42 دقائق
من يحدد ما يستحق النشر؟.. الذكاء الاصطناعي يقلب هرم صناعة الأخبار
السبت، 31 أكتوبر 2026

لعقود طويلة، اعتمدت الصحافة على نموذج واضح لإنتاج الأخبار؛ يجمع الصحفيون المعلومات، ويقرر المحررون ما يستحق النشر، ثم تقدم المؤسسات الإعلامية المادة نفسها لجمهور واسع.
لكن صعود الذكاء الاصطناعي يهدد بقلب هذه المعادلة، بعدما أصبح بإمكان المستخدم تحديد ما يريد معرفته، وترك مهمة البحث واختيار المصادر وصياغة الإجابات لوكلاء أذكياء.
هذا التحول لا يغير طريقة استهلاك الأخبار فحسب، بل يعيد توزيع السلطة داخل منظومة المعلومات، ويضع المؤسسات الصحفية أمام تساؤلات حول قيمتها الاقتصادية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور.
وتستعرض الصحفية لورا هازارد أوين بموقع "نيمان لاب" ، أبرز نتائج تقرير بعنوان "كعكة الطبقات الثلاث؛ معلومات المصلحة العامة في عصر الوساطة بالذكاء الاصطناعي"، أعدته جينا تشوا وأديل كابلان، وصدر عن مركز "تاو-نايت لمستقبل الصحافة" التابع لكلية كريغ نيومارك للدراسات العليا في الصحافة بجامعة مدينة نيويورك.
يطرح التقرير تصورا لمستقبل الأخبار يقوم على 3 طبقات مترابطة، تختلف عن النموذج التقليدي الذي كانت فيه المؤسسة الإعلامية مسؤولة عن إنتاج المعلومات وتحريرها وتوزيعها.
تتمثل الطبقة الأولى في المنتجات التي تتعرف على احتياجات الجمهور، من خلال الأسئلة التي يطرحها المستخدمون أو اهتماماتهم وسلوكهم الرقمي.
أما الطبقة الثانية، فهي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع المعلومات من مصادر مختلفة، وتختار ما تراه مناسبا، ثم تقدم إجابات مخصصة لكل مستخدم.
وتضم الطبقة الثالثة المؤسسات التي تنتج المعلومات الأصلية، وفي مقدمتها غرف الأخبار والجهات البحثية ومصادر المعرفة المتخصصة.
ويشير التقرير إلى أن المؤسسات الصحفية اعتادت السيطرة على هذه الوظائف مجتمعة، لكنها قد تصبح في المستقبل مجرد طرف ينتج المعلومات ضمن منظومة تتحكم فيها جهات أخرى بكيفية تقديمها للجمهور.
وتكمن القوة الجديدة، وفق الباحثتين، في امتلاك العلاقة المباشرة بالمستخدم وفهم احتياجاته، إلى جانب التحكم في الأنظمة التي تختار المصادر وتعيد تركيب المعلومات.
يرى التقرير أن التحول قد يحمل فرصا لفئات لم تكن الصحافة التقليدية قادرة على تلبية احتياجاتها؛ ويضرب مثالا بولي أمر يسمع عن خفض ميزانية مدرسة طفله، ويريد معرفة ما إذا كانت حصص الفنون ستستمر؛ فهذه المسألة قد لا تستحق تكليف صحفي بإعداد تقرير مستقل، لأنها تهم عددا محدودا من الأسر.
لكن نظام ذكاء اصطناعي مصمما بصورة جيدة يمكنه جمع المعلومات المتاحة من التغطيات والوثائق والسياقات ذات الصلة، وتقديم إجابة تراعي ما هو معروف وما لا يزال غير مؤكد؛ ويمتد الأمر إلى المجتمعات التي لم تحظ قضاياها باهتمام كاف من وسائل الإعلام الكبرى.
وبحسب الباحثتين، تستطيع الأنظمة الذكية المساعدة في سد بعض هذه الفجوات إذا أتيح لها الوصول إلى معلومات موثوقة ومتنوعة تعكس احتياجات المجتمعات المهمشة.
من أبرز الأفكار التي يناقشها التقرير أن الأخبار الحصرية والتحقيقات الاستقصائية، رغم قيمتها المهنية والاجتماعية، قد لا توفر وحدها حلا للأزمة الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الإعلامية.
فبمجرد نشر التحقيق، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تلخيص نتائجه وإعادة تقديمها للجمهور، دون الحاجة إلى الرجوع إلى المادة الأصلية.
ويستشهد التقرير بملاحظة للخبير الإعلامي فرانشيسكو ماركوني، مفادها أن تحقيقا يستغرق إنتاجه أشهرا ويكلف نحو 200 ألف دولار، قد تتراجع قيمته الاقتصادية المباشرة إلى ما يقارب الصفر خلال دقائق من نشره.
