ساعة واحدة
معهد نيولاينز: القوات الأميركية تتجه سريعاً للرحيل عن سوريا
الإثنين، 9 فبراير 2026
شهد المشهد الأمني والسياسي في سوريا نقلات نوعية خلال الأسبوعين الماضيين، إذ عقب اشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، وسعت الإدارة في دمشق سيطرتها على شمال شرقي سوريا، وبدأ وقف إطلاق النار الذي وقع في 18 كانون الثاني واتفاقية الدمج الموقعة في 30 من الشهر نفسه بدمج أشد خطوط الصدع إثارة للقلاقل، فمهدا بذلك السبيل أمام قيام قوة مسلحة وحيدة وموحدة.
مثلت الولايات المتحدة قوة محورية خلف كل ذلك بعد أن ضغطت على الطرفين طوال العام الفائت ليتفاوضا على توقيع اتفاق يقضي بدمج القطاعات السياسية والاقتصادية والأمنية في شمال شرقي سوريا ضمن القطاعات نفسها لدى الحكومة المركزية. أما الدافع البسيط خلف الدور الفاعل الذي لعبته واشنطن فيتمثل بنظرة الولايات المتحدة للاستقرار والتماسك على الصعيد الداخلي بين الفرقاء السوريين بما أن ذلك برأيها هو المفتاح الذي بوسعه فك ارتباط أميركا بسوريا، بعد مرور أربعة عشر عاماً تقريباً على إرسال القوات الأميركية إلى هذا البلد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
ولكن، في الوقت الذي تمثل الاتفاقية لحظة فارقة بالنسبة للإدارة الأميركية واحتمال رحيلها عن سوريا، ذلك الرحيل الذي ورد في الخطط التي تعود للولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تظهر ديناميات لابد لواشنطن من تقييمها، إذ أمام قوات الأمن السورية اليوم اتفاق لوقف إطلاق النار واتفاق للدمج على المستوى الأمني، غير أنها تتحلى بالحذر نظراً للتفوق العسكري لدى الطرف الآخر ولهشاشة الاتفاق الذي لم يقم على توافق حقيقي بين الطرفين، وهذا ما يهدد بتجدد الاشتباكات. كما أن التحول السريع في المشهد الأمني بسوريا يمثل فرصة أخرى بالنسبة للتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة، لاسيما مع شروع الولايات المتحدة وشركائها السوريين بتفكيك عدة مواقع للاحتجاز ونقل السجناء إلى دولة العراق المجاورة.
يتسم اتفاق دمشق مع قسد بالسرعة، فقد جرى تقسيم عملية تسليم المناطق وتسنم المسؤوليات الأمنية فيها إلى مراحل، بدأت في الثاني من شباط الجاري، أي بعد أيام قليلة على توقيع الاتفاقية. والخطة تقوم على إعادة تنظيم قطعات قسد لتتحول إلى ألوية تتشكل حديثاً داخل فرق الجيش العربي السوري، على أن تحتفظ قسد بأربعة ألوية داخل ذلك الجسم، وذلك عوضاً عن دمج مقاتليها بشكل فردي، وهذا ما اعتبر تنازلاً من طرف دمشق.
وعلى الرغم من هذه التدابير، مايزال خطر انعدام الثقة منذ أمد بعيد بين القيادات الكردية والحكومة المركزية قائماً، وإلى جانبه ما وقع من اشتباكات مؤخراً بين قوات الأمن من كلا الطرفين. وهذا ما جعل المسؤولين الكرد يستمرون على تأكيدهم بأن هذا الدمج يجب أن يكون حقيقياً وعادلاً وأن يتم بحماية دستورية، إذ من دون تلك التطمينات، سيتوقف التعاون أو قد ينحرف عن مساره، وخاصة إن اعتبر الدمج ممارسة قسرية لا جوهرية.
رحبت الولايات المتحدة بهذا الاتفاق بكل حماسة واعتبرته حجر الأساس لتقوية المؤسسات وللانتقال نحو الاستقرار، وللحد من الاعتماد على العناصر الأمنية الفاعلة من خارج البلد. كما مثل هذا الاتفاق نقلة مهمة بالنسبة للتحالف الأميركي داخل سوريا، ليخالف ما حدث طوال العقد الماضي، إذ لم تعد قسد الشريك المحلي الأساسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة، بل بات الجهاز الأمني الذي أعادت الحكومة السورية تشكيله هو المعني بتلك الشراكة.
