ساعة واحدة
أكاديمية وباحثة وصانعة أفلام الدكتورة أريج الغامدي: الفنون الأدائية النسائية من ذاكرة الجدّات إلى أجيال المستقبل
الجمعة، 18 سبتمبر 2026

تُشكِّل المرأةُ السعوديَّة جزءاً أساسياً من الذاكرةِ الثقافيَّةِ والاجتماعيَّة للبلاد، وتفرضُ حضورها في الفنونِ الأدائيَّة، والحكاياتِ، والممارساتِ الشعبيَّة، وهو ما أثار انتباه الدكتورة أريج الغامدي، الباحثة وصانعة الأفلام والأكاديميَّة في قسم فنون السينما والمسرح بجامعة الأميرة نورة، فبحثت في الأمرِ، واستعانت بالتدوينِ الميداني، الشفهي والبصري، لتُقدِّم أخيراً فيلمها «خُطى الذاكرة: بين بلاد الفُل والرياحين» الذي تروي فيه قصصاً لم يتطرَّق إليها أحدٌ بعد عن المرأةِ، والذاكرةِ، والمكان، خاصَّةً في الفنونِ الأدائيَّةِ النسائيَّة بمنطقتَي الباحة وجازان. وترى الدكتورة أريج، أن التراثَ ليس ماضياً يُحتفى به، وإنما ذاكرةُ وطنٍ، وهويَّةٌ، تحتاجان منا الحفاظَ عليهما، ونقلهما للأجيالِ القادمة.
بدأ الموضوعُ عندي بسؤالٍ بسيطٍ: أين النساءُ في الأرشيف؟ في ذاكرتنا، النساءُ لديهن عالمٌ كاملٌ من الفنونِ، والأغنياتِ، والرقصاتِ، والطقوس، لاسيما في الأعراسِ والمناسبات، لذا بدأتُ أبحثُ عن هذا العالم. من أجل ذلك، ذهبتُ إلى الباحة وجازان، ودرستُ اللعبَ النسائي في المنطقتَين، واطَّلعتُ على الفنونِ الأدائيَّةِ النسائيَّة هناك مثل التخييلة، والجحلي، وجلستُ مع النساءِ، واستمعتُ إليهن. بدأتُ أفهمُ أن جسدَ المرأةِ نفسه يمكن أن يكون أرشيفاً. جسدها مصدرُ الحركة، ومشاعرها وحي الشعر، وصوتها لحنُ الأغنية، ثم إن ذاكرتها احتفظت بالمكان، أمَّا أزياؤها، فعبَّرت عن هويَّتها المحليَّةِ والقبليَّة. كنتُ أبحثُ أحياناً عن أشياءَ، ذكرتها مصادرُ قليلةٌ، ولم تُوثَّق بشكلٍ بصري، أو في كتابٍ، أو حتى بصورٍ، وهذا ما جعلَ البحثَ بالنسبةِ لي رحلةً أكاديميَّةً وإنسانيَّةً في الوقتِ نفسه، وقد اتَّخذتُ فيه منهجاً كمياً وإنثربولوجياً. تالياً، وبناءً على هذه الرحلةِ، جاء فيلمي «خُطى الذاكرة: بين بلاد الفُل والرياحين». أعتقدُ أننا لم نُوثِّق حتى الآن إلا جزءاً بسيطاً، فما زالت هناك فنونٌ، وحكاياتٌ، وتفاصيلُ كثيرةٌ محفوظةٌ في ذاكرةِ النساء، تنتظرُ فقط مَن يسألُ عنها، ويُوثِّقها قبل أن تضيع.
أثناء البحثِ، بدأتُ ألاحظُ أشياءَ لم أكن أنتبه إليها سابقاً. مثلاً، الثوبُ ليس مجرَّد شيءٍ جميلٍ، ترتديه المرأةُ أثناء الرقص. هي عندما تتحرَّك، يتحرَّك معها القماشُ، والأكمامُ، والحلي، وغطاءُ الرأس، وتُصبح كلّها جزءاً من الصورة. بل، حتى وزنُ الملابس، ونوعُ القماش، وأشكالُ التطريز تتأثَّرُ بطبيعةِ المنطقة، وأيضًا يمكن لطريقةِ التصميمِ نفسها أن تؤثِّر في الحركة.
ما رأيك بالتعرف على المصوِّرة خلود البكر
نحن أمامَ إمكاناتٍ كبيرةٍ جداً. تخيَّلوا مثلاً أن تدخلَ فتاةٌ صغيرةٌ إلى متحفٍ، وتضع نظَّارةَ واقعٍ افتراضي، وفجأةً تجدُ نفسها داخلَ عرسٍ في الباحة قبل عقودٍ، تسمعُ الدفوف، وتُشاهِد النساء بملابسهن، وطريقةِ وقوفهن، وغنائهن، هنا يُصبح الأرشيفُ شيئاً حياً، وليس مجرَّد ملفَّاتٍ محفوظةٍ. هذه التجربةُ يمكن أن تجعلها تشعرُ بالتراث عملياً بدلاً من أن تقرأ عنه نظرياً فقط. الأرشفةُ ليست مجرَّد حفظِ مقطعٍ قديمٍ فقط، هي أيضاً حفظٌ لقِصَّةِ المقطع. اليوم، التقنيَّةُ تستطيعُ أن تصنع أي شيءٍ تقريباً، لكنْ يجبُ أن نُفرِّق بين الموثَّقِ تاريخياً، والمُعادِ تخيُّله.