ولا يعني ذلك انتفاء قيمة التحقيقات، فهي لا تزال تكشف معلومات جديدة وتدعم سمعة المؤسسة وتؤدي وظيفة رقابية مهمة، لكن قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي طويل الأمد قد تتضاءل عندما يصبح محتواها قابلا لإعادة التلخيص والتوزيع بسهولة.
وتدفع هذه المعضلة المؤسسات الإعلامية إلى التفكير في نماذج تمويل لا تعتمد فقط على احتكار الوصول إلى المعلومات المنشورة.
يحذر التقرير من أن الأخبار المتاحة لدى مصادر متعددة ستفقد جانبا متزايدا من قيمتها التجارية في بيئة يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي جمع المعلومات وتلخيصها.
لكن الباحثتين لا تدعوان إلى التخلي عن التغطيات اليومية، ومنها متابعة المجالس المحلية والمؤسسات الحكومية، بل إلى تطويرها بحيث تقدم ما لا يمكن استخراجه بسهولة من محاضر الاجتماعات أو البيانات الرسمية.
وقد يتحقق هذا التميز عبر الأسئلة الأصلية التي يطرحها الصحفيون، أو إضافة سياقات جديدة، أو التحقيق في تداعيات القرارات على فئات محددة.
ويرى التقرير أن المؤسسات الأكثر تخصصا وعمقا في مجالات تغطيتها ستكون أقل عرضة لتكرار محتواها، وأكثر قدرة على بناء علاقات وثيقة مع المجتمعات التي تحتاج إلى معلوماتها.
كما يمنحها التخصص قوة أكبر في تسعير منتجاتها وخدماتها، مقارنة بالمؤسسات التي تكتفي بإنتاج أخبار متشابهة ومتاحة للجميع.
يناقش التقرير خيار منع شركات الذكاء الاصطناعي من استخدام المحتوى الصحفي، باعتباره إستراتيجية قد تساعد بعض الناشرين على المحافظة على علاقتهم المباشرة بالجمهور.
لكن الباحثتين تحذران من أن الانسحاب الجماعي للمؤسسات الإخبارية قد يضعف البيئة المعلوماتية العامة، إذا أصبحت الأنظمة الذكية تعتمد على مصادر أخرى لا تلتزم بالضرورة بخدمة المصلحة العامة؛ وتبرز هنا معضلة تجمع بين حماية الحقوق الاقتصادية للناشرين، وضمان وصول الجمهور إلى معلومات موثوقة.
ويدعو التقرير إلى تطوير معايير تقنية تسمح بانتقال معلومات المصدر والسياق والتوثيق مع كل معلومة تستخدمها الأنظمة الذكية، بدلا من فقدان هذه العناصر أثناء التلخيص وإعادة الصياغة؛ ومن شأن ذلك تعزيز إمكانية التحقق من الإجابات، وتسهيل تحديد المؤسسات المنتجة للمعلومات وتعويضها عن استخدامها.
يخلص التقرير إلى أن المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى إعادة تعريف دورها، بالانتقال من التركيز الحصري على إنتاج المواد الصحفية إلى فهم ما يريد الجمهور معرفته، وتحديد الفجوات المعلوماتية التي لا تلبيها المصادر التقليدية.
لكن هذا التحول يحمل مخاطر تتعلق بالتضليل والتلاعب بالمعلومات وتركز القدرة على توجيه الجمهور لدى شركات التكنولوجيا.
كما أن تخصيص الأخبار لكل مستخدم قد يؤدي إلى إضعاف المعرفة المشتركة بين أفراد المجتمع، إذا بات كل شخص يتلقى رواية مختلفة للأحداث.
ولذلك لا يقدم التقرير الذكاء الاصطناعي بوصفه حلا تلقائيا لأزمات الصحافة، بل تحولا هيكليا يستدعي إعادة التفكير في إنتاج المعلومات وتوزيعها وتمويلها.
وتتمثل الرسالة الأساسية في أن المؤسسات التي تفهم احتياجات مجتمعاتها، وتنتج معرفة أصلية ومتخصصة، وتشارك في تطوير قواعد تضمن موثوقية المعلومات، ستكون أقدر على المحافظة على دورها في البيئة الإعلامية الجديدة.
Loading ads...
فالسؤال لم يعد فقط؛ ما الأخبار التي نريد نشرها؟ بل أصبح أيضا: ما المعلومات التي يحتاج الناس إلى معرفتها، وكيف نضمن وصولها إليهم بصورة دقيقة وموثوقة؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




