6 أشهر
ديون الحرب أم الدولة؟.. كيف تُعاد صياغة التزامات سوريا تجاه إيران وروسيا؟
الإثنين، 5 يناير 2026

عادت قضية الديون المتراكمة على الدولة السورية لصالح كل من إيران وروسيا لتتصدر واجهة المشهد الاقتصادي والسياسي من جديد، بوصفها واحدة من أعقد التركات التي خلفتها سنوات الصراع، حيث تتجاوز هذه المعضلة حدود الأرقام والبيانات المالية لتتحول إلى اشتباك قانوني وسياسي يمس جوهر السيادة ومستقبل التعافي الوطني.
يأتي ذلك بعد أن عاد وزير المالية السوري محمد يسر برنية ليفتح الملف من جديد وكشفه أن الحكومة السورية تعمل على إعداد مطالبات مالية مضادة ضد إيران وروسيا قد تتجاوز بأضعاف ما تطالب به، ووصفه تلك الديون بأنها “ديون بغيضة”.
من الأرقام إلى السياسة والسيادة
تصريحات برنية تشير إلى أن ملف التسويات وضع في منطقة رمادية بين المطالبات الدولية والادعاءات المحلية حول حالات السداد أو إعادة التصنيف، ويجعل هذا التباين في الأرقام والخرائط المالية ي من الضروري قراءة الملف ليس كقائمة التزامات رقمية فحسب، بل كتركيبة سياسية تترتب عليها التزامات أخلاقية وقانونية تجاه المجتمع السوري.
سوريا والدَّين الخارجي لإيران وروسيا: ديون نظام حرب لا التزامات دولة الدَّيْن المترتب على سوريا لإيران وروسيا لا يرتبط بقيمته المالية، بل بطبيعته القانونية والسياسية والتاريخية، وبالجدل حول ما إذا كان دَيْنًا سياديًّا على الدولة السورية، أم التزامًا نشأ خلال الحرب، وخدَم بقاء…— يَحْيَى السَّيِّد عُمَر (@yahyaomarYO) January 5, 2026
في هذا السياق اعتبر الخبير والباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن ملف الديون المترتبة على سوريا لكل من إيران وروسيا لا يمكن مقاربته من زاوية رقمية أو مالية صرفة، محذرًا من اختزال القضية في قيمة الدين أو آليات سداده، في حين أن جوهر الإشكال يكمن في طبيعته القانونية والسياسية والتاريخية.
وأوضح خلال منشور له، أن الجدل الحقيقي يتمحور حول ما إذا كانت هذه الالتزامات تُعد ديونًا سيادية على الدولة السورية، أم أنها التزامات نشأت في سياق حرب شاملة، وخدمت بقاء نظام سياسي محدد، لا مصالح المجتمع السوري ولا متطلبات التنمية.
أشار عمر إلى أن الخلط القائم بين ديون الدول في الظروف الطبيعية وديون الأنظمة خلال الحروب يمثل خطأً مفاهيميًا خطيرًا، إذ إن هذه الالتزامات لم تنشأ ضمن سياسة اقتصادية عامة، ولم تُوظف في مشاريع إنتاجية أو تنموية تعود بالنفع على المجتمع، بل جاءت في إطار ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تلجأ الأنظمة المحاصرة إلى التمويل الخارجي لتأمين بقائها السياسي والعسكري، لا لبناء مؤسسات الدولة أو تعزيز رفاه المواطنين.
التجارب الدولية المقارنة أظهرت أن الديون التي تراكمت خلال النزاعات المسلحة خضعت في العديد من الحالات لمراجعات شاملة، انطلقت من تقييم طبيعة الإنفاق والجهة المستفيدة منه، مشيرًا إلى أن هذه التجارب أثبتت أن الالتزامات التي لا تحقق منفعة عامة، ولا تترك أثرًا تنمويًا قابلًا للقياس، لا تُعامل تلقائيًا بوصفها ديونًا سيادية كاملة، بل يجري إخضاعها لمساءلة قانونية وسياسية دقيقة.
الخبير والباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر
وفي الحالة السورية، شدد عمر على أن الوقائع تشير بوضوح إلى أن الأموال التي قُدمت من إيران وروسيا لم تُوجه إلى إعادة إعمار البنية التحتية، ولا إلى دعم القطاعات الإنتاجية أو تحسين الخدمات العامة، بل استُخدمت في تمويل آلة الحرب، ودعم الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام البائد، وأسهمت بصورة مباشرة في إطالة أمد الصراع، وما ترتب عليه من دمار واسع طال الإنسان والمكان، موضحًا أنه بذلك المستفيد من هذه القروض لم يكن المجتمع السوري، بل دائرة سلطوية ضيقة استخدمت الموارد لضمان استمرارها في الحكم.
الديون البغيضة كمدخل قانوني
بناءً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أنه لا يمكن توصيف هذه الالتزامات على أنها ديون مترتبة على الدولة السورية بوصفها كيانًا يمثل المجتمع، بل يجب التعامل معها كديون نظام سياسي سقط، استدان من أجل البقاء لا من أجل التنمية.
ويؤسس هذا التوصيف لمقاربة قانونية مختلفة تستند إلى مفهوم “الديون البغيضة”، وهو مفهوم معترف به في الفقه الاقتصادي والقانوني الدولي، ويقر بعدم إلزام الدول بسداد ديون لم تُستخدم لصالح شعوبها، ولا سيما عندما ترتبط بانتهاكات جسيمة وجرائم واسعة النطاق.
اقتصاديًا، حذر عمر من أن تحميل المجتمع السوري أعباء التزامات لم يستفد منها ولم تُنتج أي قيمة مضافة يشكل خطرًا مباشرًا على الاستقرار المالي والاجتماعي، ويقوض فرص التعافي وإعادة البناء، أما سياسيًا، فرأى أن القبول بهذه الديون دون مراجعة نقدية يعادل، برأيه، إعادة إنتاج غير مباشرة لإرث النظام البائد، وإضفاء شرعية متأخرة على سياساته.
Loading ads...
وختم بالتأكيد أن الموقف من هذه الديون لا ينطوي على رفض للقانون الدولي، بل على رفض لتطبيقه بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي، لافتًا إلى أن الالتزامات التي نشأت في ظل الحرب، ومولت بها أدوات العنف لا التنمية، لا يمكن التعامل معها كديون دولة طبيعية، مشددًا على أن المقاربة المتوازنة تفرض إعادة توصيفها كديون “نظام حرب”، مع وضع مصلحة المجتمع السوري وحقه في التعافي في صدارة أي مسار تفاوضي أو قانوني مقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

