قالت الصحفية الفلبينية ماريا ريسا، الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2021: "بغير الحقائق لا تكون الحقيقة، وبغير الحقيقة لا تكون ثقة".
لذا فإنه في عصرٍ تتوافر فيه المعلومات بغزارة ويشحّ فيه الفهم، تقع على عاتق الصحافة مسؤوليةٌ كبرى: أن تجعل العالم مفهوما من دون تبسيطه أو تسطيحه.
ومن هذا المنطلق تستحق الجزيرة، في ذكرى انطلاقتها الثلاثين، أن يُحتفى بها؛ فقد وسّعت دائرة الناس الذين تُعدّ حياتهم جديرة بأن تُروى في الأخبار، وتُعتمد تجاربهم مصدرا للمعرفة، وتستحق أسئلتهم أن يُجاب عنها علنا.
بيد أنها تستحق كذلك قراءة نقدية متأنية؛ فالمؤسسة التي تسائل السلطة أولى بأن تظل منفتحة على مساءلة الجمهور لها، وعلى سؤاله: كيف ستواجه التحديات التي تحيط بها؟
وتزداد هذه الحاجة إلحاحا في ظل ما يكشفه تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026، الصادر عن معهد رويترز، من تراجع الثقة في الأخبار إلى 37% في الأسواق التي شملها المسح، وهو أدنى مستوى يسجله التقرير.
ورغم أن هذه النتيجة تقتصر على المجتمعات المشمولة بالدراسة، ولا يمكن تعميمها على العالم بأسره، فإنها تعكس واقعا مقلقا تواجهه الصحافة، تتداخل فيه عوامل تشتّت الانتباه والضغوط السياسية وتنامي الحيرة بشأن مصداقية المعلومات وما يمكن الوثوق به.
تواجه الجزيرة إرثا استعماريا لا تزال آثاره ماثلة في المشهد الإعلامي الدولي؛ إذ احتكر الشمال العالمي، لعقود طويلة، إنتاج الأخبار وصياغة المعرفة وتفسير الأحداث، ثم صدّر رواياته إلى بقية العالم باعتبارها المرجعية الأوثق لفهم الواقع
وفي هذا السياق، تكتسب تجربة الجزيرة أهمية خاصة؛ فمنذ انطلاق قناتها العربية عام 1996، أسهمت في زعزعة التصور السائد بأن الروايات الموثوقة للأحداث العالمية لا بد أن تصدر عن العواصم الغربية. ومع إطلاق قناتها الإنجليزية عام 2006، اتسع نطاق هذا التحول ليصل إلى جمهور عالمي أوسع.
ولم يقتصر إنجاز الجزيرة على إضافة قناة جديدة إلى المشهد الإعلامي، بل تمثّل في إعادة رسم خريطة التغطية الإخبارية الدولية،
وتوسيع نطاق الرؤى التي تُروى من خلالها الأحداث وتُفسَّر، وإتاحة المجال لأصوات كانت مهمّشة.
وامتدّ هذا التحول من تنويع مصادر التغطية الإخبارية إلى طبيعة النقاش العام وحدوده. ففي بيئة إعلامية اعتاد فيها الجمهور الخطاب الرسمي والنقاشات المحكومة بأطر مسبقة، قدّمت الجزيرة نموذجا مختلفا يقوم على الحوار المفتوح وتعدّد الآراء والمواقف، وأتاحت مساحة لمساءلة السلطة السياسية وإظهار الخلافات إلى العلن، بدلا من إبقائها خارج دائرة النقاش العام.
وقد سلّطت دراسات أكاديمية تناولت تجربة الشبكة الضوء على دورها في توسيع المجال العام وإثراء النقاش السياسي، دون إغفال تأثير مصالح الدول والقيود المؤسسية في حدود هذا الدور. فإتاحة المجال لتعدّد الأصوات وحرية النقاش، على أهميتها، لا تعني بالضرورة إحداث تحوّل موازٍ في موازين السلطة السياسية أو إعادة توزيعها.
غير أن الإسهام الأعمق للجزيرة يتجاوز حدود التغطية الإخبارية إلى طريقة إنتاج المعرفة وفهم العالم. فكل مؤسسة إعلامية تتخذ قرارات بشأن القضايا التي تستحق الاهتمام، والسياقات التاريخية التي تفسّر الأحداث، والأصوات التي تحظى شهاداتها بالمصداقية.
وحين تنطلق التغطية من تجارب أناس يعيشون واقع النزوح أو الاحتلال أو انعدام الأمن الاقتصادي، فإنها تكشف أبعادا إنسانية وحقائق ميدانية قد تغيب عن البيانات الرسمية والخطابات الدبلوماسية.
