6 أشهر
دمشق ومقامرة "القطب الواحد": هل يبتلع الدب الروسي فرص الانفتاح الأميركي؟
الإثنين، 29 ديسمبر 2025

تُعد العلاقة السورية مع القطبين الدوليين، روسيا والولايات المتحدة، المحرك الأساسي لرسم خرائط النفوذ والسيادة في المشرق العربي. فمنذ استقلالها، لم تكن سوريا مجرد طرف سلبي في التجاذبات الدولية، بل سعت عبر عقود إلى ممارسة سياسة “اللعب على الحبال”، محاولةً استثمار التنافس الدولي لتحقيق مكاسب إقليمية أو لضمان استقرار النظام السياسي.
ففي الكفة الروسية، تستند العلاقة إلى تحالف استراتيجي عميق، يرى في سوريا “الرئة الوحيدة” لموسكو على المياه الدافئة للمتوسط، وحصناً أخيراً لمواجهة التمدد الغربي شرقاً.
وفي الكفة الأميركية، تبرز سوريا كحلقة وصل جيوسياسية حرجة، ترتبط ملفاتها بأمن الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، وتحجيم النفوذ الإيراني.
ولكن محاولات سوريا اليوم التقارب من روسيا هي محفوفة بالمخاطر الاقتصادية والسياسية والامنية فميزان القوي الدولية لم يعد في صالح روسيا خاصة بعد حربها في اوكرانيا وضعف حليفها الإيراني وسقوط حليفها الثاني بشار الأسد.
زيارات مكثفة بين روسيا وسوريا
بدأ وفد سوري رفيع المستوى، الثلاثاء الماضي، زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو لإجراء سلسلة من المباحثات مع القيادة الروسية، وذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” نقلاً عن وزارة الخارجية والمغتربين، أن الوفد يضم وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، بالإضافة إلى قيادات من جهاز الاستخبارات العامة.
وتأتي هذه الزيارة امتداداً للحراك الدبلوماسي المكثف بين البلدين، والذي شهد في منتصف تشرين الثاني/أكتوبر الماضي أول زيارة رسمية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الكرملين. وقال بوتين حينها: “لم تكن لدينا في روسيا أي علاقات مع سوريا مرتبطة بظروفنا السياسية أو مصالحنا الخاصة، على مدى هذه العقود، كان هدفنا دائمًا مصلحة الشعب السوري”.
وأضاف: “روسيا وسوريا تتمتعان بعلاقات خاصة منذ عقود عديدة، وأن العلاقات بين سوريا وروسيا كانت دائمًا ودية للغاية“.
من جهته أعلن الشرع: “إن روسيا دولة قوية ومن مصلحة سوريا أن تكون لديها علاقات هادئة مع روسيا”، وتابع: “إذا بقينا ننظر إلى الماضي، فلا نستطيع أن نتقدم إلى الأمام، ينبغي أن نتجاوز عقبات الماضي، ونتعامل بديناميكية واسعة”.
ومن المقرر أن تركز النقاشات الحالية على ملفات التعاون الاقتصادي، والأمن الغذائي، والطاقة، إلى جانب تعزيز التنسيق العسكري والأمني وتبادل الخبرات التدريبية بين وزارتي الدفاع في البلدين، بما يضمن استقرار المنطقة وتعميق الشراكة التاريخية. في 31 من تشرين الثاني/أكتوبر الماضي، اختتم وزير الدفاع السوري، اللواء مرهف أبو قصرة، زيارة رسمية لروسيا الاتحادية استغرقت ثلاثة أيام.
وشهدت الزيارة مباحثات موسعة مع نظيره الروسي تناولت تعزيز التعاون العسكري المشترك، وتطوير آليات تبادل الخبرات في المجالات التدريبية والفنية بين وزارتي الدفاع في البلدين.
