الذكرى السنوية الأولى لسقوط أكثر الأنظمة بطشاً وإجراماً لم تكن مجرد ذكرى لسقوط نظام أو تحرير بلد، بل هي حدث استثنائي أقرب إلى الأساطير التاريخية التي لا تتكرر كثيراً ولكنها أسطورة تحولت إلى واقع حي، حيث جاء السقوط في الوقت الذي كان الأسد وحلفاؤه فيه يعيشون أكثر لحظاتهم انتشاء وعنجهية بالنصر المتوهم على الشعب السوري وثورته، في لحظة لم يعد فيها فسحة للحديث عن السقوط، وفي الوقت الذي كانت إعادة تدوير الأسد تمضي بخطى راسخة، وكان رأس النظام يشعر أن كل المخاطر التي مر بها قد أصبحت وراء ظهره وأنه يستعد لفترة يكون فيها أقوى مما كان..
وقبل أن تكتمل النشوة المزيفة والتي كان الأسد يعيشها كحقيقة يعتقد أنها لا يمكن التشكيك فيها، جاءته الصفعة مضاعفة وأخرجته من حلم اليقظة، وأعادت لملايين السوريين حلمهم الذي ظنوا أنه بات صعب المنال..
ولهذا فإن تحرير سوريا من سلطة نظام الأسد يعد حدثاً مفصلياً ويمكن اعتباره الأكبر والأهم في حياة السوريين وفي تاريخهم المعاصر، وهاهم السوريون يقيمون احتفالات ضخمة داخل سوريا وخارجها تعبر عن سعادتهم باسترداد حلمهم الذي كان لسنوات في عداد المفقودين.
غير أن ثمة سؤالاً لا يفارق تلك السعادة وهو متعلق بحقيقة التحرير وهل هو كامل ونهائي؟ وهل طوى السوريون فعلاً الصفحة الأقسى والأصعب، أم أن صفحات صعبة جديدة لا تزال تعرقل أمنياتهم وتنغص اكتمال فرحتهم، وتقودهم مرة أخرى إلى المجهول؟
كثير من السوريين لا يرون اليوم سوى الصورة الوردية ولديهم طمأنينة كاملة وثقة مطلقة بأن العائق الأكبر قد تمت إزالته وأن الطريق السريعة باتت مفتوحة أمامهم وأمام الحكومة الحالية للمضي بالسرعة القصوى إلى الاتجاهات المتعددة التي من شأنها استكمال حزمة الأهداف التي يضعها السوريون للمرحلة القادمة، بعضهم يعتمد في ثقته على التفاؤل، وبعضهم على المؤشرات التي تبدو بالعين المجردة دافعاً لذلك التفاؤل وتلك الثقة، غير أن استعمال المجهر المحايد لرؤية الأمور على حقيقتها يعد ضرورة لا يمكن تجاوزها حتى وإن شكل صدمة لحالة التفاؤل العامة، وهي صدمة إيجابية تمكننا من رؤية الواقع كما هو وقياسه على المسطرة الحقيقية البعيدة عن العواطف..
وفي هذا السياق تواجه سوريا اليوم مجموعة كبيرة من التحديات، وهي بمجملها تشكل امتحاناً صعباً للرئيس أحمد الشرع وحكومته، فالرئيس يبدو محاصراً بمجموعة من الملفات العالقة، خارجية: وعلى رأسها إسرائيل، وداخلية: وأهمها ثلاث جبهات أساسية (قسد، الهجري، والساحل السوري) والتي باتت مترابطة في الفترة الأخيرة وشكلت جبهة
موحدة في أهدافها موزعة جغرافياً بما يعقد حلها سواء كملف واحد أو كملفات منفصلة، وهو ما يضع المرحلة المقبلة على المحك..
