7 أيام
أطفال بلا قيود مدنية.. كيف يحرم غياب الثبوتيات تلاميذ سوريين من التعليم؟
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
يعاني عدد من السوريين من صعوبات في إلحاق أطفالهم بالمدارس، بسبب عدم تسجيلهم في دوائر السجل المدني وغياب الوثائق الثبوتية اللازمة. فقد حالت ظروف الحرب، بما رافقها من تهجير ونزوح ولجوء، دون تمكن كثير من الآباء من تثبيت عقود الزواج، الأمر الذي انعكس لاحقاً على تسجيل المواليد في دوائر السجل المدني التي كانت خاضعة لإدارة النظام المخلوع.
وفي حالات أخرى، لم يتمكن الوالدان من تسجيل مواليدهم رغم وجود قيود مدنية خاصة بهم في مناطق سيطرة النظام المخلوع، لأسباب أمنية أو إجرائية كانت تتطلب الحضور الشخصي لأحد الوالدين، في وقت كان فيه أحدهما أو كلاهما يقيمان في مناطق شمال غربي سوريا أو في دول اللجوء.
ويلجأ بعض الأهالي إلى "التسجيل الشرطي" في المدارس بوصفه حلاً مؤقتاً لمشكلة غياب الثبوتيات الخاصة بالتلميذ، إلا أن استمرار التسجيل يتطلب استكمال الوثائق خلال المهلة المحددة، ما يضع الأطفال غير المسجلين مدنياً أمام خطر تعثر مسارهم التعليمي في حال عجز ذووهم عن استكمال الأوراق المطلوبة.
لم يتمكن أسامة من تسجيل طفلته، المولودة عام 2020، بعدما كان مهجراً في إدلب إثر مغادرته مدينة دوما عام 2018.
ويوضح، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن تسجيل طفلته كان يتطلب التواصل مع أحد المحامين المقيمين في دوما، ليتولى إجراءات استخراج وثيقة ولادة ورفع دعوى لتثبيت النسب واستخراج بيان عائلي، إلا أن المبلغ الذي طلبه المحامي لإنجاز الإجراءات تجاوز 500 دولار، وهو مبلغ لم يكن أسامة قادراً على دفعه في ذلك الوقت.
ويضيف أنه اضطر إلى تأجيل تسجيل طفلته، كما لم يتمكن من إنشاء قيد مدني لها لدى دوائر السجل المدني التي افتتحتها "حكومة الإنقاذ"، والتي أتاحت لاحقاً، في عام 2022، تثبيت عقود الزواج وتسجيل المواليد، إذ كان قد غادر إدلب إلى تركيا. وبذلك بقيت طفلته من دون قيد مدني.
أما عمران، وهو مهجر من أبو الظهور في ريف إدلب الشرقي وكان يقيم في مدينة معرة مصرين، فيقول لموقع تلفزيون سوريا إن طفليه، ويبلغ أكبرهما ست سنوات، غير مسجلين حتى الآن في دائرة النفوس، موضحاً أن إجراءات التسجيل معقدة وتتطلب وقتاً وصبراً، فضلاً عن تكاليف مالية مرتفعة في حال توكيل محامٍ لمتابعة القضية.
ويشير عمران إلى أنه لم يبادر سابقاً إلى تسجيل طفليه في دائرة السجل المدني في معرة مصرين المخصصة للمهجرين، لأنه لم يكن يدرك حينها أهمية هذه الخطوة، كما أن الوثائق الصادرة والممهورة بختم "حكومة الإنقاذ" لم تكن معترفاً بها خارج مناطق سيطرتها، وفق قوله.
ويواجه عمران اليوم عقبة إضافية تتمثل في عدم امتلاكه وثيقتي ولادة لطفليه، وهما من أبرز الإثباتات المطلوبة في دعوى تثبيت النسب.
ويقول إنه حاول الحصول على الوثيقتين من المستشفى الذي وُلد فيه طفلاه، إلا أنه فوجئ بعدم وجود سجلات خاصة بهما، موضحاً أن إدارة المستشفى كانت تتلف الأضابير والملفات المتعلقة بالمراجعين بصورة دورية كل ستة أشهر.
ورصد موقع تلفزيون سوريا حالات أخرى لأسر كانت تقيم في مناطق سيطرة النظام المخلوع، لكنها امتنعت عن تسجيل بعض مواليدها الذكور لأسباب مرتبطة بالخدمة العسكرية الإلزامية.
وكان قانون الخدمة العسكرية في عهد النظام المخلوع يعفي "الابن الوحيد" لوالديه من الخدمة الإلزامية، وهو ما دفع بعض العائلات إلى عدم تسجيل مولود ذكر ثانٍ، خشية فقدان الابن الأكبر صفة "الوحيد" وإلزامه بالخدمة العسكرية.
عائشة، وهي سيدة تقيم في ريف دمشق، تؤكد لموقع تلفزيون سوريا أنها لم تسجل ابنها الأصغر حتى الآن في دائرة النفوس، رغم إقامتها في المنطقة نفسها منذ عهد النظام المخلوع.
وتوضح أن قرارها كان مرتبطاً بمحاولة حماية ابنها الأكبر، الذي كان قد بلغ العشرين من عمره، من الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، إذ كان تسجيل شقيقه الأصغر سيؤدي إلى فقدانه صفة "الابن الوحيد".
وبذلك بقي الابن الأصغر ضمن فئة مكتومي القيد حتى اليوم، في حين تقول عائشة إن محاولاتها اللاحقة لتسجيله باءت بالفشل بسبب عدم امتلاكها وثيقة ولادة تحمل ختم القابلة التي أشرفت على ولادته وتصديق الجهة الصحية المختصة في ريف دمشق.
