ساعة واحدة
منذر المصري في "شهادة للتاريخ" يفتح جراح الشعر والثورة وسوريا ما بعد الأسد
الجمعة، 8 مايو 2026
من أمام البحر المتوسط، حيث قال إن الغروب جزء من تفاصيل حياته اليومية، حلّ الشاعر والرسام السوري منذر المصري ضيفاً على برنامج "شهادة للتاريخ" على "تلفزيون سوريا"، مستعيداً مسيرته الشعرية والفكرية والسياسية، ومقدما قراءة واسعة لتجربة الشعر السوري وتحولاته، وعلاقته بجيل السبعينيات، وصولاً إلى الثورة السورية ومواقفه منها، ورؤيته لمستقبل البلاد.
وقال المصري إن سبعينيات القرن الماضي شهدت تحولات جذرية في بنية القصيدة السورية، مع انتقال عدد كبير من الشعراء من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر.
وأوضح أن قصيدة التفعيلة السورية كانت تحمل خصوصية واضحة وتميزاً عن نظيراتها في العراق وفلسطين، مضيفاً أنها كانت أقرب إلى التجربة الحياتية المباشرة، وتحمل "دماً جديداً" في بنية الشعر.
وأشار إلى أن قصيدة النثر بدأت لاحقاً في فرض حضورها بقوة، حتى إن عدداً من شعراء التفعيلة أنفسهم انتقلوا إلى كتابتها.
توقف المصري مطولاً عند تجربة الشاعر محمد الماغوط، معتبراً إياه أحد أبرز مؤسسي قصيدة النثر في العالم العربي، وقال:"ما حدا بيمر بحقل اسمه الماغوط إلا وبتتوحل إجراه ".
وأوضح أن تأثير الماغوط لم يكن لغوياً فقط، بل كان حضوراً شعرياً كاملاً ومكثفاً، مضيفاً: "الماغوط قاتل مثل كل شاعر كبير، وتأثيره على من بعده كان عميقاً وساماً".
وأشار إلى أنه شخصياً حاول مبكراً التحرر من هذا التأثير، بحثاً عن "قصيدة بسيطة" لا تستنسخ تجربة الماغوط أو لغته.
قال المصري إن الشاعر إبراهيم الجرادي كان من أكثر شعراء جيله جرأة في الذهاب نحو الحداثة الشكلية في القصيدة، مشيراً إلى أنه دفع التجريب إلى أقصاه.
لكنه أوضح أن اهتمامه الشخصي كان يتجه نحو البساطة والوضوح في النص الشعري أكثر من التجريب الشكلي.
وأشار المصري إلى أن جبران إبراهيم جبره كان من بين الأسماء التي أثرت في تجربته الشعرية، وخاصة قصيدته "رسالة إلى توفيق صايغ"، التي اعتبرها من الأعمال المؤثرة في مسيرته.
لكن التأثير الأعمق، بحسب قوله، جاء من الشاعر توفيق صايغ، الذي وصف تجربته بأنها "صدمة شعرية مختلفة ".
كما ذكر تأثره بأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، ونزيه أبو عفش، ورياض الصالح الحسين.
تحدث المصري بإسهاب عن رياض الصالح الحسين، معتبراً إياه من أبرز شعراء سورياً الحديثة، ومؤكداً أنه حمل فكرة "الحرية المطلقة" في الكتابة الشعرية.
وأشار إلى أن إعاقته لم تكن محوراً في تجربته الإنسانية أو الشعرية، بل كان يتعامل مع الشعر كمساحة حرية كاملة.
قال المصري إنه لم يكن مهتما بالشعر في سنوات الدراسة، ولم يحفظ يوماً شعراً عمودياً، واصفاً بداياته بأنه دخل الشعر كعدو له.
وأوضح أن أولى قصائده نُشرت في مجلة "الموقف الأدبي" خلال خدمته العسكرية، بعد أن قام زكريا تامر بتعديل عنوان إحدى قصائده.
أشار المصري إلى أنه خدم كضابط إشارة خلال حرب تشرين، وقضى سنوات على الجبهة بين القراءة والرسم.
ووصف تلك المرحلة بأنها كانت "ساحرة" بالنسبة له، وأسهمت في تشكيل تجربته الشعرية والفنية.
