شكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ تأسيسها ظاهرة معقدة في المشهد السوري، متأرجحة بين مشروع إدارة ذاتية طموح وتحالف براغماتي مع قوى دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. غير أن هذا الكيان الوظيفي اعتمد على سلسلة من الرهانات الاستراتيجية التي بدأت تخسرها واحدا تلو الآخر، وبدأت تتجلى ملامح الانهيار التدريجي أمام صعود الحكومة الجديدة وعودة دمشق للاندماج في محيطها الإقليمي والدولي. وسنتطرق في هذا المقال إلى أبرز تلك الرهانات على نحو موجزٍ:
الرهان الأول: استمرار الدعم الأميركي اللامحدود
كان الرهان الأكبر والأكثر جوهرية لقسد هو ضمان استمرارية الدعم الأميركي لها تحت ذريعة محاربة (داعش) من خلال التسليح والتدريب والحماية الجوية والغطاء السياسي الذي منحها شرعية وجود في مناطق واسعة من شمالي سوريا وشرقيها، ولهذا فقد كان التحالف ضد بعبع داعش بطاقة البقاء لها والضمان الأهم ضد أي تحرك إقليمي أو محلي لإزالتها. لكن هذا الرهان بدأ يتآكل عندما بدأت حصرية الشريك الموثوق في مكافحة الإرهاب تتحطم بعد أن أظهرت الحكومة السورية قدرة على إعادة علاقتها بالقوى الدولية في سياق مكافحة الإرهاب بعد الأخبار المتداولة عن توقيعها اتفاق التعاون مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب والذي شمل تفاهمات أمنية واستخبارية، ليسحب بذلك بساط الشرعية الدولية من تحت أقدام قسد بهدوء وفعالية، ويقدِّم الحكومةَ السورية بوصفها شريكا سياديا موثوقا به في الحرب على الإرهاب، بخلاف قسد التي تُعدُّ تنظيما وظيفيا عابرا وفرعا عن تنظيم أكبر مصنف إرهابيا على القوائم الدولية، وربما كان تفكيك الحكومة لكثير من الخلايا النائمة الموالية لداعش واعتقال المئات من عناصرها قد أثبت للعالم جديتها وقدرتها على تحقيق الاستقرار من دون الحاجة لوجود قسد، فضلا عن أن إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي عبر سلسلة من الاتفاقيات التي أثمرتها اللقاءات في دمشق والزيارات الخارجية رفيعة المستوى بدءا من زيارات الرئيس أحمد الشرع إلى دول الخليج العربي وتركيا ومرورا بزيارة عدد من الدول الغربية ولا سيما فرنسا وروسيا وأميركا، وكذلك اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرورا بقمة المناخ في البرازيل، وانتهاءً بـزيارة الرئيس الشرع الأخيرة للبيت الأبيض، كل ذلك رسخ صورة إيجابية عن الحكومة وأدائها وقلَّص من أهمية وجود قسد بوصفها حليفا وحيدا.
الرهان الثاني: معركة كسب الوقت والمماطلة في المفاوضات
بعد تولي الرئيس أحمد الشرع مهام منصبه، كانت هناك محاولات لتسوية وضع قسد وإدماج مناطقها في الدولة السورية الموحدة إلا أن قسد راهنت على كسب معركة الوقت ثم وجدت نفسها مضطرة لتوقيع اتفاق العاشر من مارس 2025، ثم راهنت على المماطلة في تنفيذه لاستنزاف صبر الحكومة، وانتظار تغيرات إقليمية أو دولية قد تعزز موقفها التفاوضي أو تعيد الحياة لدعمها، وهو مما دفعها إلى التعنت ورفع سقف المطالب خلال المفاوضات، مرة بالفيدرالية ومرة بالتلويح بالانفصال، مغرورة بقوتها العسكرية والدعم الخارجي لها، ومدفوعة برغبة في الحفاظ على بنيتها العسكرية والمدنية القائمة، وما مضاعفة جهودها في حفر الأنفاق خلال فترات الهدوء والمفاوضات إلا دليل على نيةٍ مبيتة لمواجهة عسكرية محتملة، وليس دليلا على حسن نية في التوصل لحل سياسي. وفي المقابل أظهرت الحكومة السورية حكمة وصبرا، وسارت وفق استراتيجية سحب البساط بهدوء، معتمدة على الإنجازات الدبلوماسية والأمنية بدلا من التصعيد العسكري المباشر، وهو ما أفشل رهان قسد على استفزاز الحكومة وجرها لمعركة لا تريدها.
الرهان الثالث: فرض أمر الواقع وإثارة الأقليات
من أخطر رهانات قسد كان محاولة توريط الحكومة في معركة عسكرية تمنحها مسوغات للانفصال أو المطالبة بالفيدرالية، أو على الأقل تحقيق إنجاز سياسي شبيه بما حدث في مناطق أخرى مثل السويداء، وقد سعت جاهدة وبكل السبل والوسائل لفرض وضع أمر واقع لا يمكن للحكومة إلا أن تسلم به على أنه أمر واقع لا قدرة لها على تغييره، كما عملت على استقطاب الفلول من عناصر النظام البائد وضباطه، وعلى إثارة الأقليات وتقديم الدعم لها وتحريضها ضد الحكومة وتوظيف خطاب التخويف والترهيب من العودة إلى المركزية وتكرار المظلوميات القديمة، مستغلة التنوع الديمغرافي لخدمة مشروعها خاصة خلال ما سمته بمؤتمر الحسكة، لكن الحكومة نجحت في كشف هذه المناورات عبر إظهار التزامها بوحدة النسيج الوطني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب السوري ضمن إطار دولة المواطنة.