أنا مؤمنةٌ بقوَّةِ الفيلمِ في حفظِ الذاكرةِ الشعبيَّة. هناك أشياءُ لا أعرفُ كيف يمكن أن نحفظها بالكلماتِ وحدها. على سبيلِ المثال: كيف أكتبُ صوتَ زغرودةٍ؟ كيف أصفُ حركةَ يدِ امرأةٍ وهي ترقص؟ أو نظرتها وهي تتذكَّرُ عرساً حدثَ قبل 40 عاماً؟ الكاميرا تحفظُ أشياءَ صغيرةً جداً قد لا ننتبه إليها وقتَ التصوير، لكنَّها بعد 20 أو 50 عاماً قد تُصبح شديدةَ القيمة، لذا أشعرُ أحياناً بأنني عندما أصوِّر لا أصنعُ فيلماً فقط، بل وأترك أيضاً رسالةً بصريَّةً لشخصٍ سيشاهدها بعدنا بأعوامٍ طويلةٍ.
نقترح عليك قراءة اللقاء الخاص مع 4 مصورات عربيات محترفات
المرأةُ كانت دائماً جزءاً أساسياً من ذاكرتنا الثقافيَّةِ والاجتماعيَّة، لذا من أجمل التحوُّلاتِ التي نعيشها اليوم هذا الحضورُ الواضحُ والمتنوِّعُ للمرأةِ السعوديَّة في المشهدَين الثقافي والإبداعي. نحن نراها مخرجةً، وباحثةً، وفنَّانةً، وفنَّانةً أدائيَّةً، ومُنتِجةً، وأكاديميَّةً، وقياديَّةً. الأهمُّ أنها أصبحت تروي قِصَّتها بنفسها، وتُشارك في صناعةِ الصورةِ التي تُمثِّلها وتُمثِّل مجتمعها. لقد أصبحت تكتبُ، وتبحثُ، وتُخرِجُ، وتُوثِّق، وتحفظُ قصصَ النساءَ اللاتي سبقنها.
دورُ الجمعيَّاتِ هنا يكمن في الوصولِ إلى الأشخاص، وتسجيلِ الرواياتِ الشفهيَّة، وتوثيقِ الممارسات والفنون بالصوتِ والصورة من خلال الأفلامِ القصيرة، والبودكاست، والمعارضِ، وورشِ العمل، والمنصَّاتِ الرقميَّة، والتعاونِ مع الفنَّانين وصُنَّاع الأفلام لإعادةِ تقديمِ هذه الحكاياتِ بلغةٍ معاصرةٍ، لكنْ دون أن تفقدَ أصالتها، لأن التراثَ في النهاية ليس شيئاً نضعه في الأرشيف، ونُغلق عليه، التراثُ يبقى حياً عندما يعرفه الجيلُ الجديد، ويتفاعلُ معه، ويشعرُ بأنه امتدادٌ لذاكرته وهويَّته. يمكنك أيضًا التعرف على المصورة الوثائقية لمياء قرقاش
في ذكرى اليومِ الوطني، أعبِّرُ عن فخري واعتزازي بوطنٍ عظيمٍ، يحملُ تاريخاً عريقاً، وإرثاً ثقافياً ثرياً. هذا الإرث يستحقُّ منا كلَّ عنايةٍ ووفاءٍ، لذا، ومن خلال دوري باحثةً في الفنون التقليديَّة، أؤمنُ بأن الحفاظَ على تراثنا، هو امتدادٌ لمحبَّتنا لوطننا، فكلُّ حكايةٍ، وكلُّ لحنٍ، وفنٍّ أدائي، وممارسةٍ توارثتها الأجيال جزءٌ من ذاكرةِ السعوديَّة وهويَّتها. عليه، من واجبنا أن نُوثِّق هذا الإرث ونحفظه، وأن نُقدِّمه للأجيالِ الجديدةِ بصورةٍ تليقُ بقيمته ومكانته. أمَّا رسالتي، فهي أن نمضي نحو المستقبلِ بطموحٍ عالٍ، لكنْ دون أن ننسى جذورنا، فكلّما عرفنا تراثنا، وافتخرنا به، ازددنا ارتباطاً بوطننا وهويَّتنا. حفظ الله السعوديَّة، وحفظ ولاةَ أمرنا، وأدام على وطننا عزَّه وأمنه وازدهاره، وكلّ عامٍ ووطننا شامخٌ بعزِّه، وعظيمٌ بقيادته وشعبه.
Loading ads...
أطمحُ إلى مواصلةِ توثيقِ الفنونِ الأدائيَّةِ النسائيَّةِ في المناطقِ السعوديَّة كافة، وصناعةِ الأفلام، وبناءِ أرشيفٍ بصري يحفظُ قصصَ النساءِ وذاكرتهن، فتراثنا الغني يستحقُّ أن يُحفَظ، وأن يُروى، وأن يصلَ إلى العالم. يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