ويرى الباحث السوري ضياء محمد، في حديثه مع “الحل نت”، أن نتائج الحراك الدبلوماسي المكثف بين دمشق وموسكو ما تزال غير معلنة، في ظل تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيارات بروتوكولية أم تمهّد لتحالف استراتيجي جديد. ويأتي هذا في وقت تواجه فيه الإدارة السورية ضغوطاً إقليمية معقدة؛ فبينما يروج الجانب التركي لضرورة العودة للمظلة الروسية.
وهنا تبدو دمشق مدفوعة بالرهان على قدرة موسكو “الخبيئة” بجغرافيا المنطقة، فهي تأمل أن تكون روسيا هي الطرف القادر على الحد من طموحات “قسد” من جهة، وضبط الإيقاع العسكري الإسرائيلي في الأجواء السورية من جهة أخرى.””فهل الإدارة السورية الجديدة تحاول التقارب إلى الدب الروسي على حساب مصلحتها مع الإدارة الأميركية”؟
“قسد” بين الدعم الأميركي والقلق السوري
في عالم السياسة الذي لا يعرف الثبات ولا يؤمن إلا بلغة المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية، تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها أمام حقل ألغام من التوازنات الدولية. وتتصدر المخاوف من الدور الأميركي قائمة هواجس دمشق، وهي مخاوف يغذيها الجانب التركي باستمرار، مستغلاً نقاط الضعف في العلاقة بين الإدارة السورية وواشنطن.
ويأتي الدعم الأميركي المستمر لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على رأس هذه المخاوف؛ إذ ترى دمشق في هذا السلوك “تقويضاً صريحاً لسيادة الدولة” وعائقاً أمام بسط سيطرتها الكاملة.
هذا القلق الوجودي يدفع سوريا للارتماء مجدداً في “الحضن الروسي”، باعتبار موسكو الطرف الوحيد القادر على لعب دور الوسيط الميداني والسياسي، والقادر تقنياً على لجم الطموحات الانفصالية من جهة، والتدخلات العسكرية التركية من جهة أخرى.
وتشير القراءة السياسية للإدارة السورية إلى أن واشنطن، رغم انخراطها الكبير في الملف السوري، لا تبدي الحزم الكافي تجاه “قسد” لإجبارها على تنفيذ استحقاقات “اتفاق آذار/مارس” التاريخي.
ويظل البند المتعلق بدمج مقاتلي “قسد” في مؤسسات الدولة والجيش السوري هو العقدة الأبرز، خاصة مع اقتراب الساعة الصفر والموعد النهائي المحدد في 31 من كانون الأول/ديسمبر 2025؛ مما يضع المنطقة أمام مفترق طرق بين الحل السياسي الشامل أو العودة إلى مربع التوتر العسكري.
حيث تتجاوز تعقيدات الملف السوري حدود الدبلوماسية الرسمية لتدخل في صلب براغماتية المصالح التي تحكم علاقات الدول؛ ففي حين تسعى الإدارة السورية الجديدة لبسط سيادتها، تبرز “قسد” كعقدة مستعصية تتداخل فيها الهواجس الداخلية بالحسابات الدولية. داخلياً: جدار من التوجس وانهيار الثقة بعيداً عن الضغوط الخارجية، حيث تعيش “قسد” حالة من الريبة العميقة تجاه نوايا دمشق، وهي مخاوف تغذيها أحداث ميدانية دموية شهدها عام 2025، لاسيما مجازر الساحل (آذار/مارس 2025) وأحداث السويداء الدامية (تموز/يوليو 2025).
وترى “قسد” في هذه الأحداث مؤشراً على هشاشة السلم الأهلي، مما يدفعها للتمسك بشروط ترفض الإدارة السورية الاستجابة لها؛ حيث تصر دمشق على رؤية أحادية للاتفاق تفرغ “قسد” من خصوصيتها كطرف سوري أصيل، وتسعى لدمجها كأفراد فاقدي التأثير لا كشريك في صياغة المستقبل.
