في بدايات عصر الإنترنت، بدا شراء المنتجات دون لمسها أو معاينتها أمرًا غير منطقي، بينما كان منح موقع إلكتروني بيانات البطاقة الائتمانية مخاطرة كبيرة قد تسبب في فقدان الكثير من الأموال.
وقتها كان عدد لا يُحصى من المديرين التنفيذيين والمستثمرين وتجار التجزئة ينظرون إلى التسوق عبر الإنترنت باعتباره ظاهرة مؤقتة، مرددين عبارة "التجارة الإلكترونية مجرد موضة عابرة".
وفي خضم تلك الاستهانة، كان هناك شاب صيني لا يتجاوز طموحه أن يصبح ناظرًا لمدرسة، يضع اللبنات الأولى لإمبراطورية ستغيّر مستقبل التجارة العالمية.
وتظهر قصة "جاك ما"، معلم اللغة الإنجليزية السابق الذي أسس شركة علي بابا داخل شقة صغيرة في مدينة هانغتشو، قبل أن يبني واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا تأثيرًا في العالم، كيف حول الإصرار فكرة سخر منها الجميع إلى شركة أعادت رسم خريطة التجارة العالمية.
كما تعكس أن أخطر ما قد يواجهه عالم الأعمال ليس فشل الابتكار، بل الاستهانة به قبل أن تتكشف إمكاناته الحقيقية.
ولادة علي بابا من أروقة التدريس
على خلاف كثير من رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا، لم يكن "جاك ما" يمتلك أي خلفية في الهندسة أو علوم الحاسوب.
وقبل تأسيس علي بابا عام 1999، عمل مدرسًا للغة الإنجليزية، بعدما واجه سلسلة طويلة من الرفض في بدايات حياته المهنية.
وقد اشتهر لاحقًا برواية إخفاقه في اجتياز امتحانات القبول الجامعي أكثر من مرة، إضافة إلى رفضه من عشرات جهات العمل، من بينها سلسلة مطاعم كي إف سي، وهي تجارب أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من قصته الملهمة عن المثابرة.
لكن نظرته إلى المستقبل تغيرت جذريًا بعد زيارته الولايات المتحدة عام 1995، حيث تعرف إلى الإنترنت للمرة الأولى، وعندما حاول البحث عن معلومات تخص الصين عبر الشبكة، فوجئ بندرة المحتوى المتاح.
ولم ينظر إلى الإنترنت باعتباره مجرد ابتكار تقني جديد، بل رأى فيه فرصة تجارية غير مسبوقة؛ فإذا تمكنت الشركات من التواصل عبر الحدود من خلال الوسائل الرقمية، فإن الإنترنت قد يتحول إلى سوق يفوق حجمه أي مركز تجاري على أرض الواقع.
ومن هنا وُلدت فكرة تأسيس علي بابا، التي أنشأها مع 17 صديقًا داخل شقته بمدينة هانغتشو، ولم تكن المهمة الأولى للشركة بيع المنتجات للمستهلكين، بل مساعدة المصنّعين الصينيين على الوصول إلى المشترين حول العالم عبر منصة إلكترونية تربط الشركات ببعضها.
وفي ذلك الوقت، كان عدد قليل جدًا من المستثمرين يعتقد أن مثل هذه المنصة يمكن أن تتحول إلى شركة عالمية.
هندسة الثقة قبل الحجم
أدرك "جاك ما" أن التكنولوجيا وحدها لن تكون كافية لإقناع المستهلكين، وأن بناء الثقة يجب أن يسبق التوسع.
ففي مطلع القرن الحادي والعشرين، واجه قطاع التجزئة في الصين تحديات كبيرة؛ إذ كان استخدام البطاقات الائتمانية محدودًا نسبيًا، كما أضرت المنتجات المقلدة بثقة المستهلكين، بينما كانت شبكات الخدمات اللوجستية على مستوى البلاد لا تزال في طور التطوير.
وبدلًا من انتظار اختفاء هذه المشكلات، سعت علي بابا إلى معالجتها بنفسها، فأطلقت الشركة خدمة الدفع عبر الضمان من خلال منصة خاصة بها تحتجز أموال المشتري إلى حين استلام المنتج، وهو ما وفر مستوى أمان أعلى في عمليات الشراء.
كما استثمرت بكثافة في أنظمة تقييم التجار، ومراجعات العملاء، وآليات تسوية النزاعات حيث ساعدت هذه الأدوات في معالجة مخاوف اعتبرها كثير من تجار التجزئة التقليديين نقاط ضعف قاتلة للتجارة الإلكترونية.
ومع اتساع انتشار الإنترنت في مختلف أنحاء الصين، تغير سلوك المستهلكين بوتيرة لافتة.
ووفقًا للإفصاحات الرسمية للشركة، تجاوز إجمالي قيمة البضائع المتداولة عبر منصات علي بابا 3 تريليونات يوان (441 مليار دولار أمريكي) خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2016، متوقعة أن يتضاعف هذا الرقم بحلول السنة المالية 2020.
