ساعة واحدة
من يملك مفاتيح المتوسط؟ الكابل الذي أشعل صراع تركيا واليونان على قاع البحر
الأحد، 1 نوفمبر 2026
كانت السفينة الإيطالية "إيفولي ريلوم" تبحث في قاع البحر عن مسار مناسب لكابل كهربائي يصل جزيرة كريت اليونانية بقبرص، حين وجدت نفسها في قلب مواجهة بحرية بين تركيا واليونان. فالمهمة التي حملتها إلى المياه الواقعة جنوب جزيرتي كاسوس وكارباثوس، في يوليو/تموز 2024، استدعت تحرك خمس سفن حربية تركية، قابلتها قطع بحرية يونانية، بعدما اعترضت أنقرة على أعمال المسح في منطقة تعدُّها امتدادا لجرفها القاري. أما أثينا، فكانت ترى أن السفينة تعمل بموجب تصاريح مشروعة وفي نطاق الحقوق البحرية لجزرها. وتصاعد التوتر حتى استدعى اتصالات مباشرة بين وزيري خارجية البلدين لاحتوائه، بينما بقي الخلاف قائما حول الجهة التي تملك صلاحية تنظيم الأعمال في تلك المياه.
كان الكابل الذي تبحث السفينة عن مساره جزءا من مشروع "الربط البحري الكبير"، الذي يطمح إلى وصل شبكة الكهرباء القبرصية بأوروبا عبر اليونان، مع إمكانية تمديده لاحقا إلى إسرائيل. وتبلغ تكلفته التقديرية نحو 1.9 مليار يورو (نحو 2.1 مليار دولار)، ويُفترض أن يُنهي عزلة قبرص عن شبكات الكهرباء الأوروبية. لكن الطريق الذي اختير له يمر عبر منطقة لم تتفق بَعْد الدول المطلة عليها على ترسيم حدودها البحرية. إذ إن الجزر التي تستند إليها اليونان في تحديد جرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة تقابلها مطالبات تركية تقوم على تصور مختلف لأثر تلك الجزر في ترسيم الحدود.
بعد أكثر من عامين على مواجهة كاسوس، عادت محاولة استكمال المسوحات لتوقظ الخلاف من جديد. فقد تقدمت شركة "نيكسانس" الفرنسية في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بطلب لاستئناف الأعمال المتعثرة، بينما كانت التطورات السياسية على الضفة الجنوبية للمتوسط تضيف تعقيدا جديدا إلى المشهد. ففي العشرين من الشهر نفسه، وافق مجلس النواب الليبي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقَّعته حكومة طرابلس مع تركيا عام 2019، بعدما عارضه لسنوات. ورحبت أنقرة بالخطوة، فيما سارعت أثينا إلى رفضها، معتبرة أن الاتفاق يتجاهل "الحقوق البحرية" لجزرها. وهكذا عاد الاتفاق الذي رسم خطا بحريا بين الساحلين التركي والليبي إلى قلب الخلاف الإقليمي، في وقت كانت فيه المساعي جارية لإعادة سفن المسح إلى العمل.
"عاد الاتفاق الذي رسم خطا بحريا بين الساحلين التركي والليبي إلى قلب الخلاف الإقليمي"
تكمن خصوصية هذه المواجهة في أن المشروع يتعلق بنقل الكهرباء، وهو نشاط يميزه القانون الدولي عن استغلال النفط والغاز في الجرف القاري، وتثير الأعمال الفنية السابقة لمد الكابل مسائل قانونية مستقلة. ومع دخول الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة على خط المصالح المرتبطة بالمشروع، وتزايد المخاوف من تكلفته وتأخر إنجازه، بات مصير الربط الكهربائي اختبارا تتقاطع فيه المطالبات البحرية مع القدرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية الإستراتيجية. فمن يملك صلاحية تنظيم النشاط في المساحات التي تتداخل فيها حقوق الدول؟ وإلى أي مدى تستطيع التفاهمات السياسية تجاوز خلافات لم تنجح عقود من المفاوضات في تسويتها؟
قد تكون جزيرة صغيرة كافية لتغيير مسار حدود بحرية تمتد مئات الكيلومترات، خصوصا عندما تقع قبالة سواحل دولة أخرى وتتشابك حقوقها مع امتداد تلك السواحل نحو البحر. وفي شرق المتوسط، منحت الجغرافيا هذه المسألة حساسية استثنائية، إذ تنتشر جزر يونانية على مقربة من الساحل التركي، بينما تحتل كريت وكارباثوس وكاسوس مواقع مؤثرة في رسم الحدود المحتمل بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية. ومن هذه الجزر تنطلق واحدة من أعقد القضايا العالقة بين أنقرة وأثينا، تتصل بالمساحات البحرية التي يحق لكل منهما استغلال مواردها وممارسة اختصاصاته فيها.