قال المصري إن افتتاحه لمكتبة "فكر وفن" في اللاذقية عام 1984 شكّل نقطة تحول، حيث أصبحت المكتبة ملتقى للمثقفين والمعارضين.
وأضاف أن علاقته بالسياسة جاءت من خلال هذا الفضاء الثقافي، الذي تحوّل إلى مساحة نقاش مفتوحة.
كما روى المصري أنه اعتُقل خلال حملة أمنية في عام 1987، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد أربعة أيام بوساطة أحد الضباط المرتبطين بعائلته.
وأشار إلى أن آخرين اعتُقلوا معه قضوا سنوات طويلة في السجون.
وأكد المصري أنه اختار البقاء في سوريا رغم مغادرة كثير من أصدقائه، قائلاً: "صرت أحس أني مجروح بهالمدينة.. بدي ضل فيها".
وأوضح أن علاقته باللاذقية والبحر أصبحت جزءاً من هويته الشخصية.
وصف المصري الشاعر محمود درويش بأنه "الصورة الأبهى للشاعر العربي"، مشيراً إلى أنه لا ينتمي مباشرة إلى المدرسة الشعرية المتأثرة به، لكنه يحترم تجربته الشعرية والإنسانية.
أوضح المصري أن مقاله "ليتها لم تكن" جاء في لحظة انهيار نفسي وإنساني عميق فرضتها سنوات الحرب والدمار، واصفاً كتابة المقال بأنها كانت أشبه بمحاولة انتحارية، لأنه شعر حينها بأنه يضع كامل رصيده المعنوي والفكري على المحك.
وأكد أن المقال لم يكن بأي شكل من الأشكال دعوة للعودة إلى عهد الأسد أو دفاعاً عن بقاء النظام، بل كان تعبيراً صريحاً عن حالة اليأس والصدمة أمام حجم المأساة التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية. وشدد على أن فكرة بقاء النظام "لم تكن مطروحة أبداً" بالنسبة إليه
كشف المصري أنه أُدرج عام 2021 على "قائمة الإرهاب"، بتهم اعتبرها غير مبنية على أي أدلة، موضحاً أن الملف الذي قُدّم بحقه تضمّن اتهامات من بينها "التحريض على الشغب" و"تمويل الإرهاب"، مؤكدا أن تلك الاتهامات لم تستند إلى أي أدلة حقيقية.
وقال المصري إن اللحظة كانت شديدة القسوة، إذ وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الهروب وترك كل شيء خلفه، أو تسليم نفسه للنظام. مشيراً إلى أنه اختار في النهاية تسليم نفسه إلى "محكمة الإرهاب" في دمشق.
اعتبر المصري أن سقوط نظام الأسد شكّل "حدثاً كبيراً" في تاريخ سوريا، لكنه في الوقت ذاته لا يعتقد أن البلاد ستتحول سريعاً إلى "سوريا الحلم"، على حد وصفه.
وأوضح أن ما يطمح إليه اليوم ليس الشعارات الكبرى، بل بناء بلد "يصلح للعيش"، مؤكداً أن مطالبه الأساسية تتمثل في الحرية والكرامة والعدالة لجميع السوريين، دون استثناء.
وفي معرض حديثه عن مستقبل سوريا أوضح المصري بأنه ما يزال يحمل قدرا من التفاؤل، لكنه تفاؤل لا يتعلق بمستقبله الشخصي بقدر ما يرتبط بمستقبل السوريين أنفسهم.
وقال: "أنا متفائل… لكن ليس لأجلي". وأضاف واصفا حالته النفسية: "أنا مكبّل بالأمل".
وأكد أنه يتمنى فقط أن يتمكن السوريون من العيش في بلد طبيعي وآمن، بعد عقود طويلة من الخوف والاستبداد.
واختتم اللقاء بقراءة مقطع شعري للشاعر محمد سيدة، جاء فيه:
"يا إلهي إذا كانت هي البحر فاجعلني الشاطئ الذي يحتويها بين ساعدين
Loading ads...
حتى في كفها الصغيرة الشائبة بحيرة زرقاء تسبح بها الأسماك الملونة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



