ساعة واحدة
هل يتجدد جسم الإنسان بالكامل كل 7 سنوات؟ العلم يكشف الحقيقة
الجمعة، 25 سبتمبر 2026

يضم جسم الإنسان عددا هائلا من الخلايا يُقدّر بنحو 30 تريليون خلية، موزعة على أعضاء وأنسجة مختلفة، ومتخصصة في نحو 215 نوعا، يؤدي كل منها وظيفة محددة مبرمجة ضمن المادة الوراثية الموجودة في نواتها.
لكنّ هذه الخلايا لا تعيش جميعها المدة نفسها، فبعضها لا يبقى سوى أيام قليلة قبل أن يُستبدل ضمن عملية مستمرة ومحكمة، بينما يرافقنا بعضها الآخر منذ الولادة وحتى الوفاة.
وهنا يبرز السؤال: كيف تتوافق هذه الحقيقة مع الاعتقاد الشائع بأن جسم الإنسان يستبدل نفسه بالكامل كل 7 سنوات؟
تُعد بعض خلايا الدم البيضاء، مثل العدلات والحمضات والخلايا الوحيدة والخلايا المحببة، من أقصر الخلايا عمرا في جسم الإنسان، إذ قد تعيش لساعات أو أيام، وربما تمتد حياة بعضها إلى أشهر قليلة.
ويتجدد هذا النوع من الخلايا للحفاظ على كفاءة الاستجابة المناعية ضد مسببات الأمراض، والحد من الآثار التي قد تنتج عن الالتهاب المزمن. أما خلايا الدم الحمراء فتُستبدل كل نحو 4 أشهر ضمن دورة متواصلة تحافظ على خصائصها وقدرتها الوظيفية.
وتنضم إليها الخلايا الظهارية التي تبطن الأمعاء، والتي يُقدّر عمرها بنحو 5 أيام فقط، بما يتناسب مع طبيعة عملها التي تتطلب الاحتكاك المستمر بالغذاء والتعرض للأحماض والمشاركة في امتصاص العناصر الغذائية.
كما تتجدد خلايا الطبقة الخارجية من الجلد كل نحو 20 يوما، وقد تزيد هذه المدة بنحو 10 أيام مع التقدم في العمر، بينما تتسارع عملية التجدد في المناطق الأكثر تعرضا للبيئة الخارجية.
في المقابل، توجد خلايا تعيش فترات طويلة، وقد يرافق بعضها الإنسان طوال حياته. فعلى سبيل المثال، يمكن لخلايا الذاكرة التائية (Memory T-Cells) الموجودة في الدم والعقد اللمفية والرئتين والأمعاء أن تعيش فترة تتراوح بين عام وعامين، بينما يمتد عمرها في الطحال بين 3 و10 سنوات.
وتأتي هذه النتائج وفقا لتحليل أجراه باحثون من الولايات المتحدة ونُشر في سبتمبر/أيلول 2025 في مجلة "إميونيتي" (Immunity).
أما خلايا الكبد، فيُقدّر متوسط عمرها بأقل من 3 سنوات، وهو ما يتناسب مع النشاط الأيضي المرتفع للعضو، إذ يتم استبدالها بما يحافظ على حيوية الكبد وكفاءتها الوظيفية، رغم محدودية الدراسات التي تناولت العمر الفعلي لخلايا الكبد البشرية.
خلايا القلب بدورها تُظهر نمطا مختلفا، فقد استخدم باحثون من السويد نظير الكربون المشع 14 لتحديد العمر الافتراضي لخلايا القلب، وأظهرت النتائج أن نحو 1% من هذه الخلايا يتجدد سنويا لدى الإنسان في سن العشرين.
وتنخفض النسبة تدريجيا مع التقدم في العمر لتصل إلى نحو 0.3% عند سن 75 عاما. وبناء على ذلك، فإن إجمالي خلايا القلب التي يتم استبدالها خلال حياة الإنسان الطبيعية يظل أقل من النصف.
وتُصنف الخلايا العصبية أيضا ضمن أطول الخلايا عمرا في جسم الإنسان، إذ يُقدّر عمر خلايا المادة الرمادية في المخيخ بعمر الإنسان نفسه تقريبا، فترافقه منذ الولادة، أو خلال العامين التاليين لها، وحتى الوفاة.
في المقابل، تبدو خلايا المادة الرمادية في القشرة القذالية (مركز المعالجة البصرية في الدماغ وتقع في مؤخرة الرأس) أصغر عمرا، مما يشير إلى أن معدل تجدد الخلايا قد يكون أعلى في القشرة المخية مقارنة بالمخيخ.
وتشكّل الخلايا العصبية نحو 92% من المادة الرمادية في المخيخ، وهو ما يعني أن جزءا كبيرا من البنية العصبية للدماغ يرافق الإنسان منذ طفولته، ولا يتجدد بعد اكتمال تكوينه.
وتستند هذه النتائج إلى تحليل نشره باحثون من السويد والولايات المتحدة في يوليو/تموز 2005، استخدموا فيه الكربون المشع 14 لتحديد عمر الخلايا في القشرة الدماغية القذالية.
