد إنتاج المربع ذاته: فئة تستخدم الديمقراطية قناعاً لاستمرار قبيلتها السياسية أو الاجتماعية وتبرير العنف كخيار بديل وبل تفاوض على الديمقراطية كمشروع يبرر دوافع الانفصال، وأخرى تنبذها لأنها تهدد الحالة التقليدية، وهكذا، تتحوّل الديمقراطية إلى أداة بقاء للعصبية، لا نقيضاً لها.
وتزداد الأزمة حين نلاحظ أن العصبيات في سوريا لم تعد محصورة في الهويات الكبرى التقليدية (طائفية–عرقية)، بل أخذت أشكالاً جديدة: عصبيات مناطقية، عصبيات قبلية، عصبيات الأيديولوجيات المتصارعة، بل وحتى عصبيات "المظلومية"، التي تحوّلت لدى بعضهم إلى رأس مال سياسي.
وكل عصبية من هذه العصبيات تُسهم بطريقتها في إدامة ثلاثية الفناء: فالفقر ينتج انغلاقاً، والانغلاق ينتج خوفاً، والخوف ينتج استبداداً، والاستبداد يعيد إنتاج الفقر.. دائرة لا تتوقف.
لذلك، فإنّ معالجة هذه الدائرة لا تكون بمبادرات مصالحة شكلية، ولا بخطاب أخلاقي وعظي، بل عبر مشروع سياسي-اجتماعي-اقتصادي طويل الأمد يبدأ بترميم الطبقة الوسطى، وتوسيع المجال العام، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة ككيان جامع، العصبيات لا تزول بالقمع، ولا بالتجاهل، بل بتغيير البنية التي تمنحها القوة.
هكذا، فإنّ الانتقال نحو دولة المواطنة لن يتحقق إلا بمعالجة منظمة وطويلة لهذه الثلاثية، وما أبعد هذا اليوم، لكنه ليس مستحيلاً، فإدراك عمق المعضلة هو الخطوة الأولى لفكّ شيفرة الأزمة.
Loading ads...
وسوريا لن تُبنى بوصفة جاهزة، بل ببنية فكرية-اجتماعية جديدة تعيد تعريف الدولة والمجتمع والمواطن والسلطة، وتمنع تكرار ما تمّ تدميره.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

