منذ أيام، كنتُ في الحافلة، وفي مقعد خلفي، كان رجلٌ ما يجري مكالمةً، لمرات ثلاث، أعاد الطلب ذاته، بالصوت المنكسر: "ابنتي خرجت من العناية المشددة قبل بضعة أيام، قسماً بالله لم أتمكن من أن أبتاع لها الدواء، يجب أن نعطيها أربع حقن بمليون ومئتي ألف ليرة سورية (ما يعادل أقل من مئة دولار)، أرجوك إن كنت تستطيع مساعدتي، واللهِ ما طلبت من أحدٍ سابقاً، لو أعنتني بإقراضي ما يكفي لحقنة واحدة فقط".
شعرتُ بغصة في حنجرتي، تحسستُ حقيبتي التي ليس فيها أكثر مما يعادل دولاراً ونصف الدولار. قلت: "لو استلمت راتبي الشهر السابق، لاستطعتُ أن أُعين هذا الرَّجل".
وتذكّرت أنني أحمل علبة دواء لوالدتي في الحقيبة، والتي يساوي سعرها أقل من ثلاثة دولارات، وكيف أنني واقعة في حيرة، بين أن أقبل استرداد المبلغ من والدتي أم لا، فأنا لا أحبّذ أن آخذ منها مالاً عندما أحضر لها الأدوية ولكنني الآن في ضائقة مالية كبيرة، وكيف أنّ والدتي، التي لا تتمكّن من شراء كامل أدويتها سوى بالاقتراض، تساعدني بأدويتي.
والدتي ذاتها، قبل عام من الآن، دخلت إلى مستشفى حكومي، واحتاجت نقلاً إلى العناية المركزة.
لم يكن هناك من متّسع لها في العناية في المستشفى نفسها، نصحونا الأطباء بنقلها إلى مستشفى خاص، وإلا فارقت الحياة بين لحظة وأخرى. لم أملك من المال أو المجوهرات ما يكفي لبقائها ليوم واحد في أي مستشفى خاص.
في سوريا، لا نتشارك الفقر، بل نتشارك العجز. هذا السيف الذي يشطر صاحبه إلى أقسامٍ صغيرة.
حكاية الرجل ليست استثناءً في سوريا، إنّها تجربة مألوفة على نطاق واسع. راتب الموظّف لا يصل إلى مئتي دولار في الشهر، بينما قد تصل فاتورة الكهرباء إلى ضعفي هذا المبلغ. المواصلات التي تحتاجها للذهاب إلى عملك والعودة منه، الحافلات تحديداً، تبتلع جزءاً كبيراً من الراتب. لن أقول سيارات الأجرة، لأنّها حتماً لن تكون خياراً متاحاً للموظّف، فهي أكبر من إمكانياته.
ولو تحدّثنا عن الأدوية، فالأمر صعب هنا. المعادلة قريبة من الاستحالة، لأنّك إن تمكّنتَ من الذهاب إلى الطبيب، فكيف بإمكانك شراء الأدوية التي يصفها لك أو أن تُجري التحاليل التي طلبها منك؟
لن أتوسّع بالمشكلات التي عانيناها بكيفية تأمين الدواء لوالدتي عندما كانت في المستشفى. ولن أتطرّق إلى مسألة إلغاء مراجعة الأطباء من قاموسي. بل سأذهب إلى ما هو أكبر وأشدّ مصاباً: "نحن أفضل من عددٍ هائلٍ من أهل هذه البلاد". هذه العبارة التي يحاول البعض مواساتي بها، خنجر مزروع في قلبي.
مصيبة سواك لا تخفف مصابك. أن يكون هناك من هو أسوأ حالاً مني، لا يعني أنني بخير، بل يعني أن خللاً ما أصاب هذا العالم. لا أريد للأطفال أن يموتوا جوعاً ومرضاً. لا أريد أن تكون المواساة الوحيدة التي نملكها هي أن نقارن جراحنا بجراح الآخرين.
الحياة في هذا البلد لأمثالي ومن هم أكثر سوءاً من وضعي، باتت معادلة مستحيلة. أن تقضي يومك مشغولاً بالتفكير، كيفَ تؤمّن الدواء، وكيف تدفع فاتورة كهرباء أكبر من راتبك أحياناً، وكيف تدفع إيجار البيت الذي تسكنه، البيت الذي يأكلك فيه العفن شتاءً، وتحرقك فيه الحرارة صيفاً، البيت الذي لا تملكه ولن تملكه، والذي عليك أن تدفع أجرته لأشهرٍ قادمة، لا تعرف إن كنت ستحياها، أم سيقضي عليك اليأس فيها، ويعفيك من دفع الكثير من الفواتير. ويُنهي معاناتك.
