بيروت- لم يعد الدكتور حسن ماضي ينظر إلى يده اليسرى كما كان يفعل قبل ذلك اليوم، يد الطبيب الذي اعتاد أن يستخدمها في علاج مرضاه وتأهيل إصاباتهم أصبحت هي نفسها بحاجة إلى التأهيل.
أصابع شبه مبتورة، وشظية استقرت في الرئة وتسببت في نزيف داخلي، ثم عمليات جراحية متتالية وتدريب طويل على استعادة الحركة.
كان ماضي داخل مركز للعلاج الفيزيائي في مدينة صور جنوبي لبنان حين انفجر جهاز البيجر الذي يحمله، وفي لحظة واحدة، انتقل من موقع المعالج إلى المصاب.
وبعد رحلة علاج طويلة، عاد إلى مهنته، حاملا معه تجربة لم تكن موجودة في الكتب التي درسها أو الحالات التي عالجها؛ حيث أصبح يعرف من داخل جسده ما يعنيه أن يبدأ الإنسان إعادة تأهيله من الصفر.
ويقول ماضي للجزيرة نت إن إصابته جعلته أكثر قربا من المرضى الذين يمرون بمراحل متقدمة من إعادة تأهيل إصابات الأيدي، ومن آخرين فقدوا البصر بشكل كامل.
وبالنسبة إليه، لا يتعلق التأهيل باستعادة حركة عضو فحسب، بل باستعادة القدرة على العمل والاستقلالية وممارسة تفاصيل الحياة اليومية.
في 17 سبتمبر/أيلول 2024، انفجرت أجهزة بيجر في مناطق مختلفة من لبنان بصورة متزامنة، قبل أن تتكرر التفجيرات في اليوم التالي بأجهزة اتصال لاسلكية.
وبحسب منظمة العفو الدولية، أسفرت الموجة الأولى عن مقتل 12 شخصا على الأقل، بينهم طفلان ومسعفان، وإصابة 2323 آخرين. وفي اليوم التالي، أدت انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكية إلى مقتل 25 شخصا وإصابة 608 آخرين.
ولم تقع الانفجارات في أماكن معزولة، بل طالت أجهزة كانت موجودة في منازل وشوارع ومحال وأماكن عامة، مما وسّع دائرة الخطر إلى أشخاص كانوا في محيط حاملي الأجهزة. وخلصت المنظمة، بعد تحليل صور ومقاطع فيديو وشهادات، إلى أن بعض الأجهزة انفجرت في مناطق مدنية مكتظة.
لكن الأرقام لا تختصر ما حدث، فالإصابة التي تبدأ بجرح قد تتحول إلى مسار طويل من الجراحة والعلاج الفيزيائي، ويجد بعض المصابين أنفسهم أمام أجساد تغيرت وظائفها خلال لحظات.
وإلى جانب البعد الإنساني، طرحت العملية سؤالا أمنيا وتقنيا: كيف أمكن الوصول إلى أجهزة اتصال اختارها حزب الله ضمن محاولاته تقليل الاعتماد على الهواتف المحمولة؟
يرى الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبو نجم أن الابتعاد عن الإنترنت لا يعني بالضرورة أن الجهاز أصبح آمنا. ويشرح للجزيرة نت أن أجهزة البيجر تنتمي إلى أنظمة اتصال تقليدية، ولا تعتمد في عملها على اتصال مباشر بالإنترنت، وهو ما جعلها خيارا بالنسبة إلى حزب الله في محاولة لتقليل أخطار المراقبة والاختراق الإلكتروني.
لكن إغلاق باب الاختراق عبر الإنترنت لا يلغي نقاط الضعف، بل يمكن أن ينقلها إلى مرحلة أخرى وهي سلسلة التوريد. ويوضح أبو نجم أن المقصود هو الوصول إلى المنتج أو أحد مكوناته قبل أن يصل إلى المستخدم، ثم إدخال تعديل أو مكوّن لا يمكن اكتشافه بسهولة خلال الاستخدام العادي.
وبذلك يصبح السؤال الأمني أوسع من مجرد معرفة ما إذا كان الجهاز متصلا بالإنترنت، فالمسألة تبدأ من مصدره: من صنعه؟ ومن امتلكه قبل وصوله؟ ومن نقله؟ ومن كان قادرا على تعديل مكوناته؟
وفي تحقيق نشرته وكالة رويترز في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024، كشفت تفاصيل عن عملية "خداع معقدة" رافقت إدخال أجهزة البيجر إلى حزب الله، إذ أظهرت المعلومات أن بطارياتها صُممت بطريقة تخفي داخلها مادة متفجرة، في حين أُنشئت مواقع ومتاجر إلكترونية لإضفاء المصداقية على المنتج وإقناع الجهة المستهدفة بأنه جهاز تجاري حقيقي.
وبذلك، لم تكن نقطة الاختراق، وفق ما كشفه التحقيق، اختراقا تقليديا للجهاز عن بُعد، بل إدخال وسيلة التفجير والمواد المتفجرة إلى سلسلة توريد المنتج قبل وصوله إلى المستخدم، على أن يجري تفعيلها لاحقا عبر رسالة مشفرة.
ويضع الخبير أبو نجم العملية في هذا الإطار، موضحا أن إدخال مواد متفجرة إلى الأجهزة قبل توزيعها، يعني أن السيطرة عليها لم تبدأ لحظة وصولها إلى يد المستخدم، وإنما في مرحلة سابقة من دورة حياتها حين كانت لا تزال ضمن سلسلة التوريد.
أما الإشارة اللاسلكية التي أدت إلى تفعيل الانفجار، وفقا له، فتكون في هذه الحالة المرحلة الأخيرة من عملية بدأت قبل ذلك بزمن.
من هنا ينتقل الملف من التقنية إلى الاستخبارات، ويرى المحلل السياسي يوسف دياب أن أهمية العملية لا تكمن في قدرتها على إيقاع خسائر بشرية فحسب، بل "في الطريقة التي كشفت بها عن اختراق لمنظومة الاتصالات التي اعتمد عليها حزب الله".
ويعتبر دياب -في حديثه للجزيرة نت- أن استهداف أجهزة البيجر ثم أجهزة الاتصال اللاسلكية في اليوم التالي، أظهر قدرة على الوصول إلى أدوات اتصال يفترض أن تكون جزءا من منظومة أمنية مغلقة، مما يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بمسارات الشراء والتوريد والتوزيع.
ويضع العملية في سياق أوسع من المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، ويرى أن ما حدث شكل نقطة تحول في المسار الأمني والعسكري الذي تلاه.
ويربط بين تفجيرات أجهزة الاتصال وبين عمليات استهداف لاحقة، وصولا إلى اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويقول إن العمليات المتتالية كشفت "عن مستوى من الاختراق الاستخباري داخل منظومة الحزب".
في هذه الأثناء، ظلت بعض تفاصيل العملية وآلية تنفيذها موضوع تحقيقات وروايات متعددة. وقالت منظمة العفو الدولية إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الأجهزة كانت تحتوي على متفجرات مخفية، ودعت إلى تحقيق دولي لتحديد المسؤولين عنها.
Loading ads...
ومن جرح الطبيب حسن ماضي إلى سلسلة التوريد، ومن غرفة العلاج إلى غرف القرار الأمني، تتقاطع قصة العملية عند حقيقة واحدة: في الحروب الحديثة، قد تبدأ المعركة من الجهاز الذي يحمله الإنسان، لكنها لا تنتهي عنده.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