خطر تنظيم الدولة
ولكن في الوقت الذي تبدي الولايات المتحدة ثقتها بالإدارة السورية الجديدة وجيشها المتكامل، فإنها لم تترجم ذلك إلى ثقة مطلقة بقدرته في تنفيذ العمليات على الأرض، إذ مباشرة عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق وقسد، توسطت الولايات المتحدة لعقد اتفاق بين سوريا والعراق ومهمة القيادة الوسطى المؤقتة الأميركية، وذلك لنقل قرابة سبعة آلاف سجين من المخيمات المقامة في شمال شرقي سوريا إلى العراق. وهذا لا يعبر عن حساسية فترة الدمج بين دمشق وقسد فحسب، بل يعبر أيضاً عن عدم وجود أي ثقة بقوات الإدارة السورية الجديدة وقدرتها على إدارة تلك المخيمات على المدى البعيد.
وفي الوقت الذي تركز قسد ودمشق على نشر الاستقرار وإعادة هيكلة قوات الجيش، يلوح الخطر المتمثل باستبعاد عمليات محاربة تنظيم الدولة من سلم الأولويات، بعد أن تجلى ذلك في طريقة إدارة مقار الاحتجاز ومخيمات النازحين، وهذا ما تأكد عند هروب نحو مئتي سجيناً من سجن الشدادي في العشرين من الشهر الماضي وذلك خلال عملية التسليم والاستلام التي تمت بين مقاتلي قسد والجيش السوري. وهنالك أخبار عن تمكن السلطات السورية من احتجاز 81 من هؤلاء المعتقلين من جديد، إلى جانب مواصلة العمليات الساعية لمحاربة تنظيم الدولة.
نشط تنظيم الدولة في سوريا بعد سقوط النظام، إذ استغل التحول الحاصل في المشهد الأمني، وفي عام 2024، ضاعف التنظيم هجماته مقارنة بما نفذه من هجمات خلال العام الذي سبقه، وعلى الرغم من تراجع عدد الهجمات في عام 2025، شن التنظيم هجمات متعددة استهدفت قوات الحكومة، بل إنه خطط لاستهداف مواقع مدنية مثل الكنائس خلال فترة الأعياد، ليشمل بذلك عمليات أوسع بكثير من نطاق عملياته المعهود. ولقد حذر مسؤولون في المخابرات العراقية من تنام كبير لصفوف تنظيم الدولة داخل سوريا، إذ تقدر أعداد مقاتلي التنظيم اليوم بنحو عشرة آلاف مقاتل، مما يثير التخوف من تنفيذ التنظيم لعمليات جديدة خارج الحدود.
التخطيط للانسحاب الأميركي والمؤشرات السياسية على ذلك
تزامنت تلك التطورات مع خطوات فعلية اتخذتها الإدارة الأميركية تجاه فك الارتباط العسكري الأميركي عن سوريا، إذ حددت المخططات شهر أيلول من هذا العام كموعد لإكمال عملية الانسحاب الأميركي من العراق، ويتزامن ذلك مع وصول المهمة الاستشارية لحلف شمال الأطلسي إلى نهايتها. وقد سبق للقوات الأميركية أن أعادت تمركزها عندما انتقلت من قواعد رئيسية أقيمت في العراق، مثل قاعدة عين الأسد الجوية ومطار بغداد الدولي، إلى مواقع أقيمت في أقصى شمالي كردستان العراق. وهذه الخطوات المتبعة بخصوص التمركز وتقليص الأعداد في العراق تحد من قدرة الولايات المتحدة على تأمين غطاء جوي، وتوفير المعلومات الاستخبارية وتنفيذ عمليات المراقبة والاستطلاع وغيرها من العمليات التي تدعم من خلالها كلتا الجبهتين اللتين تعملان على محاربة تنظيم الدولة في العراق وسوريا، مما يمهد الطريق أمام الانسحاب النهائي في أواخر هذا العام.
وعلى الرغم من أن الاتفاق بين قسد ودمشق يقدم لواشنطن مبرراً آخر للمضي قدماً بخطة الانسحاب، فإن هذا الاتفاق قد لا يكون بديلاً أمنياً دائماً عن الوجود الأميركي، لأن عملية الدمج ما تزال هشة، وما يزال نشاط تنظيم الدولة في تصاعد، كما أن عمليات الاحتجاز وضبط الحدود ومكافحة التمرد ماتزال تشهد تقلبات كبيرة.
Loading ads...
المصدر: The New Lines Institute
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





