مع صدور تعميم الوصاية عن وزارة العدل مؤخرا، انطلقت موجة واسعة من الجدل في الشارع، لا سيما بين الأمهات، حيث انقسمت الآراء بين من رآه إجراءً احترازياً لحماية الأسرة، ومن اعتبره عودة صريحة لمنطق الوصاية على الأم وانتقاصاً من قدرتها على اتخاذ القرار.
ويأتي هذا الجدل في وقت تعيش فيه الأسر ضغوطاً معيشية ونفسية متزايدة، ما جعل أي قرار يمس البنية العائلية ينعكس مباشرة على الحياة اليومية، وسط غياب شرح واضح لتداعيات القرار العملية وحدوده القانونية.
قلق الأمهات: بين الحماية والتقييد
في جولة على آراء الأمهات، برز شعور عام بالارتباك أكثر من الرفض المطلق، إذ ترى كثيرات أن الصيغة الفضفاضة للقرار تفتح الباب أمام تفسيرات متباينة قد تُستخدم لتقييد دور الأم بدل حمايته.
تقول رنا الحلاق، موظفة وأم لطفلين من دمشق: “أنا أم ومسؤولة عن أولادي بشكل كامل، فجأة بحس في قرار ممكن يقيّد قدرتي على اتخاذ قرارات تخص تعليمهم أو سفرهم أو حتى علاجهم، بحجة الوصاية، السؤال: حماية لمين؟”
وتضيف في حديث لـ “الحل نت” أن “المشكلة ليست بفكرة الحماية، المشكلة إنو القرار ما وضّح الحالات الاستثنائية، وترك مجال واسع للتأويل، وهذا بحد ذاته مقلق”.
في المقابل، ترى بعض الأمهات أن القرار قد يكون ضرورياً في حالات النزاع الأسري، لكنه يحتاج إلى ضوابط واضحة تمنع تعميمه على جميع الأسر.
“هناك حالات يكون فيها الطفل بحاجة حماية قانونية، لكن ليس كل أم بحاجة وصي فوقها، الأصل الثقة، ليس الشك”.
سمر خليل، ربة منزل من ريف دمشق
بعيداً عن الأمهات، ينقسم الرأي العام بين من يعتبر القرار خطوة تنظيمية لسد ثغرات قانونية، ومن يراه تدخلاً زائداً في شؤون الأسرة الخاصة.
يقول محمود العيسى، موظف حكومي، إن “الحكومة تحاول التنظيم، لكن المشكلة أن التنظيم أحياناً يأتي على حساب الناس البسطاء، اللي ما عندهم قدرة يراجعوا محاكم أو يفهموا تفاصيل قانونية معقدة”.
في حين يرى آخرون أن المشكلة ليست في القرار بحد ذاته، بل في طريقة تطبيقه واحتمال إساءة استخدامه.
رأي قانوني: أين يقف حق الأم؟
المحامي حسام درويش يوضح في حديث لـ “الحل نت” أن “الإشكالية الأساسية في قرار الوصاية تكمن في غياب التحديد الدقيق للحالات التي يُطبق فيها، وهو ما قد يخلق تعارضاً مع مبدأ الأهلية القانونية للأم”.
ويضيف: “من الناحية القانونية، الأصل أن الأم كاملة الأهلية، وأي تقييد لحقها في اتخاذ القرار يجب أن يكون استثناءً واضحاً ومسبباً، لا قاعدة عامة. إذا لم تُحدَّد الحالات بدقة، فنحن أمام باب مفتوح لاجتهادات قد تمس حقوقاً أساسية”.
“الحماية الحقيقية للأسرة لا تكون بتوسيع مفهوم الوصاية، بل بتعزيز الضمانات القانونية ومنع التعسف في تطبيق أي قرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأم والطفل”.
المحامي حسام درويش
بعد أكثر من شهر على صدور التعميم، قال القاضي الشرعي الأول بدمشق، المستشار أحمد حمادة، إن التعميم رقم (17) لعام 2025 الصادر عن وزير العدل يهدف حصراً إلى اختصار الإجراءات وتيسيرها على المواطنين في جوانب محددة، هي إصدار جواز السفر والحصول على إذن سفر للقاصرين، دون أن يمس أحكام الوصاية الشرعية التي لا تزال سارية دون أي تعديل.
وبيّن أن التعميم يتيح للأم استصدار جواز سفر للقاصر مباشرة من إدارة الهجرة والجوازات دون مراجعة القاضي الشرعي، فيما يبقى إذن السفر إلى خارج البلاد مشروطاً بموافقة كل من الأب والأم معاً. وفي حال غياب الأب، يتم الرجوع إلى العصبات وفق الترتيب القانوني، أما في حال غياب الأم حصراً، فتُطلب موافقة الجدة (أم الأم).
وأشار حمادة إلى أنه في حال وفاة الأب، يُسمح للقاصر بالسفر مع الأم بإذن مباشر من إدارة الهجرة والجوازات، ما لم يكن هناك منع سفر مفروض على القاصر. كما اعتمدت الإجراءات الحديثة على وسائل التواصل، حيث يمكن استخدام الاتصال المرئي للتحقق من موافقة أحد الوالدين في حال سفره خارج البلاد.
القاضي الشرعي الأول أكد، على أن الأم ما تزال تتمتع بكامل وصايتها وفق القانون النافذ، داعياً إلى الرجوع للبيانات الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات.
بين النص والتطبيق
رغم التطمينات الرسمية بأن القرار لن يُستخدم إلا في إطار حماية مصلحة الطفل، إلا أن غياب الشرح التفصيلي وآليات التطبيق يزيد من حالة القلق، خاصة لدى الأمهات اللواتي يشعرن أن القرار كُتب بلغة قانونية بعيدة عن واقعهن اليومي.
إذ تخشى كثيرات أن يتحول القرار من أداة حماية إلى أداة ضغط، تُستخدم في النزاعات الأسرية أو تُفرض بشكل روتيني دون مراعاة خصوصية كل حالة.
Loading ads...
وسط هذا الجدل، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل نحن أمام خطوة تنظيمية ضرورية أم عودة مقنّعة لمنطق الوصاية؟ وهل ستنجح الجهات المعنية في طمأنة الأمهات، أم سيبقى القرار عبئاً جديداً يُضاف إلى قائمة القلق اليومي للأسر؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