تستند اليونان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تقرر مادتها 121 أن الجزر تتمتع، من حيث المبدأ، بمناطق بحرية على غرار اليابسة القارية، مع استثناء يتعلق بالصخور التي تعجز عن إعالة سكنى بشرية أو حياة اقتصادية خاصة بها. وبناء على ذلك، تتمسك أثينا بحق جزرها، بما فيها القريبة من الساحل التركي، في توليد جرف قاري ومنطقة اقتصادية خالصة، وتدافع عن اعتماد خط الوسط أساسا لترسيم الحدود مع السواحل المقابلة. في المقابل، تنطلق أنقرة، التي لم تنضم إلى اتفاقية قانون البحار، من قراءة مختلفة للجغرافيا الإقليمية، وترى أن منح بعض الجزر أثرا واسعا في الترسيم قد يحاصر الامتداد البحري للساحل التركي، ويؤدي إلى نتائج تتعارض مع مبدأ الإنصاف الذي تستند إليه في تحديد المناطق البحرية.
"تمنح السوابق القضائية الدولية هذا الخلاف مساحة واسعة للتفسير"
وتمنح السوابق القضائية الدولية هذا الخلاف مساحة واسعة للتفسير، إذ تميز بين حق الجزيرة في توليد منطقة بحرية، والوزن الذي تحصل عليه عند ترسيم حدودها مع دولة أخرى. وقد برز هذا التمييز في حكم محكمة العدل الدولية بشأن النزاع بين رومانيا وأوكرانيا في البحر الأسود عام 2009، حين تجنبت المحكمة منح جزيرة الثعابين أثرا إضافيا في ترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، يتجاوز الحدود المرتبطة ببحرها الإقليمي. ومع ذلك، فإن تطبيق قواعد الترسيم يرتبط بالظروف الجغرافية لكل نزاع، وتختلف جزيرة صغيرة مثل جزيرة الثعابين عن كريت، إذ إن الأخيرة مساحتها كبيرة ويتجاوز سكانها نصف مليون يوناني. ولهذا تتجاوز المسألة الاحتجاج بقاعدة قانونية منفردة، لتصل إلى كيفية تطبيق مبادئ الترسيم على جغرافيا شديدة التعقيد.
وظلت هذه الخلافات حاضرة في العلاقات التركية اليونانية لعقود، قبل أن تكتسب امتدادا إقليميا جديدا مع توقيع تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة لتحديد مناطق الاختصاص البحري في نوفمبر/تشرين الثاني 2019. فقد رسم الطرفان خطا يفصل بين المناطق التي يعتبرانها امتدادا لحقوقهما البحرية، وفق تصور يمنح السواحل القارية التركية والليبية وزنا أساسيا في الترسيم، ويختلف عن الأثر الذي تطالب به اليونان لجزرها الواقعة بينهما. ورأت أنقرة في الاتفاق تثبيتا لمطالباتها استنادا إلى مبدأ الإنصاف، بينما اعتبرته أثينا تجاوزا للحقوق البحرية لجزرها، وفي مقدمتها كريت، التي ترى أن موقعها وحجمها يمنحانها استحقاقات بحرية ينبغي أخذها في الاعتبار.
حمل الاتفاق أهمية سياسية تتجاوز الخط البحري الذي رسمه، فقد وسَّع نطاق التنافس من المواجهة التركية اليونانية إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، وأدخل ليبيا طرفا مباشرا في توزيع المناطق البحرية. وباتت أنقرة تستند إلى تفاهم مع دولة تقع على الساحل المقابل، فيما وجدت اليونان نفسها أمام اتفاق يكرس تصورا للحدود يتعارض مع مطالباتها. فيما رأت دول أخرى أن الخط المتفق عليه يمس حقوقا بحرية تطالب بها، ويعيد رسم العلاقات بين سواحل المنطقة على نحو يخالف قراءتها لقانون البحار.
