الجيش السوري يفرض سيطرته على أجزاء واسعة في شمال شرق سوريا و"قسد" تتراجع.
الرئاسة السورية تعلن اتفاقاً يمنح "قسد" 4 أيام للتشاور حول آلية دمج المناطق عملياً.
الحكومة الأمريكية تعلن انتفاء مبررات بقاء الشراكة بين واشنطن و"قسد".
تطورات حاسمة تشهدها مناطق سوريا على وقع التقدم اللافت للجيش السوري والفصائل المتحالفة معه في مناطق "قسد" التي كانت لسنوات خارج سيطرة الدولة، في مشهد يعكس تغيراً عميقاً في موازين القوى شمال وشرق البلاد.
الجيش السوري واصل توغله في عمق مناطق "قسد" في الحسكة، أقصى الشمال الشرقي للبلاد، فيما يبدو أنها مرحلة أخيرة نحو استعادة سيطرة الدولة السورية على آخر شبر تحت سيطرة القوات الكردية.
وعلى وقع التقهقر الكبير لـ"قسد"، لم يكن هناك بد من التوصل إلى تفاهم ينهي حالة الحرب، ويحفظ ماء وجه قيادات التنظيم الذي ماطل في تنفيذ اتفاق 10 مارس، لتقترب دمشق من طي صفحة أحد أخطر الألغام التي زرعها نظام الأسد في طريق سوريا الجديدة.
هذا النجاح للحكومة السورية يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، وعلى وجه التحديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن معضلة عناصر "تنظيم الدولة" الفارين من سجون الحسكة يمثل تحدياً أمام دمشق الراغبة في بناء علاقات إيجابية مع جيرانها، والتوجه نحو البناء والتنمية.
على الأرض، واصل الجيش السوري تقدمه السريع، مستفيداً من انهيار خطوط "قسد" في أكثر من منطقة، إذ فرض سيطرته على مناطق واسعة في حوض الفرات، ودير الزور والرقة، وتوغل في الحسكة، في مقابل انسحاب وتقهقر مستمر لقوات "قسد" باتجاه أبعد نقطة في شرق سوريا.
ولم يقتصر تقدم الجيش السوري على المدن، بل شمل منشآت استراتيجية، أبرزها حقول النفط والغاز في دير الزور، وعلى رأسها حقل العمر النفطي، الأكبر في سوريا، إضافة إلى حقول كونكو، والتنك، والصفيان، ما شكّل ضربة اقتصادية قاسية لـ"قسد" التي ظلت تسيطر على هذه الموارد منذ عام 2017.
ومع وصول القوات الحكومية إلى تخوم الحسكة، ثم دخولها مدينة الشدادي، باتت "قسد" أمام واقع جديد، يتمثل في فقدانها السيطرة العسكرية والإدارية على معظم مناطق نفوذها التقليدية، وتراجع قدرتها على فرض شروطها في أي تسوية مقبلة، ما جعل خيار القبول باتفاق وقف إطلاق النار مخرجاً وحيداً في هذه المرحلة.
باشرت قوى الأمن الداخلي ضبط الوضع في مخيم الهول شرقي الحسكة بعد أن تم تأمين المنطقة من قبل الجيش العربي السوري، وذلك عقب انسحاب قسد وترك المخيم دون أي حراسة، في محاولة لإحداث الفوضى والسماح للموجودين في المخيم بالهرب. pic.twitter.com/gKmIYKENjO
— وزارة الداخلية السورية (@syrianmoi) January 20, 2026
وعلى وقع هذه الانتصارات، أعلنت الرئاسة عن اتفاق يمنح "قسد" مدة 4 أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً، مشيرةً إلى أنه في حال الاتفاق، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي وستبقى على أطرافهما.
كما تضمن الاتفاق التأكيد على عدم دخول القوات السورية إلى القرى الكردية، وأنه لن تتواجد أي قوات مسلحة في تلك القرى باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة وفقاً للاتفاق، ووفق البيان فإن الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ ابتداء من الساعة الثامنة مساء 20 يناير.