تتمثل العقدة الأصعب اليوم في الحصار الاقتصادي الذي لا يزال يطبق على سوريا حتى مع تخفيف العقوبات، فضلاً عن قانون قيصر الذي لا يزال يشل حركة الاقتصاد في سوريا رغم الأخبار الأولية عن قرار إلغائه من دون شروط، وبالتأكيد فإن إلغاءه سيشكل منحى إيجابياً كبيراً وهاماً، فحينما يسترد البلد عافيته الاقتصادية عبر تدفق الأموال وبدء المشروعات الاستثمارية، ووجود فرص كبيرة للسوريين للكسب والعيش الكريم، ستدور عجلة التنمية وستتقلص المخاوف لا شك.
غير أن إلغاء قانون قيصر لن يكون جاذباً للمستثمرين بحد ذاته إن بقيت الملفات الأخرى عالقة ومتعثرة لما لها من تأثير على السلم الأهلي الذي يبدو مهدداً، ولهذا فإن مهمة السوريين اليوم بجميع أطيافهم وأطرافهم وقياداتهم تتجسد في العمل على تمهيد البنية النفسية التحتية وإعادة القطار إلى السكة الصحيحة فيما يتعلق بضمان السلم الأهلي الذي هو البيئة الوحيدة لضمان بدء التنمية والاستثمار ويضمن الوصول إلى أهداف الثورة التي دامت أربع عشرة عاماً وحملت ما حملته من مآسٍ وتشوهات وانحراف عن المسار وتخبط كبير..
ولا شك أن الواقع السياسي المعقد على المستوى الداخلي والخارجي لا يزال يرخي بثقله على الحالة السورية، فعلى مستوى الداخل تمر سوريا بأكثر من نفق معتم، وهي تزداد عتمة وتعقيداً بمرور الزمن، ولا يبدو أن ضوءاً يلوح في نهايتها، على الأقل حتى الآن، وتشكل تلك الأنفاق مثلثاً حاد الزوايا محملاً بكل احتمالات الانفجار وفي أية لحظة، وتتمثل بالتحديد في الثلاثي الرافض للتطبيع مع الإدارة الجديدة وهم قسد، وجماعة حكمت الهجري، والجماعات والشخصيات التي تتصدر الحديث باسم الطائفة العلوية.
يطرح الرئيس الشرع في كل تصريحاته وخطاباته مشروعاً واحداً يتمثل في حلحلة العقد سلمياً وبالحوار، وهو أمر مبشر على أية حال، ولكن كل تلك الدعوات تقابل بالتشكيك والرفض القاطع من قبل خصومه الذين حسموا أمرهم على ما يبدو في عدم الاستجابة، حيث تعطل الاتفاق الموقع مع قسد في آذار الماضي وبدأنا نتابع حالة مقلقة من التصعيد في الخطاب تارة وعلى الأرض تارة أخرى، أما في الجنوب (السويداء) فقد أغلقت كل منافذ الحوار مع الشيخ حكمت الهجري الذي أعلن العداء التام مع دمشق، مترافقاً مع حالة عداء كامل مع قادة الحراك من الطائفة العلوية ممثلين بالشيخ غزال غزال، وهذا ما انعكس على الخطاب الشعبي الذي يشهد حالة غير مسبوقة من التصعيد بين أنصار الحكومة وأنصار خصومها..
وفي هذا السياق فإن استمرار الدوران في الدائرة المفرغة بشكل دائم والمتمثلة في الحرب الكلامية وإلقاء اللوم من قبل كل طرف على الطرف الآخر والجدل المتواصل حول من هو المدان، ومن هو الخائن ومن هو الوطني، لا يمكن أن يدل على إشارات حل، ولايمكن أن يمهد لأي حالة صحية من شأنها أن تؤكد تفاؤل السوريين، أو تدعم أسباب ذلك التفاؤل.