وجاء الرد اليوناني الأبرز في أغسطس/آب 2020، عندما أبرمت أثينا والقاهرة اتفاقا لترسيم جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما. وقد عكس الاتفاق تصورا مختلفا لتوزيع الحقوق البحرية، يأخذ في الاعتبار الامتداد البحري للجزر اليونانية، ضمن حدود الترسيم الجزئي الذي اتفق عليه البلدان. وبذلك بات شرق المتوسط أمام اتفاقين يعكسان قراءتين متعارضتين للجغرافيا البحرية، إحداهما تتبناها أنقرة وطرابلس، والأخرى تستند إليها أثينا والقاهرة. ورفضت تركيا الاتفاق اليوناني المصري، كما واصلت اليونان اعتراضها على مذكرة أنقرة وطرابلس، فيما بقيت المساحات التي تتداخل فيها المطالبات مفتوحة على خلاف سياسي وقانوني يصعب فصله عن التنافس الإقليمي الأوسع.
"بات شرق المتوسط أمام اتفاقين يعكسان قراءتين متعارضتين للجغرافيا البحرية، إحداهما تتبناها أنقرة وطرابلس، والأخرى تستند إليها أثينا"
ومع اتساع الجدل حول الاتفاقين، برزت أهمية التمييز بين إبرام معاهدة لترسيم الحدود وبين قدرتها على إنتاج آثار قانونية تجاه الدول الأخرى. فالاتفاقات الثنائية تنظم الحقوق والالتزامات بين أطرافها، وتظل حقوق الدول الثالثة مسألة مستقلة تحكمها قواعد القانون الدولي. وينطبق هذا التمييز على تسجيل مذكرة تركيا وليبيا لدى الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2019، الذي وثَّق إيداعها وفق الإجراءات المعتمدة، من دون أن يشكل حكما دوليا بصحة خط الترسيم أو يحسم الاعتراضات التي أثارها.
وتعقَّد المشهد أكثر بفعل الانقسام السياسي الليبي، الذي جعل الاتفاق موضع خلاف داخل الدولة الموقعة عليه نفسها. فقد تمسَّكت حكومة طرابلس بالمذكرة وبعلاقاتها مع أنقرة، في حين اتخذ مجلس النواب المتمركز في شرق البلاد عام 2020 قرارات تعارض الاتفاق والتعاون السياسي مع تركيا. وعلى هذه الخلفية، اكتسب تصويت المجلس في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أهمية خاصة، بعدما أعلن الموافقة بالإجماع على المذكرة وإلغاء قراريه السابقين المتعلقين برفضها. وقد شكل ذلك تحولا في موقف مؤسسة ليبية ظلت لسنوات على خلاف مع حكومة طرابلس بشأن الاتفاق، وفتح مجالا جديدا للتقارب السياسي مع تركيا.
واستقبلت أنقرة القرار بوصفه دعما للاتفاق الذي تتمسك بشرعيته منذ توقيعه، بينما جددت أثينا رفضها لخطوط الترسيم التي يتضمنها. وترى اليونان أن غياب السواحل المتقابلة أو المتجاورة بين تركيا وليبيا، وفق تصورها للحقوق البحرية للجزر الواقعة بينهما، يُضعِف الأساس القانوني للمذكرة. أما تركيا فتتمسك بأن الاتفاق يستند إلى مبادئ القانون الدولي والإنصاف.
وتساعد العودة إلى الخريطة على فهم الصلة بين الاتفاق التركي الليبي والمواجهة التي شهدتها المياه القريبة من كاسوس. فالخط المحدد في مذكرة عام 2019 يقع في نطاق جغرافي مختلف عن موضع المسوحات التي اعترضت عليها تركيا عام 2024، لكن الحالتين تنتميان إلى خلاف أوسع حول امتداد الحقوق البحرية للجزر وحدود المطالبات التركية بالجرف القاري. ومن هنا اكتسبت الاتفاقات الثنائية أهمية تتجاوز أطرافها المباشرين، إذ أصبحت جزءا من الأسس السياسية والقانونية التي يحتج بها كل طرف في مواجهة التصورات الإقليمية المنافسة.