📍 أكدت رئاسة الجمهورية العربية السورية أنه تم التوصل إلى تفاهم مشترك بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة. 📍 وأوضحت الرئاسة السورية في بيان تلقت سانا نسخة منه اليوم الثلاثاء، أنه تم الاتفاق على منح قسد مدة أربعة… pic.twitter.com/W1ebfXbuH8
— حمزة المصطفى (@HmzhMo) January 20, 2026
وجاء في البيان:
يطرح مظلوم عبدي مرشحاً من قسد لمنصب مساعد وزير الدفاع، إضافة إلى اقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب وقائمة أفراد للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية.
الطرفان اتفقا على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار النقاشات حول آلية الدمج التفصيلية، كما ستُدمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية.
سيتم تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، بما يعكس التزاماً مشتركاً ببناء سوريا موحدة وقوية تقوم على أساس الشراكة الوطنية وضمان الحقوق لجميع مكوناتها.
وبعد توغل الجيش السوري والعشائر المتحالفة معه في قلب الحسكة، تزايدت المخاوف من وضع سجناء تنظيم "الدولة" في سجون مخيم الهول والشدادي وغيرها، التي كانت تديرها قوات "قسد".
واتهمت الداخلية السورية "قسد" بتسهيل فرار سجناء من مخيم الهول، الواقع شرق الحسكة، بعد سحب عناصر الحماية، متهمة إياها بالسعي لابتزاز دمشق عبر ملف الإرهاب.
ويوم الاثنين (19 يناير) فرض الجيش السوري حظر تجول كاملاً في مدينة الشدادي جنوب الحسكة، عقب اتهامه قوات "قسد" بإطلاق سراح عناصر من "تنظيم الدولة" من سجن المدينة، في خطوة وصفها بأنها تهديد مباشر للأمن الوطني والإقليمي، ما استدعى تدخلاً عسكرياً عاجلاً.
وأكدت هيئة العمليات في الجيش أن وحداته باشرت تأمين السجن ومحيطه، وبدأت عمليات تمشيط واسعة داخل المدينة والقرى المحيطة بها، بهدف ملاحقة الفارين وإعادة ضبط الوضع الأمني، مع تحميل "قسد" المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني.
التقدم الواسع للقوات السورية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة لسيادتها على الشمال والشرق، لكن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التعامل مع ملف عناصر "تنظيم الدولة" الفارين، ومنع إعادة تشكل خلايا نائمة في مناطق شهدت فراغاً أمنياً مؤقتاً.
الحكومة السورية أكدت في بيان رسمي رفضها استخدام ملف الإرهاب كورقة ابتزاز سياسي، متعهدة بتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، وملاحقة أي جهة تسهّل فرار عناصر التنظيم، معتبرة ذلك جريمة حرب وتواطؤاً مباشراً مع الإرهاب.
إقليمياً، تتابع بغداد التطورات بقلق بالغ، في ظل مخاوف من تسلل عناصر "داعش" عبر الحدود السورية-العراقية، ما دفع أجهزتها الأمنية إلى رفع مستوى التأهب، استعداداً لمرحلة قد تشهد تنسيقاً أمنياً أوسع، في مواجهة خطر لم ينتهِ بعد، بل يعيد ترتيب أوراقه مع كل تحول ميداني جديد.
The greatest opportunity for the Kurds in Syria right now lies in the post-Assad transition under the new government led by President Ahmed al-Sharaa. This moment offers a pathway to full integration into a unified Syrian state with citizenship rights, cultural protections, and…
— Ambassador Tom Barrack (@USAMBTurkiye) January 20, 2026
وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إن الأكراد في سوريا أمام أعظم فرصة في المرحلة الانتقالية التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي تتيح مساراً نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحدة، مع ضمان حقوق المواطنة، والحماية الثقافية، والمشاركة السياسية.
