8 أشهر
وقود الطائرات يفجر جدلًا اقتصاديًا.. لماذا تخسر سوريا مليون دولار يوميًا؟
الأحد، 23 نوفمبر 2025

في خضم الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالاقتصاد السوري، وتزامنًا مع شح القطع الأجنبي الذي تعاني منه الخزينة العامة، فجرت تصريحات رجل الأعمال السوري البارز والرئيس التنفيذي لشركة “ميكس جيت” (Mix Jet)، منير خليفة، قنبلة من العيار الثقيل أعادت تسليط الضوء على خبايا إدارة المرافق الحيوية في البلاد.
وكشف خليفة في حديث صحفي أثار جدلًا واسعًا أن السوق السورية تتكبد خسائر يومية فادحة تقدر بنحو مليون دولار أميركي، نتيجة عزوف شركات الطيران الخليجية والدولية عن تزويد طائراتها بالوقود داخل المطارات السورية، وهو رقم يشكل استنزافًا حقيقيًا لاقتصاد متهالك يبحث عن أي منفذ للعملة الصعبة.
أزمة المعدات المتهالكة
في تفاصيل هذا الملف الشائك، أوضح خليفة الذي ينحدر من عائلة عريقة لها باع طويل في مجال تزويد الطائرات بالوقود وتتعامل مع كبريات المطارات العالمية بما فيها مطارات دولة الإمارات، أن جوهر المشكلة لا يكمن في رداءة نوعية الوقود السوري كما يشاع، بل يعود السبب الرئيسي إلى تهالك البنية التحتية اللوجستية وتقادم المعدات المستخدمة في عمليات النقل والضخ داخل المطارات السورية.
وأشار إلى أن هذا التقادم يثير مخاوف جدية لدى شركات الطيران العالمية التي تمتلك أساطيل حديثة ذات محركات حساسة للغاية لا تحتمل أي شوائب أو أخطاء تقنية قد تنجم عن معدات تجاوزها الزمن، وهو ما يدفع تلك الشركات لتجنب التزود بالوقود في دمشق رغم حاجتها لذلك، مفضلة التزود في محطات أخرى لضمان سلامة طائراتها.
ولم تتوقف حدود القضية عند التشخيص الفني، بل تعدتها لتفتح بابًا واسعًا للانتقادات اللاذعة التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي والأوساط الاقتصادية السورية، حيث تداول نشطاء ومراقبون هذه التصريحات بغضب عارم، موجهين أصابع الاتهام إلى الآلية التي تدار بها العقود الاستثمارية في قطاع الطيران.
المحسوبيات والصفقات
تركزت الانتقادات حول ما وصفوه بـ “مفارقة الرفض والقبول”، حيث أشاروا إلى أن السلطات المعنية تجاهلت العروض المباشرة التي قدمها خليفة وشركته –التي تمتلك الخبرة والاعتمادية الدولية– لتطوير هذا القطاع وتزويد الطائرات بشكل مباشر يضمن المعايير العالمية، وبدلًا من ذلك، تم توجيه العقود والاستثمارات نحو جهات محلية، وتحديدًا “مجموعة الخياط” والمستثمر الجديد للمطار، الذين وصفهم منتقدون بأنهم يفتقرون للخبرة التخصصية في مجال دقيق كوقود الطيران والمطارات.
برزت “مجموعة الخياط” في السنوات الأخيرة كواحدة من الكيانات الاقتصادية الصاعدة بقوة في المشهد السوري الداخلي، مستحوذة على حصة وازنة من الاستثمارات في قطاعات متعددة، والتي تعود ملكيتها إلى إلى الأخوين السوريين الحاملين للجنسية القطرية معتز الخياط ورامز الخياط.