"تجاوزت قصة الكابل الكهربائي حسابات الهندسة والطاقة إلى اختبار حدود الاختصاص البحري في شرق المتوسط"
ومنحت مشروعات البنية التحتية البحرية هذه الخلافات بُعدا عمليا متزايدا. فحدود الاختصاص التي تتنازع عليها الدول تحدد أيضا مواقفها من الأعمال التي تجري فوق قاع البحر وتحته، ومن التصاريح والإجراءات اللازمة لتنفيذها. ومع انتقال مشروع الربط الكهربائي من التصورات الهندسية إلى مسوحات المسار، وجدت الشركات والسفن العاملة فيه نفسها أمام مطالبات بحرية متعارضة يتعين التعامل معها خلال التنفيذ. وكان الخلاف الذي تجسد في اتفاقات الترسيم والخرائط الدبلوماسية قد وصل إلى مرحلة أصبحت فيها طبيعة العمل الذي تؤديه سفينة أبحاث، والموقع الذي تجري فيه مسوحاتها، مسألتين قادرتين على إثارة أزمة بين دولتين. ومن هذه النقطة بدأت قصة الكابل الكهربائي تتجاوز حسابات الهندسة والطاقة إلى اختبار حدود الاختصاص البحري في شرق المتوسط.
كان على المهندسين الذين يخططون لوصل قبرص بشبكة الكهرباء الأوروبية أن يعثروا على طريق آمن لكابل يمتد مئات الكيلومترات في قاع المتوسط، ويعبر مناطق تصل أعماقها إلى نحو ثلاثة آلاف متر. وفي تلك الأعماق، تصبح تضاريس البحر جزءا من حسابات المشروع، فقد يعترض المسار منحدرا حادا أو تكوينا صخريا يجعل مد الكابل وحمايته أكثر صعوبة وكلفة. ولهذا تسبق أعمال الإنشاء مسوحات دقيقة للأعماق وطبيعة القاع، تساعد على تحديد الطريق المناسب، وتكشف ما قد يواجهه الكابل من مخاطر طوال سنوات تشغيله.
يمتد الجزء المخطط بين كريت وقبرص نحو 898 كيلومترا، بقدرة تبلغ ألف ميغاواط، تسمح بتبادل الكهرباء في الاتجاهين. وقد خصص الاتحاد الأوروبي للمشروع منحة قدرها 657 مليون يورو (نحو 735 ملايين دولار)، ضمن تكلفة تقديرية تصل إلى 1.9 مليار يورو (نحو 2.1 مليار دولار). وتأمل قبرص أن ينهي الكابل عزلتها عن شبكات الكهرباء الأوروبية، وأن يتيح لها الاستفادة من تبادل الطاقة مع الأسواق المجاورة، بما في ذلك الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة. أما الاتصال بإسرائيل، فيبقى جزءا من مرحلة لاحقة في التصور الأوسع للمشروع.
كانت المهمة الهندسية معقدة بما يكفي، لكن انتقال الأعمال إلى البحر أضاف إليها عقبة لم تكن الخرائط الفنية قادرة على حلها. فقد اقتربت المسوحات المطلوبة لتحديد مسار الكابل من مناطق تتعارض فيها المطالبات التركية واليونانية، حيث بات تحديد موقع السفينة والتصريح الذي تعمل بموجبه موضع خلاف بين الدولتين. ومع بدء العمليات الميدانية، أصبحت الشركة المنفذة مضطرة إلى التعامل مع حساسية سياسية لا تتعلق بطبيعة الكابل أو مواصفاته، وإنما بالحقوق التي تطالب بها كل دولة في المنطقة البحرية التي تجري فيها الأعمال.
وقد أظهرت مواجهة كاسوس في يوليو/تموز 2024 مدى تأثير هذه الخلافات في تقدم المشروع. فبعد احتواء التوتر عبر الاتصالات الدبلوماسية، بقيت نتيجة مهمة السفينة الإيطالية "إيفولي ريلوم" موضع روايتين متعارضتين، إذ صورت المصادر التركية تدخل البحرية بوصفه دفاعا عن حقوق أنقرة في جرفها القاري، فيما تمسكت أثينا بمشروعية التصاريح اليونانية، وقدمت رواية مختلفة عن الأعمال التي تمكنت السفينة من إنجازها. وكان استمرار الخلاف حول المسوحات يعني أن أي محاولة جديدة لاستكمالها ستعيد طرح السؤال نفسه عن حدود الاختصاص البحري في تلك المياه.