وأكد باراك، في بيان على منصة "إكس"، أن الوضع الآن تغير جذرياً وأن سوريا تمتلك حكومة مركزية معترفاً بها، وقد انضمت إلى التحالف الدولي لهزيمة "داعش"، مشيراً إلى أن هذا يغير مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة و"قسد"، وينهي الغرض الأصلي لتلك القوات.
سيناريوهات المشهد
ووفق الباحث والأكاديمي السوري الدكتور سمير العبد الله، فإنه في ظل التسارع الشديد للأحداث وتحوّلاتها الجذرية، يصبح من الصعب رسم سيناريوهات تفصيلية مستقرة للمرحلة المقبلة.
وأضاف العبد الله، في تصريحات لـ"الخليج أونلاين"، أن المشهد الميداني والسياسي يتغيّر بوتيرة سريعة، لافتاً إلى أن المفاوضات الجارية حالياً تتركّز أساساً على المناطق ذات الغالبية الكردية، مثل عين العرب (كوباني) والقامشلي ومحيطهما، ما يجعلنا عملياً أمام سيناريوهين رئيسيين لا ثالث لهما:
السيناريو الأول: استمرار التصعيد العسكري دون توقّف، وهو ما يعني، في المحصلة، خسارة "قسد" لكل ما تبقّى لديها من أوراق ميدانية وسياسية، غير أن هذا السيناريو لا يخلو من مخاطر حقيقية، لا سيما عند وصول الجيش السوري إلى مناطق ذات غالبية كردية، حيث قد تواجه القوات أشكالاً من المقاومة أو توترات محلية، وهو ما يتطلب مقاربة دقيقة وحساسة لتفادي الانزلاق إلى صدامات مجتمعية غير محسوبة.
السيناريو الثاني: نجاح الجهود الدولية في فرض تهدئة مؤقتة، مع التوقف عند حدود المناطق ذات الغالبية الكردية، وتأجيل الحسم فيها، إلا أن هذا السيناريو بات أقل قابلية للاستمرار، إذ إن المعطيات تغيّرت بشكل جوهري، ولم تعد الحكومة السورية، بعد ما جرى من تطورات، مستعدة للقبول بتسويات جزئية لا تفضي إلى استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وإن كان ذلك مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لتلك المناطق.
وأشار العبد الله، إلى أنه بناء على هذين السيناريوهين، فإن قرار الحكومة السورية يتجه حالياً نحو حسم هذا الملف نهائياً، مستفيدة من التقدم الميداني ومن مناخ دولي أقل اعتراضاً، إن لم يكن داعماً ضمنياً لمسار استعادة الدولة لسيادتها.
واستطرد قائلاً لـ"الخليج أونلاين":
على الصعيد الأمني، فلا شك أن فرار بعض عناصر تنظيم داعش من السجون يشكّل تهديداً حقيقياً لسوريا ودول الجوار، ويتطلب جهوداً أمنية مكثفة وتنسيقاً عالي المستوى. ومع ذلك، فإن الصورة تحتاج إلى قدر من التمييز.
حتى الآن، الأعداد الفعلية للعناصر الفارّة محدودة، كما أن العناصر الأشد خطورة لا تزال تحت إشراف قوات التحالف الدولي. إضافة إلى ذلك، هناك خلط واضح بين من هم منتمون فعلياً لتنظيم داعش، وبين آلاف المعتقلين الذين وُجّهت إليهم تهمة الانتماء للتنظيم، وهي التهمة التي استخدمتها "قسد" خلال سنوات سيطرتها لتبرير اعتقال كل من عارضها سياسياً أو اجتماعياً.
Loading ads...
من هنا، فإن التحدي الأمني قائم، لكنه قابل للاحتواء إذا ما جرى التعامل معه بواقعية، وبفصل واضح بين الإرهاب الحقيقي وبين الملفات السياسية والاجتماعية التي استُخدمت أمنياً في السابق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