ومن الناحية الدولية يظهر اختلال واضح في موازين القوى بين أميركا وروسيا، فروسيا رغم امتلاكها أوراق ضغط حيوية، مثل “البعبع” التركي، والتواجد العسكري في قاعدة القامشلي، وعلاقاتها التاريخية مع عشائر شرق الفرات (دير الزور والرقة)، إلا أن هذه الأدوات تظل “مرهونة” بالتوافق مع واشنطن.
إلا أن موسكو لا تستطيع تحريك هذه الأوراق بفعالية دون ضوء أخضر أميركي، وهو أمر مستبعد في ظل التفاهمات العميقة بين واشنطن و”قسد”.
فالدعم الأميركي لـ “قسد” ليس مجرد تحالف عسكري عابر، بل هو استراتيجية مبنية على عدة ركائز جيوسياسية وأمنية تجعل من قسد الشريك الأكثر موثوقية لواشنطن على الأرض السورية.
حيث تعتبر واشنطن أن “قسد” هي القوة البرية الوحيدة التي أثبتت كفاءة عالية في قتال تنظيم “داعش” دون الحاجة لزج قوات أميركية في معارك برية واسعة.
وتعتمد أمريكا على “قسد” لتأمين آلاف المعتقلين من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم في مخيمات مثل “الهول” وسجون مثل “غويران”، لأن واشنطن تخشي من أن غياب “قسد” يعني خروج هؤلاء من السجون وعودة التنظيم فوراً.
هذا بالإضافة إلا أن وجود القوات الأميركية مع “قسد” يمنع إيران من تأمين “الممر البري” الذي يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق. السيطرة على هذه المنطقة تمنح واشنطن القدرة على مراقبة ومنع تدفق الأسلحة والميليشيات الموالية لإيران.
التحالف مع روسيا يجهض فرص الانفتاح الدولي!
ورغم اندفاع دمشق نحو تعزيز تحالفها مع موسكو عبر لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى، مدفوعةً بهواجسها تجاه السياسات الأميركية، إلا أن هذا قد يضع الدولة السورية في مأزق استراتيجي؛ إذ يهدد هذا المسار بتقويض فرص الانفتاح الدولي الجديد وتحويل البلاد إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى بدلًا من تحقيق الاستقرار المنشود.
فربما تكون روسيا شريك عسكري قوي، لكنها لا تملك الأدوات الاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة. حيث أن واشنطن هي المحرك الأساسي للعقوبات (مثل قانون قيصر وتعديلاته).
كما أن التحالف مع روسيا ضد واشنطن يعني استمرار العزلة المالية، ومنع تدفق الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار. قبول دمشق في النظام المالي العالمي والمؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي) يتطلب “ضوءاً أخضر” أميركياً لا تملكه موسكو. وفي المقابل وعلى الجهة الروسية، في الصراعات الدولية (مثل حرب أوكرانيا)، قد تضحي روسيا ببعض المصالح السورية مقابل مكاسب في جبهات أخرى مع الغرب.
كما أن محاولة الاقتراب أو التحالف مع الدب الروسي قد يقلص من قدرة الدولة السورية على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة، ويجعل قرارها رهيناً لحسابات الكرملين الإقليمية.
ولا يمكن أغفل أن التفاهمات الروسية-الإسرائيلية والتي تسمح أحياناً بضربات داخل سوريا لتأمين مصالح معينة، وهو أمر قد لا تجده دمشق كافياً لحماية أمنها القومي الشامل.
وعلي الجانب التركي، تعمل موسكو على إيجاد التوازن بين دمشق وأنقرة، مما قد يعطل استعادة السيطرة السورية الكاملة على الشمال إذا اقتضت مصلحة روسيا التفاهم مع تركيا.
Loading ads...
وبالتالي فإن العودة السورية للارتماء الكامل في حضن موسكو (كما ظهر في زيارات الوفود السورية لموسكو مؤخراً) قد يُفسر في واشنطن كـ “عدم جدية” في التغيير، مما يؤدي إلى تجديد العقوبات وتشدد الموقف الأميركي، خسارة فرصة تاريخية لرفع اسم سوريا من قوائم العزل الدولية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