وعاد هذا الاحتمال إلى الواجهة عندما تقدمت شركة "نيكسانس" الفرنسية، في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بطلب لاستئناف المسوحات باستخدام سفينة "أبيي مارينغو". وشمل الطلب الحصول على التصاريح اللازمة من السلطات اليونانية، تمهيدا لإجراء الأعمال وإصدار التحذيرات الملاحية المرتبطة بها. وبحلول 19 أكتوبر/تشرين الأول، كانت السفينة لا تزال تنتظر الموافقات، وسط توقعات بإمكان بدء العمل في أواخر أكتوبر/تشرين الأول أو مطلع نوفمبر/تشرين الثاني. وهكذا عادت الاستعدادات الفنية لتكشف أن العقبة التي ظهرت قبل أكثر من عامين بقيت حاضرة عند كل محاولة للانتقال إلى البحر.
وتوضح المعدات التي يفترض أن تحملها السفينة طبيعة الأعمال المطلوبة قبل مد الكابل. فقياس الأعماق ورصد تضاريس القاع، إلى جانب الكشف عن العوائق المعدنية وأخذ العينات، كلها إجراءات تساعد المهندسين في اختيار المسار وتحديد احتياجات الحماية والإنشاء. بيد أن هذه التفاصيل الفنية تلامس مسألة قانونية حساسة، إذ تختلف الدول حول طبيعة بعض المسوحات التي تُجرى في المناطق البحرية المتنازع عليها، وما إذا كانت تتطلب موافقة الدولة التي تطالب بالاختصاص، أم تدخل ضمن الأنشطة المرتبطة بحرية مد الكابلات.
وظهرت حساسية الإجراءات كذلك في الجدل حول احتمال إخطار تركيا بعودة المسوحات. فقد تحدثت صحيفة "كاثيميريني" (Kathimerini) اليونانية عن صيغة محتملة تسمح باستئناف العمل مع إبلاغ أنقرة به، على أساس التمييز بين الإخطار الملاحي وطلب الإذن. لكن شركة "نيكسانس" الفرنسية نفت إجراء اتصالات مع السلطات التركية أو التخطيط لها بشأن الأعمال المقبلة، مؤكدة أن تنسيقها يتم مع الجهة المنفذة والسلطات اليونانية والقبرصية. وبقيت المسألة مفتوحة على تفسيرات سياسية مختلفة، لأن الإجراء الذي تعتبره دولة إخطارا مرتبطا بسلامة الملاحة قد تنظر إليه دولة أخرى باعتباره إقرارا بصلاحية تطالب بها.
وتكمن أهمية هذا الخلاف في أن القانون الدولي يميز بين مد الكابلات البحرية واستغلال موارد الجرف القاري. فالمادة 79 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تقر بحق الدول في مد الكابلات وخطوط الأنابيب فوق الجرف القاري، مع مراعاة الحقوق المقررة للدولة الساحلية، وتضع قيودا على قدرة هذه الدول على عرقلة مد الكابلات وصيانتها. ومن التفاصيل المهمة أن اشتراط موافقة الدولة الساحلية على تحديد المسار وَرَد صراحة بشأن خطوط الأنابيب، بينما يخضع مد الكابلات لأحكام أكثر إبهاما. وهذا التمييز يجعل الاعتراض على مشروع كابل كهربائي مسألة قانونية تختلف عن الاعتراض على أعمال التنقيب عن النفط والغاز.