وتعكس تلك الأرقام الحجم الهائل الذي بلغته تجارة التجزئة الإلكترونية خلال أقل من عقدين على تأسيس الشركة.
ولم يكن نمو حجم التجارة هو المؤشر الوحيد على نجاح شركة علي بابا، بل شهدت قاعدة المستخدمين توسعًا كبيرًا أيضًا.
ففي السنة المالية ذاتها، أعلن "جاك ما" أن علي بابا تخدم أكثر من 423 مليون مشترٍ نشط، معربًا عن طموحه بأن تخدم الشركة ملياري مستهلك خلال العقدين التاليين.
طرح عام أعاد رسم المشهد
لم يكن هناك ما يجسد هذا التحول أكثر من إدراج علي بابا في سوق الأسهم، فعندما طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب العام في بورصة نيويورك خلال سبتمبر 2014، نجحت في جمع نحو 25 مليار دولار أمريكي، لتسجل آنذاك أكبر طرح عام أولي في التاريخ.
وقد استقطب الاكتتاب طلبًا هائلًا من المستثمرين المؤسساتيين، وأرسل رسالة واضحة مفادها أن التجارة الرقمية لم تعد تُنظر إليها كتجربة مضاربية، بل أصبحت واحدة من أكثر الصناعات قيمة وتأثيرًا في العالم.
ولم يكن حجم الطرح مجرد إنجاز لشركة واحدة، بل كان رمزًا لانقلاب كامل في طريقة التفكير السائدة قبل سنوات قليلة، إذ أصبحت هناك قناعة مفادها أن المنصات الرقمية يمكن أن تصبح من بين أكبر الشركات وأكثرها تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.
بل إن "جاك ما" ذهب لاحقًا إلى أبعد من ذلك، عندما قال إن مصطلح التجارة الإلكترونية نفسه قد يصبح قديمًا مع مرور الوقت، لأن التكنولوجيا الرقمية ستندمج بالكامل في النشاط التجاري، ولن تعود التجارة الإلكترونية قطاعًا منفصلًا.
تجاهل فخ التشكيك طريق النجاح
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في عبارة "التجارة الإلكترونية مجرد موضة عابرة" ليس أنها كانت خاطئة، بل إن المخاوف التي استندت إليها كانت مفهومة في ذلك الوقت، فالمستهلكون كانوا يخشون بالفعل من الاحتيال الإلكتروني.
والشركات كانت تتساءل بجدية عما إذا كانت شبكات الخدمات اللوجستية قادرة على التوسع لتلبية الطلب، أما المستثمرون، فكانوا يخشون تكرار فقاعة شركات الإنترنت بعد انهيار شركات التكنولوجيا في مطلع الألفية.
وبمعنى آخر، لم يكن التشكيك في حد ذاته غير منطقي، وإنما كان الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن العقبات القائمة تمثل قيودًا دائمة، وليست تحديات مؤقتة يمكن للتكنولوجيا تجاوزها مع مرور الوقت.
ولم تكن علي بابا وحدها من أثبت خطأ هذه الفرضية، فقد كانت أمازون تواجه هي الأخرى تشكيكًا مشابهًا في بداياتها، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر الشركات في العالم.
ولم ينجح "جاك ما" لأن تلك المخاوف كانت وهمية، بل لأنه عمل على معالجتها بصورة منهجية، إذ كثيرًا ما كان يردد أن الفرص ليست سوى مشكلات لم ينتبه إليها الآخرون بعد.
وربما تلخص هذه الفلسفة قصة صعود علي بابا، فالشركة لم تخترع الإنترنت، ولا التسوق الإلكتروني، ولا وسائل الدفع الرقمية، لكنها أدركت أن أعظم الفرص التجارية غالبًا قائمة على مواجهة العوائق التي يعتبرها الآخرون مستحيلة.
وبعد أن أصبحت مبيعات التجارة الإلكترونية تشكل نحو خمس تجارة التجزئة عالميًا بحسب تقديرات شركة إي ماركتر، فإن الدرس الحقيقي من هذه القصة أن نجاح الشركات يعتمد على التمييز بين الضعف المؤقت في تقنية ناشئة وعيب دائم في مستقبلها.
فالشركات التي تنجح في هذا التمييز هي التي ترسم ملامح المرحلة التالية من عالم الأعمال، بينما يجد الآخرون أنفسهم لاحقًا يحاولون تفسير كيف أخطأوا في رؤية ما يبدو اليوم بديهيًا.
Loading ads...
المصادر: أرقام- مجموعة علي بابا- وكالة رويترز- ماكينزي آند كومباني- هارفارد بيزنس ريفيو- البنك الدولي- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- فوربس
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

تاسي: رصد للأسهم التي سجلت أعلى سعر منذ الإدراج
منذ 31 دقائق
0