لكنّ ذلك لا يعني أن جميع الخلايا العصبية في الدماغ لا تتجدد. فمنذ نحو 3 عقود، يحاول العلماء حسم الجدل بشأن إمكانية تجدد الخلايا العصبية في منطقة الحصين من الدماغ، التي تقع في عمق الفص الصدغي للدماغ داخل الجهاز الحوفي، وهو مسؤول بشكل أساسي عن تكوين الذكريات وتحويلها من قصيرة المدى إلى طويلة المدى.
ويرجع استمرار هذا الجدل إلى تضارب نتائج الدراسات الكيميائية المناعية للأنسجة، والتي انقسمت إلى اتجاهين؛ أحدهما يرجح استمرار تجدد الخلايا العصبية في الحصين خلال الشيخوخة الفسيولوجية، بينما يرى الاتجاه الآخر أن عملية التجدد تتوقف في مرحلة مبكرة من الطفولة.
وفي عام 2017، نشر البروفيسور جوناس فرايسن من معهد كارولينسكا في السويد، برفقة عدد من زملائه، دراسة أشارت إلى أن الخلايا الدبقية الدقيقة (Microglia) الموجودة في الدماغ، والتي تؤدي وظائف مناعية، تتجدد ببطء.
ووفقا للباحثين، يبلغ معدل تجدد هذه الخلايا نحو 28% سنويا، بما يعني أن أكثر من 96% منها يُستبدل خلال حياة الإنسان.
وبذلك، تختلف معدلات تجدد الخلايا باختلاف وظائفها وحاجة الجسم إليها؛ فبعضها يتجدد باستمرار، وبعضها ببطء شديد، بينما قد تبقى خلايا أخرى طوال الحياة دون أن تُستبدل.
ولكنْ إذا كان الجسم يستبدل جزءا كبيرا من خلاياه، فلماذا لا يعود أكثر شبابا مع مرور الوقت؟
الإجابة ببساطة هي أن الجسم يتعرض مع التقدم في العمر إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في استقرار المادة الوراثية وما تحمله من معلومات.
وتشمل هذه العوامل المؤثرات الفيزيائية والحيوية والكيميائية، إلى جانب العمليات التأكسدية، والأخطاء التي قد تحدث أثناء انقسام الكروموسومات أو تضاعف المادة الوراثية. ويؤدي ذلك إلى تراكم الطفرات والتغيرات الجزيئية داخل الخلايا.
ومع استمرار انقسام الخلايا، قد تحمل بعض الخلايا هذه الطفرات بينما ينجو بعضها الآخر، فيما يُعرف بظاهرة "الفسيفساء الجينية".
وبالتالي، فإن انقسام الخلايا وتجددها لا يعني عودة الجسم إلى حالة الشباب، إذ تستمر الخلايا الجديدة في العمل داخل بيئة جسدية تتقدم في العمر، كما تتراجع مع الزمن كفاءة آليات إصلاح التلف في المادة الوراثية.
وبذلك، تستمر عملية الشيخوخة رغم تجدد عدد كبير من الخلايا، وينعكس أثرها على الأعضاء وعلى المظهر الخارجي للجسم.
يُرجَّح أن الاعتقاد القائل إن خلايا الجسم تتجدد بالكامل كل 7 سنوات انتشر بعد نشر مادة إخبارية في قسم المراجعات بمجلة "نيتشر ريفيوز موليكولار سيل بيولوجي" (Nature Reviews Molecular Cell Biology)، استندت إلى الدراسة التي نشرها البروفيسور جوناس فرايسن عام 2005.
وأشارت المادة إلى أن متوسط عمر الخلايا في جسم الإنسان البالغ يتراوح بين 7 و10 سنوات. لكنّ نتائج فرايسن وزملائه نفسها أظهرت اختلافا كبيرا بين أنواع الخلايا، إذ يمكن لبعض خلايا الدماغ أن تعيش فترات تتجاوز 10 سنوات بكثير، في حين لا يعيش بعضها الآخر سوى أيام أو أشهر. وبالتالي، لا توجد مدة واحدة يمكن القول إن الجسم بعدها استبدل جميع خلاياه بالكامل.
رغم استمرار الجدل العلمي بشأن آليات تجدد بعض الخلايا، فإن المؤكد أن جسم الإنسان لا يستبدل نفسه بالكامل دفعة واحدة، ولا توجد ساعة بيولوجية تعيد تكوينه كل 7 سنوات.
فالخلايا تتجدد بسرعات مختلفة وفقا لطبيعتها ووظائفها؛ بعضها يُستبدل خلال أيام، وبعضها خلال سنوات، وبعضها قد يرافق الإنسان طوال حياته.
Loading ads...
وبينما يستمر البحث العلمي في محاولة تحديد العمر الدقيق لمختلف أنواع الخلايا وآليات تجددها، يبقى الهدف الأكثر واقعية هو الحفاظ على صحة الجسم وتقليل خطر الأمراض مع التقدم في العمر، بدلا من السعي وراء فكرة استعادة الشباب الكامل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الشهيد.. منزلة الكرامة العليا
منذ 4 دقائق
0