"القانون الدولي يميز بين مد الكابلات البحرية واستغلال موارد الجرف القاري"
أما المسوحات التي تسبق مد الكابل فتثير إشكالا إضافيا. فالاتفاقية تنظم البحث العلمي البحري في أحكام مستقلة، وتقرر مادتها 246 نظاما لموافقة الدولة الساحلية على هذا النوع من الأبحاث داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة وفوق جرفها القاري. لكن الأعمال الفنية الخاصة بتحديد مسار كابل قد تشمل أنشطة لا تتطابق بالضرورة مع مفهوم البحث العلمي البحري، ويتوقف توصيفها القانوني على الغرض منها وطبيعة القياسات والموقع الذي تُجرى فيه. ولهذا يحتاج تقييم مشروعية مسح بعينه إلى معرفة تفاصيل المهمة وموقعها، بدلا من الاكتفاء بوصف عام لجميع أعمال السفن البحثية.
وفي موازاة ذلك، كانت تكلفة المشروع تتحول إلى مصدر قلق متزايد في قبرص واليونان. فقد كشف رئيس هيئة تنظيم الطاقة القبرصية أمام البرلمان، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن نحو 60% من المسوحات قد أُنجزت، بينما بقي استكمال النسبة المتبقية معلقا على تقدم الأعمال البحرية. وأوضح أن تصنيع الكابل قطع شوطا مهما، لكن التكلفة النهائية أصبحت موضع مراجعة، بعدما بات التقدير السابق البالغ 1.9 مليار يورو (نحو 2.1 مليار دولار) غير كاف للاعتماد عليه بثقة، خصوصا إذا استدعت نتائج المسوحات تغيير المسار. كما تأجل الموعد المتوقع لتشغيل المشروع إلى مطلع يناير/كانون الثاني 2031.
وامتدت تداعيات تعثر المسوحات إلى الجانب المالي للمشروع، بعدما ربطت قبرص الإفراج عن دفعة مقررة قدرها 25 مليون يورو (نحو 28 مليون دولار) بتقدم الإجراءات اللازمة لاستئناف الأعمال، وفي مقدمتها صدور الإخطار الملاحي المنتظر من اليونان. وكانت هيئة تنظيم الطاقة القبرصية قد اعترفت بنفقات بلغت 82 مليون يورو (نحو 92 مليون دولار) من أصل 302 مليون يورو (نحو 338 مليون دولار) طالب مشغل الشبكة اليوناني باعتمادها. وتعكس هذه التطورات مدى ارتباط التقدم الميداني بالالتزامات المالية والتنظيمية للمشروع، الذي تتحمل قبرص 63% من تكاليفه الاستثمارية المعتمدة، مقابل 37% لليونان، وفق ترتيبات توزيع الأعباء بين البلدين.
وتضع هذه التطورات الجهات المنفذة أمام خيارات ليست سهلة. فالعواقب أو الإبقاء على المسار المخطط يتطلب استكمال المسوحات في مناطق شهدت اعتراضات بحرية، بينما قد يؤدي البحث عن مسار بديل إلى دراسات إضافية وتكاليف جديدة. ويزيد التأخير بدوره الضغوط على التمويل والتعاقدات، في وقت تتطلع فيه قبرص إلى إنهاء عزلتها الكهربائية وتتمسك اليونان بالمضي في المشروع. ومن هنا أصبح التقدم في تصنيع الكابل وحده غير كاف لضمان إنجازه، إذ ترتبط خطوات التنفيذ التالية بقرارات سياسية وتنظيمية، وبقدرة الأطراف على التعامل مع المخاطر التي كشفها العمل في البحر.
وتتجلى المفارقة في أن المشروع الذي صُمم لربط شبكات الكهرباء أصبح معتمدا على شبكة أخرى من التفاهمات والموافقات والالتزامات المالية. فالسفن تحتاج إلى استكمال المسوحات، والشركات إلى وضوح بشأن المسار والكلفة، والحكومات إلى ترتيبات تسمح باستمرار العمل دون مواجهة بحرية جديدة. وقد بات ذلك اختبارا لمدى قدرة الدول على إدارة خلافاتها البحرية أثناء تنفيذ مشروع تدعمه مؤسسات أوروبية وتشارك فيه شركات دولية كبرى، وهو ما يفسر انتقال ملف الكابل من حسابات الطاقة والهندسة إلى دائرة أوسع من المصالح والتحركات الدبلوماسية في شرق المتوسط.