بناء الثقة لا يتحقق بمجرد رؤية الجمهور قضاياه وهمومه على الشاشة؛ فرغم ما يمنحه ذلك من شعور بالإنصاف، خصوصا للفئات التي طالما غابت تجاربها عن التغطيات الإعلامية، فإن الثقة الحقيقية تترسخ عندما يجد الجمهور أمامه روايات متعددة ووجهات نظر متنوعة، لا تقتصر على تأكيد قناعاته المسبقة، بل تدفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته
وبهذا النهج، تتحدى الجزيرة التسلسل الهرمي التقليدي لمصادر المعرفة في الإعلام، الذي يمنح الروايات الرسمية وأصوات النخب أولوية على تجارب الناس وشهاداتهم المباشرة.
ويتصل ذلك بأبرز ما يميّز الجزيرة: أنها مؤسسة تنطلق من الجنوب العالمي وتصل إلى العالم كله.
ومن خلال هذا الحضور العالمي، تواجه الجزيرة إرثا استعماريا لا تزال آثاره ماثلة في المشهد الإعلامي الدولي؛ إذ احتكر الشمال العالمي، لعقود طويلة، إنتاج الأخبار وصياغة المعرفة وتفسير الأحداث، ثم صدّر رواياته إلى بقية العالم باعتبارها المرجعية الأوثق لفهم الواقع.
ولا يقتصر دور الجزيرة على تقديم روايات بديلة للأحداث وإيصال أصوات المهمّشين والمستضعفين الذين غُيّبت تجاربهم عن التغطيات السائدة، بل يمتد إلى تأكيد قدرة الجنوب العالمي على إنتاج المعرفة، وإبراز ما يزخر به من خبرات وكفاءات مهنية ورؤى قادرة على الإسهام في تشكيل الفهم العالمي للأحداث، لا مجرد تلقيه من الآخرين.
وقد كشفت غزة هذه الرهانات بصورة موجعة؛ إذ أسهم صحفيو الجزيرة ومتعاونوها، في ظروف قاسية، في توثيق التجربة الفلسطينية وحفظها في الذاكرة العالمية.
وتكتسب الإشادة المستقلة هنا أهمية خاصة: فقد منحت جوائز بيبودي (Peabody Awards) فيلمَ "الليل لن ينتهي" (The Night Won’t End) جائزتها لما قدّمه من أدلة ميدانية وجنائية في تحقيقه في الهجمات على المدنيين، ومنحت الجائزة أيضا فيلمَ "يوم في غزة" (One Day in Gaza)؛ لأنه بنى سرده على ما وثّقه الفلسطينيون أنفسهم بكاميرات هواتفهم. غير أن هذه الجوائز تكرّم إنجازات بعينها، ولا تشهد بسلامة كل ما تبثه الشبكة.
ويعين هذا التمييز على فهم ما يقتضيه الاحتفاء المسؤول. فالشهادة على الأحداث تفتح باب المعرفة، والتحقق هو ما يمنحها المصداقية. لذلك تحتاج الصور إلى سياق، وتحتاج الشهادات إلى عناية في التعامل معها، ولا تُحدَّد المسؤولية إلا بالأدلة.
سيبقى الغموض ملازما للأحداث، وليس بوسع الصحافة تبديده تماما. لكن ما تستطيع الجزيرة مواصلة تقديمه هو ما يتطلب جهدا والتزاما أكبر: متابعة جادة ومستمرة، وأدلة قابلة للتحقق، واستعداد دائم لمساءلة السلطة أيّا كان موقعها
قد توقظ العاطفة الانتباه، لكنها لا تحسم وحدها الوقائع. والصحافة تخدم ضحايا الظلم على أفضل وجه حين يدفعها التعاطف إلى مزيد من الدقة في التحقيق، لا إلى التساهل فيه. وهي تحديات تنشغل بها الجزيرة، شأنها شأن كل صحافة حرة.
وتستدعي الظروف التي تُنجَز فيها هذه التغطية الانتباهَ أيضا؛ فقد انتقدت لجنة حماية الصحفيين القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على وسائل الإعلام الأجنبية وعلى وصول الصحفيين المستقلين إلى غزة، ومنها تمديد الحكومة الإسرائيلية حظر الجزيرة 90 يوما في يناير/كانون الثاني 2026، بعدما مدّد الكنيست في ديسمبر/كانون الأول 2025 العمل بالقانون الذي يستند إليه هذا الحظر لعامين إضافيين.
وتُضعف هذه القيود قدرة الرأي العام على المتابعة والمساءلة، وتُلقي عبئا استثنائيا على الصحفيين الفلسطينيين؛ لذا فإن الدفاع عن سلامتهم وحريتهم يحمي حق الجميع في معرفة ما يجري.