الرهان الرابع: التعويل على التغيرات الجيوسياسية
لم تخفِ قسد تعاونها وتوسلها لإسرائيل وراهنت على ذلك كثيرا مستغلة سلسلة الحروب التي شنتها في المنطقة في فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا وإيران لإعادة خلط الأوراق وإيجاد موقع لقسد ضمن أي ترتيبات أمنية مستقبلية بهدف تفكيك الدولة السورية وإضعافها وإفشال أي محاولة لإعادة بنائها وبناء جيشها المنظم. ولعل هذا الرهان قد أفقد قسد ما تبقى مما تدّعيه من رصيد وطني وما ترفعه من شعارات براقة خدّاعة، ونزع عنها صفتها السورية التي تتستر خلفها لتنفيذ أجندات بعيدة كل البعد عن سوريا والسوريين ومصالحهم.
خسرت قسد رهاناتها بالتوالي لكنها لم تتعظ من الخسارة الأولى ولا الثانية، وحالها في ذلك كحال بقية التنظيمات الإجرامية والأنظمة القمعية الاستبدادية، لكن يبدو أن تكرار الخسارات خلق لديها شعورا وإحساسا بأن مركبها بدأ يغرق وأن جدرانها بدأت تتصدع، وأن السقف الذي يظلها ربما يسقط فوق رأسها بأي لحظة، ولهذا تحاول استباق الأمور والهروب إلى الأمام
الرهان الخامس: التحالف مع العشائر العربية في الجزيرة
اضطرت بعض العشائر العربية إلى التحالف مع قسد لمحاربة داعش تحت مظلة التحالف الدولي منخدعة بالشعارات التي ترفعها والمصطلحات والأسماء التي تروج لها والتي تبين للجميع زيفها واستخدامها ذريعة لمشاريع انفصالية عرقية مفضوحة، وقد بدأ هذا التحالف بالتصدع منذ عهد النظام الساقط وتمثل في ثورة العشائر بقيادة الشيخ إبراهيم الهفل ضدها، إلا أن أكثر أبناء العشائر العربية لم ينخرط في تلك الثورة لأن الخيار البديل آنذاك هو النظام الساقط، لذلك آثروا قسد على النظام عملا بقاعدة أخفّ الضررين، لكن بعد سقوط النظام تغير المشهد، وأعلن كثيرون انشقاقهم عن قسد، وصرح كثيرون أن من يحكم دمشق هو الذي يحكم الجزيرة السورية، ولعل آخر أمارات تصدع هذا التحالف وصول الشيخ مانع حميدي دهام الجربا -شيخ قبيلة شمر وقائد قوات الصناديد أكبر القوات العربية المتحالفة مع قسد- إلى دمشق واللقاء بالرئيس أحمد الشرع وهو ما يؤذن بمرحلة جديدة، خسرت فيها قسد رهانها على التمثيل الشكلي المزعوم للعشائر العربية في المناطق التي تحتلها لتظل متحدثة باسمها وتدّعي تمثيلها للمنطقة وأنها الساهرة على حماية مصالحها وحقوقها ادعاء يكذبه الواقع ويزيّفه.
لقد خسرت قسد رهاناتها بالتوالي لكنها لم تتعظ من الخسارة الأولى ولا الثانية، وحالها في ذلك كحال بقية التنظيمات الإجرامية والأنظمة القمعية الاستبدادية، لكن يبدو أن تكرار الخسارات خلق لديها شعورا وإحساسا بأن مركبها بدأ يغرق وأن جدرانها بدأت تتصدع، وأن السقف الذي يظلها ربما يسقط فوق رأسها بأي لحظة، ولهذا تحاول استباق الأمور والهروب إلى الأمام، ومنذ أن دخل الرئيس أحمد الشرع البيت الأبيض سارع مظلوم عبدي بالتغريد على حسابه على (X) بأنه اتصل بتوم براك مطالبا إياه برغبته في تسريع الاندماج بالدولة السورية، وبدأ قادة قسد الآخرون يطالبون بتعجيل إدماجها في الدولة السورية أيضا بعد أن ظلت تماطل أكثر من ثمانية أشهر من توقيع الاتفاق في تطبيقه وفي المفاوضات التي زادتها صلفا وتعاليا لتجد نفسها اليوم أمام أمرين أحلامها مرٌّ: إما الإدماج وإما الاقتلاع من الجذور وخسارة كل المكتسبات التي حققتها خلال السنوات الماضية.
Loading ads...
لقد كان لصعود الشرعية الوطنية ونجاح الحكومة السورية في معظم الملفات الداخلية والخارجية ومنها رفع اسم الرئيس ووزير الداخلية من قوائم الإرهاب ورفع العقوبات الدولية وتكثيف اللقاءات الدولية وإعادة الدمج بالمحيط الإقليمي والدولي والانفتاح على العالم والعمل على جلب الاستثمارات وتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي والخدمي والأمني للمواطنين ومعالجة الإشكالات الكثيرة المتراكمة بهدوء، كل ذلك كان له الأثر الأبرز في خسارة قسد لرهاناتها ودفعها للهروب إلى الأمام والمطالبة بتسريع الاندماج بعد أن كانت متعنتة حالمة بأوهام تجعل منها إسرائيلَ الثانية وتعيد رسم خريطة المنطقة من جديد وفق أسس عرقية تشرعن لها احتلالها للمناطق العربية وتبقي سيطرتها على ثروات سوريا، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي قسد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