لم تكد تمر ساعات على موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا، حتى عاد الخلاف إلى طاولة الدبلوماسية الأوروبية. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي رفضه للاتفاق، معتبرا أنه يمس الحقوق السيادية لدول أخرى في شرق المتوسط، وفي اليوم التالي التقت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في بروكسل. كانت المؤسسات الأوروبية تدافع عن موقفها من الترسيم البحري، فيما تحرص على إبقاء الحوار مفتوحا مع أنقرة. وعلى مقربة من هذه الحسابات السياسية، كان مشروع الكابل بين كريت وقبرص ينتظر استكمال مسوحات لا تزال المطالبات البحرية المتعارضة تؤثر في إمكان تنفيذها.
يحظى الكابل بأهمية خاصة في بروكسل، إذ يعد بإنهاء عزلة قبرص، الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لم ترتبط شبكتها الكهربائية بعد بشبكات بقية الدول الأعضاء. وقد أدرجته المفوضية ضمن مشروعات الاهتمام الأوروبي المشترك، وخصصت له منحة تبلغ 657 مليون يورو (نحو 736 مليون دولار)، في إطار مساعيها إلى توسيع الربط الكهربائي وتعزيز أمن الطاقة. لكن المشروع وضع الاتحاد أمام تحد يتجاوز توفير التمويل، فاليونان وقبرص دولتان عضوان تطالبان بمساندة ما تعتبرانه حقوقهما البحرية، بينما ترتبط تركيا بأوروبا بمصالح اقتصادية وأمنية واسعة. ولهذا جمعت بروكسل بين دعم المشروع والموقف اليوناني القبرصي من النزاع، وبين استمرار التواصل الدبلوماسي مع أنقرة.
ويمتد هذا التشابك إلى فرنسا، التي يرتبط حضورها في المشروع بقدراتها الصناعية ومصالحها الاستثمارية. فشركة "نيكسانس" الفرنسية تتولى تصنيع منظومة الكابلات البحرية وتركيبها، بينما وقعت مجموعة "ميريديام" اتفاقا للاستحواذ على حصة أغلبية في المشروع. وتحتفظ باريس أيضا بعلاقات دفاعية وثيقة مع اليونان، وتشارك في تدريبات بحرية وجوية مع شركاء إقليميين، ما يمنحها حضورا أمنيا يتجاوز مصالح شركاتها. ومع ذلك، يظل تنفيذ العقود التجارية منفصلا عن أي قرار حكومي بتوفير حماية عسكرية لأعمال المسح، ولم يُعلن عن ترتيب فرنسي محدد من هذا النوع.
وقد وجدت "نيكسانس" نفسها أمام حدود هذا الفصل عندما أثير احتمال التواصل مع تركيا بشأن المسوحات الجديدة. فنفت الشركة إجراء اتصالات مع السلطات التركية أو التخطيط لها، مؤكدة أن تنسيقها يجري مع الجهة المنفذة والسلطات اليونانية والقبرصية. وبذلك بقيت مسؤوليتها محصورة في الأعمال الفنية والتعاقدية، فيما تُرك التعامل مع المطالبات البحرية المتعارضة للحكومات المعنية. وتستطيع الشركة إعداد الكابل وتجهيز السفن والمعدات اللازمة لمده، لكن استكمال مهمتها يتوقف أيضا على الإجراءات التي تسمح لها بالعمل في المناطق الحساسة.
وهنا يظهر مجال للدور الأمريكي، إذ ترتبط واشنطن بعلاقات أمنية وثيقة مع تركيا واليونان، العضوين في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تعاونها مع قبرص وإسرائيل. وقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، دعم بلاده لمشروع الربط الكهربائي، وربطه بتنويع مسارات إمدادات الطاقة وتعزيز أمنها. وأبدى استعداد واشنطن للمساعدة دبلوماسيا في تجاوز العقبات، مشددا على أهمية المحادثات المباشرة لمعالجة المسائل الحساسة التي تشمل أطرافا عدة.
وتستند إمكانات الحوار إلى مسار قائم بين أنقرة وأثينا منذ أواخر عام 2023، عندما وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس "إعلان أثينا للعلاقات الودية وحسن الجوار". وقد أعاد البلدان تنشيط الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي وإجراءات بناء الثقة، واستمر التواصل وصولا إلى اجتماع مجلس التعاون رفيع المستوى في أنقرة في فبراير/شباط 2026. وساعدت هذه القنوات على إدارة توترات سابقة، ومنها مواجهة كاسوس، مع بقاء الخلافات الأساسية حول الجرف القاري وحقوق الجزر وترسيم الحدود معلقة.
