41 دقائق
“مسلمة تحرق علم فرنسا”.. حقيقة مقطع متداول يؤجج الهجوم على المهاجرين
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

بالتزامن مع موجة الاحتجاجات الشعبية وأعمال الشغب والنهب التي اجتاحت مدنا فرنسية عدة، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زُعم أنه يوثق لحظة إحراق سيدة مسلمة للعلم الفرنسي خلال الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في مدن عدة.
واستُغل المقطع على منصة إكس للهجوم على المسلمين والمهاجرين، وحصد مئات الآلاف من المشاهدات، إذ نُشر مرفقا بعبارة "رفعوا علم فلسطين، ثم أحرقوا أعلام بلادهم، هذا هو كل شيء".
ويُظهر المقطع، الذي تبلغ مدته 10 ثوان، امرأة محجبة تشعل النار في العلم الفرنسي خلال احتجاج شهد أيضا رفع العلم الفلسطيني، فيما شنت حسابات هجوما واسعا على الفلسطينيين، معتبرة أن ما جرى "ضريبة" اعتراف فرنسا رسميا بدولة فلسطين.
ونسبت حسابات على منصة إكس المقطع لمرأة قالت إنها فلسطينية، دون تقديم أدلة واضحة حول هويتها.
بدأت القصة حين نشر حساب معروف بعدائه للمسلمين والمهاجرين المقطع على إكس بالسياق نفسه، وذلك بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ليحصد أكثر من 100 ألف مشاهدة.
ثم تناقلته عشرات الحسابات بلغات مختلفة مع خطاب يحرّض على المسلمين والمهاجرين والفلسطينيين، الذين أصبحوا هدفا لحملات تضليل واسعة منذ اندلاع الاحتجاجات.
وأُعيد تقديم المقطع والترويج له في سياق يوحي بأن المهاجرين لا يحترمون الدولة المضيفة.
وأضاف منشور آخر على إكس تعليقا على المقطع "المهاجرون يطالبون بحقوق ترفضها بلدانهم، ثم يثيرون الشغب ويحرقون وينهبون عندما لا تكفيهم المساعدات".
واللافت أن حسابات ناطقة بالعربية صدّقت الرواية المتداولة وهاجمت المشاركين بالاحتجاجات الفرنسية، وسط مطالبات بطرد المهاجرين بسبب انخراطهم في أعمال الشغب خلال الاحتجاجات، وفق هذه الرواية.
وربطت حسابات أخرى انتشار المقطع باعتراف باريس بدولة فلسطين، وكتبت إحداها ساخرة إن الفلسطينيين بدؤوا "الاعتراف بفرنسا" منذ خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون المؤيد للفلسطينيين بالجمعية العامة للأمم المتحدة، واصفة ما يجري بأنه "موسم اعتراف متبادل".
تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع، وتبين أنه مضلل وقديم ولم يُصور في فرنسا أصلا.
أظهر البحث العكسي عن المقطع نسخة سابقة منه على صفحة في فيسبوك بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي قبل 3 سنوات من الاحتجاجات في فرنسا، وهو ما يؤكد أنه لا صلة له بما يجري حاليا من احتجاجات داخلية في البلاد.
كما نُشر المقطع حينها على صفحات إخبارية مغربية مرفقا بعبارة "حرق علم دولة فرنسا أمام قنصليتها بطنجة". وكشفت مقارنته بالفيديو الأصلي أنه اقتُطع عمدا من مقطع أطول، ما يعني أن سياقه الحقيقي مختلف تماما عن المتداول.
وتؤكد المعطيات أن للقنصلية العامة لفرنسا مقرا في طنجة فعلا، بحسب الموقع الرسمي لدبلوماسية باريس بالمغرب، التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية.
وبالبحث عن القنصلية في خرائط غوغل، أظهرت خدمة "التجول الافتراضي" صورا أرشيفية ملتقطة في يوليو/تموز 2022 تؤكد أن المباني المجاورة الظاهرة بالمقطع تتطابق تماما مع محيط القنصلية الفرنسية في طنجة، ما يؤكد أن المشهد التُقط في المدينة المغربية لا في فرنسا.
وأفادت صحف محلية آنذاك بأن "الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب" دعت إلى المظاهرة تضامنا مع غزة ورفضا لزيارة ماكرون إلى إسرائيل تلك الفترة.
وأظهرت نتائج البحث في فيسبوك، ضمن التاريخ نفسه، صور عشرات المغاربة في وقفة احتجاجية أمام القنصلية للتنديد بما وصفوه بدعم فرنسا لإسرائيل في حربها على غزة، ولقمع المتظاهرين في شوارع فرنسا ومنعهم من التعبير عن رفضهم لهذه الحرب، وسط استنفار أمني كبير أمام القنصلية.
كما أن الشعار الظاهر على كتف ما يبدو أنه أحد عناصر الشرطة المغربية، بداية المقطع المتداول، يتطابق مع الشعار الظاهر على أزياء قوة الشرطة المغربية، وفق صور أرشيفية نشرها حساب المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب على فيسبوك.
وظهرت السيدة التي أحرقت العلم نفسها في تلك الصور ترفع علم فرنسا قبل إشعال النار فيه، ما يؤكد تطابق الزمان والمكان.
كما رصدنا مقطعا من زاوية أخرى للحظة إحراق العلم، نشرته صحيفة محلية بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتتضمن كلمة للسيدة ذاتها قالت فيها "الحكام باعوا قضية فلسطين" وهو ما يوضح السياق الذي خرجت فيه المظاهرة.
ووجّه ناشطون شاركوا في الوقفة، خلال المقطع نفسه، انتقادات لاذعة للرئيس الفرنسي بعد زيارته إسرائيل، معتبرين أنها "موقف لا يشرّف فرنسا ولا الشعب الفرنسي" ورفعوا شعارات ضد ما وصفوه بالتطبيع الفرنسي مع إسرائيل في ظل الحرب على غزة.
وفي السياق ذاته، شهدت حينها مدن مغربية كالدار البيضاء ومراكش وأكادير وطنجة وفاس -آنذاك- وقفات احتجاجية أمام السفارة والقنصليات الفرنسية، استنكر فيها المحتجون "دعم فرنسا لجرائم إسرائيل في غزة والضفة".
بتتبّع الحسابات، تبيّن أن حسابا يمينيا متطرفا اقتطع المقطع من سياقه وروج له بوصفه حديثا ويعود إلى مسلمة تحرق علم فرنسا ضمن الاحتجاجات الحالية، ما أثار موجة هجوم على المهاجرين والمسلمين في فرنسا على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت للمطالبة بتحسين ظروف التعليم وزيادة الإنفاق على المؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب معيشية شاملة.
ولم يكن تداول المقطع بمعزل عن حملة التضليل التي رافقت انطلاق الاحتجاجات.
فقد كشف تحليل شبكي أجرته وحدة المصادر المفتوحة -الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026- انخراط شبكة حسابات مرتبطة بإسرائيل واليمين الأوروبي في حملة واسعة ربطت الاحتجاجات باعتراف فرنسا بدولة فلسطين.
Loading ads...
وأظهر التمثيل البصري للشبكة تشكّل "جبهة رقمية" موحدة تجمع بين الدعاية الإسرائيلية وخطاب اليمين الأوروبي المناهض للهجرة، التقت عند هدف مشترك يتجاوز الأزمة الفرنسية، هو استغلال الاضطرابات الداخلية لإعادة تشكيل السردية العامة، وتصوير التضامن مع فلسطين تهديدا لاستقرار أوروبا وقيمها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