وبحسب شهادات أسامة وعمران وعائشة لموقع تلفزيون سوريا، فإن متابعة دعاوى تثبيت النسب عبر محامٍ قد تتطلب مبالغ تتراوح بين 300 و600 دولار، في حين قد يستغرق الوصول إلى حكم قضائي خمسة أشهر أو أكثر، بسبب اكتظاظ المحاكم الشرعية بآلاف الدعاوى المتعلقة بالثبوتيات وغيرها، ولا سيما في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام المخلوع.
أما في مناطق شمال غربي سوريا التي كانت تُعرف سابقاً بالمناطق المحررة، فتبدو إجراءات دعوى تثبيت النسب أسرع من حيث المدة، بحسب مصادر أهلية تحدثت لموقع تلفزيون سوريا، إذ يمكن في بعض الحالات الحصول على الحكم خلال جلسة واحدة.
ورغم محاولات التواصل المتكررة، لم يتلقَّ موقع تلفزيون سوريا رداً من وزارة التربية والتعليم، عبر مدير العلاقات العامة حمزة حورية، على تساؤلات تتعلق بحجم المشكلة والحلول الجذرية الممكنة للأطفال الذين لا يمتلكون قيوداً أو وثائق مدنية مكتملة.
وكانت وزارة التربية والتعليم قد أكدت، في 10 أيلول/سبتمبر الجاري، تسهيل إجراءات تسجيل الطلاب المقيمين في سوريا والوافدين إليها للعام الدراسي 2026-2027، إضافة إلى تفعيل "التسجيل الشرطي".
وأوضحت الوزارة، في تعميم نشرته عبر معرفاتها الرسمية، أنها تعمل على تأمين مقعد للطالب في أقرب مدرسة إلى مكان سكنه، استناداً إلى تعليمات القيد والقبول الخاصة بالعام الدراسي 2026-2027.
وبيّنت أنه يمكن تسجيل الطلاب شرطياً وفق البيانات والوثائق المتوفرة لدى ولي الأمر، أو استناداً إلى تصريح خطي بصحة البيانات، مع التعهد باستكمال الأوراق الثبوتية قبل امتحانات الفصل الأول.
وأشارت الوزارة إلى أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ الخطة الاستيعابية للطلاب، وفي ظل الإقبال الكبير على التسجيل في المدارس الحكومية والخاصة.
كما كشفت وزارة التربية والتعليم عن عودة أعداد كبيرة من الطلبة السوريين المهجرين والنازحين إلى المدارس خلال العام الحالي، مشيرة إلى أن عدد الطلاب في عام 2026 بلغ نحو 5 ملايين و291 ألف طالب وطالبة، مقارنة بـ4 ملايين و125 ألفاً و650 طالباً وطالبة في عام 2025، مع توقعات بوصول العدد إلى نحو ستة ملايين طالب وطالبة في عام 2027.
وفي تعليقه على القضية، يقول المحامي عبد الناصر حوشان لموقع تلفزيون سوريا إن لكل طفل الحق في التسجيل ضمن دائرة السجل المدني التابعة لمنطقته، مؤكداً أن غياب القيد المدني يحرمه من جملة من الحقوق المدنية المرتبطة بإثبات الشخصية والمواطنة.
ويضيف أن عدم تسجيل المولود ضمن المدة القانونية يترتب عليه الدخول ضمن فئة مكتومي القيد، مع ما يرافق ذلك من مشكلات تتعلق بإثبات الشخصية والنسب والحصول على الوثائق الرسمية وممارسة الحقوق المرتبطة بها.
وحول وجود أعداد من المواليد السوريين الذين ما يزالون مكتومي القيد، يشدد حوشان على ضرورة الإسراع في تسجيلهم، موضحاً أن الحالات التي تجاوزت المدة القانونية تحتاج إلى إجراءات قضائية لإثبات النسب وتاريخ الولادة قبل استكمال التسجيل في السجل المدني.
ويعزو حوشان تعقيد الإجراءات إلى تجاوز المدة القانونية المحددة للتسجيل، ما يجعل المعاملة تنتقل من إجراء إداري اعتيادي إلى مسار يتطلب إثباتات وقراراً قضائياً.
ويشرح طريقة تسجيل المولود بعد تجاوز المدة القانونية، موضحاً أنها تبدأ بوجود قيد مدني للوالدين لدى دائرة السجل المدني، ثم رفع دعوى أمام المحكمة الشرعية للمطالبة بإثبات النسب.
وبعد ذلك، تُحال القضية إلى القاضي المختص، الذي يعقد، بحسب حوشان، جلستين؛ الأولى للإقرار، والثانية للنطق بالحكم، مؤكداً أن الدعوى لا تكون مكلفة في حال باشر الوالدان إجراءاتها بأنفسهما من دون توكيل محامٍ.
ويشير حوشان إلى أن وزارة الداخلية تعمل على إعادة النظر في آليات تسجيل المواليد، بهدف تسهيل معالجة الحالات الناجمة عن ظروف الحرب الاستثنائية التي حالت دون تسجيل آلاف الأطفال خلال السنوات الماضية.
Loading ads...
كما يلفت إلى وجود توجه لتعديل قانون الأحوال المدنية بما يسهم في إيجاد حلول أكثر مرونة لهذه الحالات، وتقليص الإجراءات التي تحول دون حصول الأطفال على قيودهم ووثائقهم الرسمية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