وقد عاد اسم المجموعة ليتصدر واجهة الأحداث مؤخرًا بوصفها “المستثمر” أو “المطور الجديد” الذي آلت إليه عقود إدارة وتشغيل مرافق مطار دمشق الدولي، في خطوة أثارت انقسامًا حادًا في الأوساط الاقتصادية؛ فبينما تُقدم المجموعة كشريك استثماري قادر على ضخ السيولة، يوجه خبراء الطيران -ومنهم منير خليفة- انتقادات لاذعة لهذه الشراكة، معتبرين أن المجموعة تفتقر إلى الخبرة التخصصية الفنية اللازمة لإدارة قطاع حساس كوقود الطيران والمطارات، وأن دخولها كوسيط تجاري بدلًا من الشركات الفنية المتخصصة قد ساهم في تفاقم الأزمات التشغيلية للمطار.
اتهامات إقحام الوسطاء
تعمقت حالة السخط الشعبي مع تداول معلومات تشير إلى أن الإصرار على إقحام وسطاء محددين في هذه العملية بدلًا من التعامل المباشر مع الخبراء، هو السبب الرئيسي وراء هذه الخسارة المليونية اليومية.
وذهب محللون إلى اعتبار أن هذه السياسة تعكس رغبة جهات نافذة في السلطة بتنفيع شخصيات محددة وضمان نسب من الأرباح تصب في جيوب خاصة، حتى وإن كان ذلك على حساب الخزينة العامة وسمعة المطار الدولية، فبدلًا من حل مشكلة المعدات المتهالكة عبر شراكة مع خبير سوري دولي عرض خدماته، تم تسليم الملف لجهات استثمارية أثارت عقودها لغطاً كبيراً حول جدواها الاقتصادية وخلفياتها الفنية.
وفي المقابل، وسعيًا لاحتواء الموقف وتوضيح وجهة النظر الرسمية، سارع المدير العام للهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، المهندس عمر الحصري، للرد على هذه الانتقادات، محاولًا تخفيف حدة التوتر عبر لغة دبلوماسية وصف فيها منير خليفة بـ “الصديق القديم”، مؤكدًا أنه التقى به مؤخرًا خلال فعاليات معرض دبي للطيران.
رد رسمي بلغة التطمين
أوضح الحصري في معرض رده أن ملف محطات وقود الطائرات في مطار دمشق الدولي ليس “سائبًا” بل يتبع إداريًا وفنيًا لوزارة النفط والثروة المعدنية تحت إشراف هيئة الطيران، مشددًا على أن التعامل مع هذا الملف الحساس يتم حاليًا ضمن إطار العقود الشاملة الموقعة مع “المطوّر الجديد” لمطار دمشق الدولي، وهي الشراكة التي تثير بحد ذاتها جدلاً في الشارع السوري.
أشكر لكم اهتمامكم وتسليط الضوء على هذا الموضوع.الاستاذ صديق قديم، وقد التقيت به مؤخرًا خلال مشاركتنا في معرض دبي للطيران، وشرحت له أن محطات وقود الطائرات في مطار دمشق الدولي تتبع لوزارة الطاقة تحت إشراف الهيئة، وأن تعاملنا مع هذا الملف يتم ضمن العقود الموقعة لكامل خدمات المطار…— Omar Hosari عمر الحصري (@ohosari) November 22, 2025
وأكد الحصري أن العمل يجري وفق الأصول القانونية والفنية المعتمدة، وأن الهيئة تعمل جاهدة لحل الإشكاليات العالقة بما يضمن عودة الثقة للشركات الدولية، مختتمًا تصريحه بعبارات ترحيبية تؤكد انفتاح الهيئة على كافة الآراء والمستثمرين، وبالأخص السوريين منهم، لتطوير قطاع الطيران، في محاولة لبعث رسالة تطمين بأن الأبواب ليست موصدة أمام الخبرات الوطنية.
Loading ads...
غير أن هذه التصريحات لم تنجح تمامًا في تبديد الشكوك لدى الشارع السوري الذي يرى في خسارة مليون دولار يوميًا دليلًا دامغًا على أن الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني ما زالت واسعة، وأن ثمن البيروقراطية والمحسوبيات يدفعه الاقتصاد الوطني المنهك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