بعض الأشخاص باتوا يطفئون الكهرباء بأيديهم، قبل أن تنقطع باليد العليا. ففي سوريا، الكهرباء ليست خدمة. لقد صارت ترفاً.
هنا حيث تتشظّى، لا تعرف أي شعور عليك أن تواجه. الشعور بالذنب تجاه الأبناء الذين تعجز عن تلبية متطلباتهم الطبيعية، أم تجاه من هم أسوأ حالاً منك ولم تتمكّن من مساعدتهم لأنّك بحاجة إلى المساعدة، أم الخوف من الأمراض والتكاليف التي ترافقها، أم اليأس من أن يأتي الغد الأفضل.
ما أقسى أن نفقد الأمل الذي كُنّا نتناوله كحبّة دواء، نداوي فيها جراحنا التي لا تُرى بالعين ونكفكف به دموعنا، محاولين الحفاظ على رباطة جأشنا أمام من نُحِب.
الكثير من الأمور التي كُنّا نستند إليها، صارت أضعف من أن نهشَّ بها ذبابة.
كُنّا نعوّل على التعليم، والقول أني لو حاربت كل ما يحيط بي من محبطات، ودرست ونلت شهادةً، سأحظى بوظيفة مرموقة، بمكانة في المجتمع، وبراتب يؤمّن لي الحياة الكريمة، لنتفاجأ بأنّ الشهادات في هذا البلد لم تعد تضمن لصاحبها الحياة التي كان يتوقّعها. الآن، ترى أطباءً ومهندسين وأساتذة يعملون في البناء والحياكة ومحال بيع الملابس، وحتى الذي يعمل بما يتناسب مع شهادته، غير قادر على تأمين الحياة الكريمة التي حلم بها لأعوام وجدّ من أجلها. الرواتب في هذا البلد، تقتل أي طموح داخل الشخص.
لقد انتقلنا من مرحلة إلى أخرى. من آمال ببناء منزلٍ، ووظيفة، ومكانة اجتماعية، إلى التفكير بكيف ننجو هذا الشهر؟
عندما تنهمك في التفكير بالطريقة التي ستكمل بها يومك، وبكمّ الفواتير التي عليك دفعها، وبكيفية تأمين متطلبات ضرورية للعيش، أي مستقبل هذا الذي ستعوّل عليه، أو تفكّر فيه؟
الكرامة في سوريا لم تعد شيئاً يملكه الإنسان. إنها شيء يشتريه من يستطيع. ومن لا يستطيع، يبيعها كل صباح في طابور الخبز، لقاء عدّة أرغف يسد بها جوع عائلته، ثم يختبئ مساءً في إحدى الزوايا ليبكي عليها في العتمة.
كان السوري يحزن على من غادر مجبراً، يتطلّع إلى عودته قريباً. الآن، من يحبّ شخصاً (من كان صادقاً في محبته) لم يعد ينصحه بأن يعود. ويفكّر بالطريقة التي تمكّنه من الرحيل بدوره، لأيّ مكان في هذا العالم. أيّ مكان يتناسب فيه راتبه مع ما يحتاجه. ليس كرهاً بهذا البلد، وإنّما عجز وحزن صارا أكبر من أن نستطيع حملهما على ظهورنا والمضي بهما قدماً.
أتساءل عن مصير من يولَد في هذا الزمن في هذا البلد، لعائلة من عامّة الشعب الذي لم يعد يعرف إلى الحياة سبيلاً. أيّ حياةٍ سيعيش؟ وأيّ مستقبلٍ بانتظاره؟
Loading ads...
الطفل السوري، لم يعد يكبر كأيّ طفلٍ في هذا العالم. لقد أمسى يشيخ وهو لا يزال في مقتبل العمر. وبشكل أبسط وأكثر مدعاة للقهر، ما عاد السؤال الذي نطرحه: كيف نعيش؟ وإنّما: كيف ننجو؟ وإن تمكنّا من النجاة، فما هو الثمن الذي يتوجّب علينا دفعه؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