غير أن شجاعة الصحفيين وما يتعرضون له من اضطهاد لا يضعان أي غرفة أخبار فوق النقد. فالدفاع الجادّ عن حرية الصحافة يحمي العمل الصحفي ويصون حق الجمهور في مساءلته، وبذلك يبقى التضامن سندا للمعايير لا إعفاء منها.
ومن هنا يتجلّى نضج المؤسسة الإعلامية في استعدادها لإخضاع أدائها للنقد والمساءلة وفق المعايير ذاتها التي تُقيّم بها أداء الآخرين؛ فالاتساق في تطبيق هذه المعايير هو ما يمنح النقد نزاهته، ويعزّز مصداقية المؤسسة وثقة الجمهور بها.
يثير ذلك تساؤلا جوهريا بشأن العمل الصحفي عموما، بصرف النظر عن طبيعة القضايا والجهات التي تتناولها، فالنقد لا يكون منصفا إلا إذا طُبّق المعيار الواحد على القريب والبعيد دون استثناء.
غير أن بناء الثقة لا يتحقق بمجرد رؤية الجمهور قضاياه وهمومه على الشاشة؛ فرغم ما يمنحه ذلك من شعور بالإنصاف، خصوصا للفئات التي طالما غابت تجاربها عن التغطيات الإعلامية، فإن الثقة الحقيقية تترسخ عندما يجد الجمهور أمامه روايات متعددة ووجهات نظر متنوعة، لا تقتصر على تأكيد قناعاته المسبقة، بل تدفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته.
وهنا يبلغ إسهام الجزيرة ذروته، حين تتيح لجمهورها تقييم الأدلة، وفهم التفسيرات المختلفة للأحداث، وتكوين أحكام مستقلة قابلة للمراجعة في ضوء الحقائق والمعطيات.
إن الاحتفاء النقدي بالجزيرة يقتضي الاعتراف بإسهامها الكبير في توسيع آفاق التغطية الإعلامية، وتمكين العالم من رؤية واقعه وسماع أصوات شعوبه وتوثيق أحداثه، مع التساؤل في الوقت نفسه عن سبل تعزيز هذا الدور وإخضاعه للمراجعة والمساءلة باستمرار
يفتح الانتشار الرقمي آفاقا واسعة، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على تحديات ومخاطر؛ فالمقاطع القصيرة قادرة على إيصال تجارب وقضايا طالما غابت عن المشهد إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية والفوارق بين الأجيال، لكنها قد تنتزع المعلومات من سياقاتها، وتُعزّز الميل إلى الأحكام القطعية على حساب الفهم العميق للأحداث.
لذلك يكمن التحدي في تحويل التفاعل اللحظي مع الأخبار إلى فهم راسخ، عبر تغطية تفسّر الأحداث، وتقرّ بما لم يُحسم من حقائقها، وتبقى قابلة للتحقق حين يهدأ الانفعال.
ومن ثم، فإن ترسيخ الثقة يتطلب شفافية ملموسة، تقوم على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها علنا، والتمييز الواضح بين الأخبار والآراء، وإطلاع الجمهور على المعايير المتبعة في التحقق من المعلومات وتقييم الأدلة.
ويُلزم الميثاقُ المهني المنشور للجزيرة الشبكةَ أصلا بتصحيح الأخطاء والشفافية والفصل بين الخبر والرأي، ويتمثل التحدي الدائم في إبراز هذه الالتزامات في العمل اليومي؛ فالثقة تنمو حين يرى الناس كيف تتعامل المؤسسة مع أخطائها إن وقعت.
إن الاحتفاء النقدي بالجزيرة يقتضي الاعتراف بإسهامها الكبير في توسيع آفاق التغطية الإعلامية، وتمكين العالم من رؤية واقعه وسماع أصوات شعوبه وتوثيق أحداثه، مع التساؤل في الوقت نفسه عن سبل تعزيز هذا الدور وإخضاعه للمراجعة والمساءلة باستمرار.
وسيظل تأثيرها في المستقبل مرهونا بقدرتها على تعميق وعي الجمهور بالأحداث، وتعزيز مساءلة السلطة، وترسيخ الانفتاح على مختلف الآراء ووجهات النظر.
وسيبقى الغموض ملازما للأحداث، وليس بوسع الصحافة تبديده تماما. لكن ما تستطيع الجزيرة مواصلة تقديمه هو ما يتطلب جهدا والتزاما أكبر: متابعة جادة ومستمرة، وأدلة قابلة للتحقق، واستعداد دائم لمساءلة السلطة أيّا كان موقعها.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