بيد أن تطبيق التهدئة على مشروع الكابل يظل مسألة دقيقة، حيث ترى أنقرة أن بعض المسوحات تجري في مناطق تطالب فيها بحقوق على الجرف القاري، وتحرص على ألا يؤدي استمرار الأعمال من دون مراعاة موقفها إلى تكريس ممارسات تناقض مطالباتها. أما أثينا، فتعد التصاريح التي تمنحها للسفن ممارسة لحقوقها البحرية، وتتحفظ على أي إجراء قد يُفهم باعتباره إقرارا بضرورة الحصول على موافقة تركية. ويظهر هذا التباين بوضوح عند التمييز بين إخطار دولة بوجود سفينة لأغراض سلامة الملاحة، والتنسيق معها بشأن النشاط، وطلب إذنها لتنفيذه، فلكل إجراء دلالة مختلفة في نزاع تقوم إحدى عقده على تحديد صاحب الاختصاص.
"الاتحاد الأوروبي يوفر التمويل والدعم السياسي، وتمتلك الشركات الفرنسية الخبرة اللازمة للتصنيع والتركيب، وتتيح علاقات واشنطن الإقليمية قنوات للمساعدة الدبلوماسية"
وقد تتيح التفاهمات العملية تخفيف هذه الحساسية، إذا اتفق الطرفان على ترتيبات للاتصال والإخطار الملاحي وتجنب الاحتكاك، مع احتفاظ كل منهما بموقفه من الحدود البحرية. وتقدم تجربة كاسوس دليلا على قدرة الاتصالات الدبلوماسية على احتواء التوتر، وإن بقيت نتيجة المسوحات ومشروعية الاعتراض محل خلاف. ويحتاج تطبيق ترتيبات مماثلة على الأعمال المقبلة إلى موافقة الطرفين على إجراءات واضحة، خصوصا أن المصادر المتاحة حتى الآن لم تكشف عن اتفاق جديد ينظم استكمال المسوحات.
وعلى هذه الخلفية، تتحدد قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في المشروع. فالاتحاد الأوروبي يوفر التمويل والدعم السياسي، وتمتلك الشركات الفرنسية الخبرة اللازمة للتصنيع والتركيب، وتتيح علاقات واشنطن الإقليمية قنوات للمساعدة الدبلوماسية. أما الظروف التي ستعمل فيها السفن فتتأثر مباشرة بالمواقف التركية واليونانية والقبرصية، وبالتفاهمات التي يمكن التوصل إليها. ومن هنا يكتسب البحث عن ترتيبات تسمح بمواصلة العمل، مع استمرار الخلاف على الترسيم، أهمية خاصة، فهو يضع قدرة الدول على إدارة النزاع أمام اختبار قد تتوقف نتيجته على تفاصيل إجرائية صغيرة بقدر ما تتأثر بالمواقف السياسية الكبرى.
قد يمضي وقت طويل قبل أن يستقر الكابل الكهربائي في قاع المتوسط، وقد تفرض الحسابات الفنية والمالية تعديلات على مساره ومواعيد تشغيله. لكن التجربة التي رافقت التحضير له كشفت عن صعوبة المضي في مشروعات إقليمية تتقاطع مصالح الدول في إنجازها، بينما تختلف على الحقوق التي تحكم تنفيذها. وبين هذه المصالح والمطالبات المتعارضة، تتحدد فرص نجاح مشروعات الربط التي تطمح إلى تقريب ضفاف المتوسط بعضها من بعض.
Loading ads...
وربما تجد الدول المعنية في التفاهمات العملية مخرجا يسمح باستمرار الأعمال البحرية، مع تأجيل الخلافات التي يصعب حسمها في المدى المنظور. وسيكون نجاح مثل هذه الترتيبات مرهونا بقدرة الأطراف على بناء قدر كاف من الثقة يمنع تحول الإجراءات الفنية إلى أزمات سياسية متجددة. أما الكابل الذي يُفترض أن يصل شبكات الكهرباء عبر البحر، فما زال ينتظر توافقا يتيح له عبور المياه التي تعبر بينها خرائط متنازع عليها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