وفي ظل انسداد أفق الحوار، وانعدام الحلول على المستوى المنظور، يمكن أن تتحول المواقف المتشددة إلى حالة حقيقية من الاستعصاء والتي لا يمكن أن تفضي إلا إلى مواجهة عسكرية سيتمسك كل طرف من خلالها بمبرراته وذرائعه، وأي عمل عسكري في هذه الفترة لفك تلك العقد سيزيدها ولا شك تعقيداً وربما يعيد البلاد إلى حالة من الاقتتال المفتوح، ويحول الواقع إلى حرب فوضوية متداخلة ومعقدة ولا سيما في ظل التدخلات الإسرائيلية التي تعمل بكل طاقتها اليوم على تعزيز الانقسام والكراهية بين السوريين جميعاً وعبر دعمها المباشر لمثلث التحالفات السابق ذكره، وهو أخطر ما يتهدد مشروع سوريا الموحدة، بل يمثل تهديداً وجودياً حقيقياً لها.
لا يمكن التقليل من خطر إسرائيل كلاعب أساسي، ولا يمكن المراهنة على الموقف الأميركي بشكل مطلق لأنه قد يتغير في لحظة وفقاً لمصالح أميركا وتركيبة العقلية الأميركية التي لا تستند إلى مرجعية أخلاقية ولا إلى مواقف إنسانية في اتخاذ قراراتها، والخيار الوحيد أمام السوريين اليوم هو محاولة تجنب الصدام العسكري مهما كانت كلفة ذلك باهظة، وهذا لا يمكن أن يتم ما لم يتم العمل على نزع الذرائع المتعددة وتحديداً ما يتعلق بالخطاب الشعبي المنفلت والذي تحول في كثير من الحالات إلى خطاب شعبوي يدل بشكل حاسم على غياب الوعي بخطورة اللحظة والانجرار إلى حالات الفخر والنشوة من قبل كثيرين على حساب إهانة الآخر، ونقصد هنا بالتأكيد الخطاب الطائفي الاستعلائي والذي حان وقت تجريمه ومحاسبة مرتكبيه بشكل علني وحاسم..
لقد استرد السوريون بلدهم الذي كانت ترقد على أرضه عدة احتلالات، محلية تتمثل في نظام الأسد نفسه وأجهزته الأمنية وقوات دفاعه "الوطنية" وشبيحته وكل المنتفعين من وجوده واستمراره، واحتلالات خارجية على رأسها روسيا وإيران وحزب الله فضلاً عن الميليشيات التابعة لإيران والتي كانت تتحكم بمفاصل البلد، وتمارس قمعها وعنجهيتها على السوريين من منطق المنتصر المتغطرس، المنتصر المعتدي والذي كان يعلم أنه يناصر قضية باطل، والمرحلة القادمة ستكون حاسمة في قدرتها على الاحتفاظ بهذا النصر أو التفريط به.
تتحمل الحكومة السورية المسؤولية الأكبر في عدم جر البلاد إلى مواجهة عسكرية، ومن الواضح حتى الآن أن الرئيس الشرع يجنح إلى حل كل الملفات سلمياً وتبدو تلك خطته الوحيدة، ولكن هذا التوجه الهام لا يمكن أن ينجح من دون أدوات واضحة أهمها تحويل الخطاب الراقي للشرع إلى واقع عملي، وهو يتطلب أيضاً أن تتحمل الأطراف الأخرى مسؤوليتها في عدم جرّ البلاد إلى مواجهة مهما كانت التكلفة باهظة، وفي نفس الوقت تلعب المسؤولية الشعبية، مسؤولية المواطن نفسه دوراً حاسماً حيث علينا كمواطنين أن نخضع سلوكنا وتصرفاتنا وتعاملنا مع الآخر للمراقبة الدقيقة المستندة إلى المفاهيم
Loading ads...
الوطنية من أجل تحاشي الانزلاق أو استمرار الانزلاق في خطاب من شأنه أن يعيد السوريين إلى نقطة الصفر أو إلى ما قبلها..
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



